الأربعاء , فبراير 11 2026
الرئيسية / اراء / من القتل بلا حكم إلى قانون الإعدام ..ماذا تغيّر في إسرائيل؟

من القتل بلا حكم إلى قانون الإعدام ..ماذا تغيّر في إسرائيل؟

العميد. محمد الحسيني*
لم يكن إقرار الكنيست في الكيان الإسرائيلي، في القراءة الأولى لما سُمّي «قانون الإعدام بحقّ الإرهابيين»، مجرّد خطوة قانونية معزولة، ولا يعني بحدّ ذاته دخول القانون حيّز النفاذ قبل استكمال القراءتين الثانية والثالثة، بل شكّل ذروة مسارٍ طويل سعى فيه العدو إلى نقل القتل من حيّز الممارسة الأمنية غير المعلَنة إلى حيّز التشريع الصريح. فالكيان المحتل، الذي ألغى عقوبة الإعدام عن الجرائم العادية عام 1954، ولم يُنفّذ أيّ حكم إعدام منذ إعدام أدولف أيخمان عام 1962، لم يتخلَّ يومًا عن القتل، بل أعاد تنظيمه خارج القضاء عبر الاغتيالات والقتل الميداني والاعتقال الإداري والموت البطيء في السجون. اليوم، وفي سياق حرب مفتوحة وانزياحٍ سياسي حادّ نحو اليمين الديني، لا يعود السؤال ما إذا كانت إسرائيل تقتل، بل لماذا تقرّر للمرة الأولى نقل هذا القتل من الظلّ إلى النصّ، ومن الاستثناء العملي إلى القاعدة القانونية.
العودة إلى تشريع الإعدام اليوم تعكس تحوّلًا أعمق في بنية الدولة وخطابها. تراجع الخوف من العزلة الدولية، وصعود خطاب ديني–قومي متطرّف، ورغبة واضحة في تطبيع القتل داخل المنظومة القانونية نفسها. فالقانون هنا لا يهدف إلى الردع بقدر ما يهدف إلى الإعلان: ما كان يُمارَس في الظل يُنقَل الآن إلى العلن. في هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الديني الذي رافق هذا التحوّل. فقد نشأ الكيان الإسرائيلي على استحضار نصوص حروب الإبادة في العهد القديم، ولا سيما في سفري يشوع والتثنية، حيث تَرِد أوامر بإبادة شعوب كنعان وعدم الإبقاء على «نَفَس حيّ». هذه النصوص، التي كُتبت في سياق أسطوري–تأسيسي، أُعيد استدعاؤها اليوم في خطاب ديني تبنّته تيارات قومية متطرّفة، لإسقاطها رمزيًا على الفلسطينيين بوصفهم «أعداء وجوديين»³.
ولا يمكن فهم الفتاوى الدينية المتشدّدة التي تميّز بين دم اليهودي وغير اليهودي بمعزل عن التحوّل الذي أصاب الصهيونية نفسها. فالصهيونية في أصلها كانت حركة قومية علمانية، تعاملت مع الدين بوصفه عنصر هوية لا مصدر تشريع. وأبقت العنف في حيّز الممارسة الأمنية غير المعلَنة، لا في حيّز التأسيس القانوني. غير أن هذا التوازن انهار بعد احتلال عام 1967 وصعود المشروع الاستيطاني. عندها جرى تديين الصهيونية، وتحويل النصوص التوراتية من سرديات تاريخية مُقيَّدة إلى تفويض سياسي مباشر. من هنا، لم تنشأ الفتاوى المتشدّدة من الصهيونية التأسيسية، بل من تديينها، عبر استدعاء مفاهيم مثل «عماليق»¹ و«الرودِف»² و«العدو الوجودي»³، وإسقاطها على الفلسطيني المعاصر بوصفه كيانًا يُنزَع عنه الحق في الحياة.
وهنا بدأ الانتقال الأخطر: من إدارة العنف إلى تبريره دينيًا. عند هذا الحدّ، خرج النقاش من كتب الفقه، ودخل مباشرة في منطق الحرب الدائمة. بعد أن استندت هذه القراءات القومية المتطرّفة إلى تفكيك انتقائي للتقليد الحاخامي. جرى اقتطاع نصوص توراتية وتلمودية من سياقاتها التاريخية والفقهية، ثم أُعيد توظيفها في خدمة مشروع سياسي–أمني حديث. فعلى سبيل المثال، تم توسيع قاعدة تلمودية دفاعية محدودة، هي «من جاء ليقتلك بادره بالقتل» (سنهدرين⁴ 72أ)، من حالتها الفردية الآنية إلى منطق جماعي يبرّر القتل الاستباقي لمجتمع كامل يُعرَّف بوصفه تهديدًا وجوديًا.

هذه النقلة ليست تفسيرًا، بل انقلابًا على النص. حيث بالتوازي، أُعيد إحياء مفهوم «عماليق»¹ الوارد في سفر التثنية بوصفه توصيفًا رمزيًا معاصرًا للعدو، في تجاهل متعمّد لإجماع الفقه اليهودي الكلاسيكي، ولا سيما موقف موسى بن ميمون، الذي أكّد سقوط قابلية تطبيق هذه الأوامر لانقراض الشعوب واختلاطها. فوفق هذا الإجماع، لم تعد هذه النصوص قابلة للتطبيق الشرعي، بل بقيت محصورة بزمنها وسياقها. ورغم ذلك، جرى استحضار نصوص إبادة استثنائية من أسفار يشوع والعدد لإلغاء مفهوم «المدني» بالكامل. أُعيد تعريف الطفل «خطرًا مستقبليًا»، والأسير «تهديدًا مؤجّلًا»، والمدني «غطاءً للعدو». بهذا المنطق، لم يعد القتل خرقًا للشريعة، بل واجبًا وقائيًا.
وهنا يتداخل الفقه مع السياسة، ويختفي الخط الفاصل بين النص والرصاصة. حين بلغ هذا المسار ذروته في فتاوى معاصرة هامشية ومرفوضة رسميًا من غالبية المرجعيات الدينية اليهودية، مثل المضامين التي وردت في كتاب «توراة الملك»، والتي أجازت قتل غير اليهودي، بل وحتى الأطفال، بذريعة الخطر المحتمل. ورغم رفض هذه الطروحات رسميًا من مؤسسات دينية واسعة، إلا أن أثرها العملي تجاوز هوامشها النظرية، وساهم في ترسيخ تصور لاهوتي يعتبر الدولة أداة خلاص، والجيش ذراعًا مقدّسة، والحرب وظيفة دينية.
ليس دفاعًا عن التشريع اليهودي الكلاسيكي، إلا أن التقليد الحاخامي اليهودي، عبر قرون طويلة، عمل على تقييد هذه النصوص وتعطيل قابليتها للتطبيق. ففي التلمود، وتحديدًا في رسالة سنهدرين⁴ (37أ)، يَرِد المبدأ الأخلاقي الصارم: «من قتل نفسًا واحدة فكأنما قتل عالمًا كاملًا». وقد فُسّر هذا المبدأ على أنه يشمل الإنسان لكونه إنسانًا، انطلاقًا من فكرة أن آدم خُلق واحدًا.
وفي القرن الحادي عشر، شدّد الحاخام راشي على أن الحروب التوراتية كانت استثنائية ومرحلية. وبعده بنحو قرن، أكّد موسى بن ميمون أن أوامر الإبادة سقطت عمليًا لانتفاء شروط تطبيقها. هذه المواقف لم تكن هامشية، بل شكّلت العمود الفقري للفكر الديني اليهودي الكلاسيكي، وقيلت قبل قرون طويلة من نشوء الدولة الإسرائيلية.
في القرن العشرين، عاد الجدل بصيغة جديدة مع قيام إسرائيل واحتلال الأراضي الفلسطينية. وهنا برز صوت الحاخام يشعياهو ليبوفيتش، الذي حذّر صراحة من تحويل التوراة إلى أداة سياسية، واعتبر أن الاحتلال لا يحمي الدولة، بل «يُدمّر اليهودية من الداخل». في المقابل، صعدت تيارات دينية قومية متطرّفة، لم تكتفِ بالتنظير، بل تحوّلت قراءاتها إلى ممارسة عامة، تجلّت فاضحًا في المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال في غزة.
من هنا، لا يمكن فهم قانون الإعدام الجديد ولا الخطاب الديني المرافق له بوصفهما عودة إلى «الأصل»، بل باعتبارهما قطيعة مع تقليد طويل قام على التقييد والتحذير. فالتحوّل الحقيقي لا يكمن في مصير الفلسطيني الواقع أصلًا تحت القتل، بل في انتقال الكيان الإسرائيلي نفسه من ممارسة العنف إلى الاعتراف به. ما كان يُنفَّذ لعقود عبر الاغتيالات، والتصفية الميدانية، والموت في السجون، جرى سابقًا تحت عناوين أمنية تسمح بالإنكار. أمّا اليوم، فإن التشريع ينزع عن القتل طابعه الاستثنائي، ويمنحه صفة القاعدة القانونية. لم يعد الدم نتيجة «خطأ عملياتي» أو «ضرورة أمنية»، بل قرارًا تُوقّعه الدولة باسم القانون، ويُشرِك فيه القضاء والمشرّع معًا.
بهذا المعنى، لا يخدم قانون الإعدام مصلحة إسرائيل الأمنية ولا القانونية ولا الدولية، بقدر ما يخدم حاجتها إلى إعلان هويّة عنيفة لم تعد تجد لها غطاءً آخر. سواء طُبِّق قانون الإعدام أم لم يُطبَّق، بفعل الضغوط والملاحقات القضائية الدولية المحتملة، فإن مجرّد نقل القتل من حيّز الممارسة الأمنية غير المعلَنة إلى حيّز التشريع العلني يُنتج أثرًا مزدوجًا لا يمكن التراجع عنه. خارجيًا، يتحوّل العنف من فعل قابل للإنكار إلى سياسة دولة مُقَرّة، فيغدو النصّ التشريعي نفسه وثيقة اتهام، تُدرج المشرّع والقاضي والضابط ضمن دائرة المسؤولية الجنائية، وتفتح الباب أمام الملاحقة بموجب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي. وداخليًا، لا تكمن الخطورة في عدد من سيُعدَمون، بل في ما يُحدثه التشريع في وظيفة القضاء وبنية الدولة. فالقاضي الذي يُستدعى لمنح الموت غطاءً قانونيًا، حتى لو لم يوقّع عليه لاحقًا، يتحوّل من سلطة رقابة إلى جزء من منظومة تشرعن القتل نظريًا، وتُكسَر الحدود التي كانت تفصل بين العنف بوصفه ممارسة أمنية والعنف بوصفه قرارًا قضائيًا، لتتآكل بذلك فكرة دولة القانون من الداخل لا بفعل الغياب، بل بفعل الإقرار المسبق بالقتل باسم النص.
هنا، لا يعود السؤال عمّا إذا كان القتل سيستمر، بل عمّا إذا كانت الإبادة قد وجدت أخيرًا نصّها القانوني الصريح. هكذا، يتحوّل النص إلى سلاح، ويتحوّل القانون إلى غطاء، وتُعاد صياغة الإبادة… بوصفها تشريعًا.
الهوامش:
¹ عماليق: قبيلة توراتية تاريخية ارتبطت بأوامر إبادة استثنائية، اعتبر الفقه اليهودي الكلاسيكي أن قابليتها للتطبيق سقطت تاريخيًا.
² الرودِف: مبدأ تلمودي دفاعي يجيز منع تهديد فوري فردي، جرى توسيعه سياسيًا ليبرّر القتل الجماعي.
³ العدو الوجودي: توصيف سياسي حديث يقدّم الخصم كتهديد للوجود ذاته، ويُستخدم لتعليق القانون والأخلاق.
⁴ سنهدرين: المجلس القضائي الأعلى في اليهودية القديمة واسم رسالة تلمودية قيّدت الإعدام وشدّدت على قدسية الحياة
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أمريكا بصدد إقامة نظام سلفي عالمي..!

فؤاد البطانية* ما زال حكام النظام العربي يتمسكون بثوابتهم في اغتصاب سلطة الشعب واحتكارها ووضع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *