الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / حين تصبح السيادة جريمة!

حين تصبح السيادة جريمة!

سفيان بن مصطفى بنحسين*

ليس في العقل الإمبراطوري الأمريكي–الغربي ما هو أفظع من مشهد تقارب عربي حقيقي، وتحرّر لا يستأذن، ولا يطلب شهادة حسن سلوك من السفارات، ولا يمرّ عبر صندوق النقد ولا عبر بوابة التطبيع. فالتحرّر في قاموس الغرب جريمة أصلية، لأن من يتحرّر يسقط من يد المستعمِر، ومن يستعيد سيادته يخرج من منظومة الطاعة. وكل من يرفع راية العداء للصهيونية إنما يعلن بذلك القطيعة مع الغرب، فالعصابة الصهيونية ليست كيانًا طارئًا، بل هي خنجر الاستعمار القديم المغروس في خاصرة الأمة، وإسفين التفتيت الذي دُقّ بعناية بين شعوب المنطقة لمنع أي نهوض أو وحدة.
من هنا يبدأ الهلع، لا من توافق دولتين، بل من تلاقي إرادتين. هنا تُستنفَر غرف العمليات، وتُطلق حملات التشويه، وتُستدعى الطوابير الوظيفية في الداخل لتقوم بدورها الوظيفي المعتاد. وليس في الأمر قداسة لأنظمة ولا تزكية مطلقة لتجارب بشرية؛ فاليقين أن كل نظام، يحمل هنات وزلات ونقائص. لكن الغرب لم يكن يومًا معنيًا بهذه العيوب، ولا حريصًا على تصحيحها، بدليل أنه عاشق للأنظمة الفاسدة ما دامت مطيعة، ومتسامح مع الاستبداد ما دام يخدم مصالحه.
الغرب لا يهاجمك لخطاياك، بل لحسناتك. لا يحاصرك لفسادك، بل لمحاولتك التحرر. لا يشهر سيف “الديمقراطية” لأنك ظلمت شعبك، بل لأنك تجرأت على الخروج من بيت الطاعة. فالفوضى عنده مقبولة إذا كانت مُدارة، والانهيار مسموح به إذا كان خاضعًا، أما الاستقلال فهو الجريمة التي لا تُغتفر.ولهذا يُحارب كل مسار يربط بين السيادة والعداء للصهيونية، لأن هذا الربط يفضح الحقيقة التي يسعون إلى دفنها منذ عقود: لا تحرّر مع التطبيع، ولا سيادة مع الغرب، ولا استقلال في ظل وكلائه. فمن يقف في وجه الصهيونية، إنما يقف تلقائيًا في وجه المنظومة الاستعمارية كاملة، بكل أدواتها الناعمة والخشنة، وبكل أقنعتها الأخلاقية الزائفة.
التقارب التونسي الجزائري في عهد الرئيسين سعيّد وتبون ليس حدثًا إداريًا عابرًا، ولا مناسبة بروتوكولية تُختزل في صور وبيانات. ما جرى في الدورة الثالثة والعشرين للجنة المشتركة الكبرى، والتتويج بتوقيع 25 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات استراتيجية، هو إعلان صريح عن تحوّل نوعي: من علاقات مجاملة إلى مشروع تكامل. وهذا ما لا يسمح به الغرب، ولن يسمح به إن استطاع، لأن أي تكامل عربي حقيقي يعني تلقائيًا تراجع قدرته على الابتزاز والسيطرة.
الولايات المتحدة وفرنسا لا تعاديان تونس أو الجزائر كلٌ على حدة، بل تعاديان فكرة أن تجتمعا. تاريخيًا، لم يكن مسموحًا لدول المغرب العربي أن تتحول إلى كتلة متماسكة، لأن وحدة القرار تعني كسر القاعدة الذهبية للاستعمار: فرّق تسُد. لذلك صُنعت الخلافات، ونُفخت الأزمات، ورُعيت الأنظمة الهشة، وزُرعت النخب التابعة. أما اليوم، فإن مجرد تناغم سياسي بين تونس والجزائر يُعدّ تهديدًا استراتيجيًا.
هذا الخوف يتضاعف لأن التقارب لا يقوم فقط على المصالح الاقتصادية، رغم أهميتها. مرور الغاز الجزائري عبر تونس إلى أوروبا ليس مجرد اتفاق طاقة، بل معادلة سيادة ومصالح متبادلة. واتفاقية حسن الجوار لسنة 1983 لم تكن نصًا جامدًا، بل تعبيرًا مبكرًا عن إدراك مشترك لوحدة الجغرافيا والمصير. الجديد اليوم هو الإرادة السياسية لتحويل هذه الأرضية إلى مشروع فعلي، بعد أن بقيت كثير من الاتفاقات السابقة حبيسة الأدراج، رغم أن الجزائر كانت سبّاقة في دعم تونس ماليًا بعد الثورة، دون شروط مذلّة أو وصاية سياسية.
لكن الأخطر في نظر واشنطن وباريس ليس الاقتصاد وحده، بل السياسة. تونس، التي حاول الغرب إبقاءها في موقع “الحياد الرمادي”، بدأت تقترب من الموقف الجزائري في قضايا مفصلية: رفض الاتفاقات الإبراهيمية، والانحياز الأخلاقي لحق الشعب الفلسطيني، والاقتراب من دعم حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره، ولو دون إعلان صاخب. وهذا في قاموس الغرب خروج عن النص، وانحراف عن “التوازن” الذي يعني عمليًا الانضباط.
من هنا نفهم تقارير مراكز التفكير الأمريكية، مثل ما نشرته مجلة “ذا جيوبوليتيكس”، التي تتحدث بوقاحة عن “تحويل الجزائر لتونس إلى إقليم تابع”، وتبكي نفاقًا على “تعطيل الاتحاد المغاربي”. متى كانت أمريكا حريصة على وحدة المغرب العربي؟ وهي التي لم تصنع في العالم إلا الأحلاف المفككة والدول الوظيفية. حين يتحدث صانع الفوضى عن الاستقرار، فاعلم أن الاستقرار المقصود هو استقرار نفوذه لا استقرار الشعوب.
ولأن الهجوم الخارجي لا يكتمل دون أدوات داخلية، تحرّكت طوابير الصف الخامس في تونس. نخب سياسية وإعلامية ومالية لم تهضم بعد فكرة الدولة المستقلة، ولا تعيش إلا في ظل الوصاية. هؤلاء لم يعترضوا يومًا على التحكم الفرنسي في القرار الاقتصادي، ولم يرفعوا صوتهم ضد شروط صندوق النقد الدولي التي خنقت الشعب، لكنهم استيقظوا فجأة للدفاع عن “السيادة” عندما قررت تونس أن تخرج من تحت العباءة الغربية وتقترب من الجزائر.
يتحدثون عن “انقلاب” قيس سعيّد، وكأن الانقلاب جريمة بحد ذاتها حين يكون انقلابًا على التبعية. أي انقلاب هذا الذي يقوده رئيس منتخب في انتخابات شهد بنزاهتها الخصم قبل الحليف؟ أي انقلاب بلا دبابات، بلا ميليشيات، بلا دم؟ الحقيقة التي يخشون الاعتراف بها هي أن ما جرى انقلاب على منظومة الفساد والارتهان، وعلى دور تونس كحقل تجارب لوصفات البنك الدولي، لا انقلاب على إرادة الشعب.
الجزائر، بتاريخها التحرري وذاكرتها المثقلة بتضحيات مليون ونصف المليون شهيد، تفهم هذا المسار جيدًا. لذلك تمد يدها لتونس لا من موقع الهيمنة، بل من موقع الشراكة ووحدة المصير. أما اتهامها بالسيطرة، فليس سوى إسقاط لعقلية استعمارية لا تفهم العلاقات إلا بمنطق السيد والتابع.
ويبقى السؤال الأخلاقي الفاضح: كيف لأمريكا وفرنسا، وهما تمارسان الاستعباد الحديث على شعوب العالم بالعقوبات والحصار والديون، أن تعلّمنا معنى السيادة؟ كيف لمن دمّر العراق وليبيا، ونهب إفريقيا، ودعم الصهيونية بلا قيد، أن ينصب نفسه قاضيًا على خيارات شعب يريد أن يكون حرًا؟
الجواب بسيط: هم لا يريدون لنا سيادة، بل طاعة. لذلك يُحاربون تقارب تونس والجزائر، ويُشيطنون كل موقف معادٍ للصهيونية، ويُفعّلون أدواتهم في الداخل، لأنهم يدركون أن شعبًا واحدًا في دولتين، بوعي واحد وعدو واحد، هو بداية النهاية لعصر الإملاءات.
تونس والجزائر ليستا دولتين متجاورتين فقط، بل امتداد تاريخي واحد. دم واحد اختلط في ساقية سيدي يوسف، ومصير واحد يُراد له أن يبقى مفككًا. وما يزعج الغرب اليوم هو أن هذا الدم يعود ليصوغ قرارًا، وأن الجغرافيا تتحول إلى قوة، وأن السيادة لم تعد شعارًا. ولهذا، تحديدًا، يصرخون.
*كاتب تونسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …