د. لينا الطبال*
تورد الروايات إن الإمبراطور “نيرون” احرق روما من اجل مشهد يليق بعظمته المتوهمة. النار، دائما، تعطي معنى لمن لا معنى له. كان “نيرون” يحتاج الى نار أكبر من رأسه، من وهمه ومن فراغه. حريق هائل أراده فقط كي يتمكن على رماده من كتابة قصيدة شعر… في إسرائيل اليوم، لدينا “نيرون” صغير، نسخة مصغّرة… نسخة بلا موهبة، ولا أي حظ من الشعر، وهو يريد إحراق المعتقلات بمن فيها. يرتدي بدلة وزير، يحمل مسدس لا يفارق خصره كأنه طفل في عيد “المساخر” (او البوريم) ويُدعى إيتمار بن غفير.
لقد قرر “نيرون” الصغير أن القتل الصامت في زنازين “سدي تيمان” أو التعذيب الممنهج في كافة السجون الإسرائيلية لم يعد كافي لإشباع الجنون هناك… لا بد من شيء أعنف، فربما حينها فقط يتوهم أنه شاعر… هكذا، وُلد مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
لا نحتاج ايضا للبحث في أطلال “الكولوسيوم”… روما سقطت حين فقدت عقلها، واليوم نرى “إسرائيل الثالثة” تقف عند حافة نفس الهاوية التي سقطت فيها ممالك “يهوذا” و”داوود وسليمان” و”الحشمونيين” .
ها هي لعنة العقد الثامن تحطّ رحالها يا إسرائيل… لم تكن يوما خرافة دينية، هي تجلي لفيزياء السلطة التي لا ترحم.
هل تدركون كيف تنهار السلطة؟ حين تبلغ القوة ذروتها الغاشمة، تبدأ بالارتداد على نفسها، واليوم يتجسد هذا الانهيار في صورة قانون قاتل.. هنا بالضبط، يبدأ العد التنازلي…
هذه الحجة الشرعية لتبرير التوحش هي من ستكتب الفصل الأخير من نبوءة الزوال. لقد برعوا في صناعة القنابل، تعلموا كيف يقتلونا بدقة ويمسحون مدننا. انهم يثرثرون عن نصر مطلق… أين هو؟
أنا لا أرى اي نصر، لا أرى الا دخان كثيف، وأشمّ رائحة “يهوذا” تحترق.
بن غفير وهو لم يخترع أي شيء، لقد نبش في التاريخ فقط. كلنا يعرف ان إسرائيل ورثت قوانين الطوارئ لعام 1945 عن الانتداب البريطاني، وهي قوانين وصفها القاضي الإسرائيلي “يعقوب شمشون شابيرا” (الذي أصبح وزيرا للعدل لاحقاً) بأنها “قوانين لا توجد حتى في ألمانيا النازية”. كانت تعمد الى الإعدام المباشر لكن المؤسسة الأمنية العميقة في إسرائيل، كانت تفضل الإعدام الهادئ او الإعدام الناعم الذي يشبه في رقته وجه “أبو مازن” رئيس السلطة الفلسطينية. نعم، إعدام ناعم تماما مثل وجهه الضاحك وهو يوزع الابتسامات على المسؤولين الإسرائيليين في أروقة الفنادق الفاخرة.
بن غفير ينبش في قوانين النازية، وأبو مازن يمارس فن البقاء فوق جثامين أبناء شعبه بابتسامة دافئة، فالمقصلة التي يبنيها وزير “عيد المساخر” لا تستحق تعكير مزاج فخامة الرئيس وهو يصافح جلاديه.
دعونا لا نبالغ في الدهشة… ولنكمل المقال.
إسرائيل، منذ عقود، لا تحتاج إلى قانون لإعدام الأسرى. كانت تقوم بذلك بالفعل، تقوم بإعدامات بلا ضجة وببطئ وهدوء بواسطة: الاهمال الطبي، التعذيب، العزل الطويل، وأحيانًا موت لا يُعلن عنه فورا…. لكن كل هذا لم يعد كافيا. لان بن غفير لا يحب الهدوء، هو يريد المقصلة المقدسة… يريد أن يحول القتل من “ضرورة أمنية قبيحة” (كما كان يسميها أسلافه من قادة حزب العمل) إلى “احتفالية وطنية”.
عندما تقرّ لجنة “الأمن القومي” (يا لها من تسمية مضحكة!) مشروع القانون بالقراءة النهائية، فهي تشرع الإبادة من نوع جديد… نعم هي إبادة منصوص عنها صراحة في اتفاقية الإبادة… هذه الاتفاقية التي وُضعت لكي “لا يتكرر أبدا” ما حدث في الماضي، تتحول اليوم في أيدي بن غفير وزمرته إلى ورقة.
اسمحوا لي الآن بترك السخرية جابنا لاطلعكم على بنود هذه الاتفاقية:
إن قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين”، سواء جرى شرعنته رسميا في الكنيست أو بقي ممارسة فعلية في الزنازين، فإنه ينطبق عليه تماما نص المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية:
المادة 2 (أ): “قتل أعضاء من الجماعة”. عندما يتحول الأسرى إلى أهداف للتصفية الجسدية.
المادة 2 (ب): “إلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء من الجماعة”، عبر منظومة التعذيب الممنهج التي تسبق وترافق هذا القانون.
المادة 2 (ج): 3إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا”، بتحويل السجون إلى مقابر رسمية وانتزاع صفة الآدمية عن الأسير.
هذا ليس مقالا حول “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” … هذا مقال هو حول العلامة الفارقة لسقوط دولة الكيان.
فالإمبراطوريات، لا تضع قوانين للإعدام الجماعي إلا عندما تفقد القدرة على السيطرة السياسية، وتكتشف أن جدرانها لم تعد كافية لحمايتها… هذا المقال هو حول لحظة الذعر القانوني لإسرائيل، التي تظن أن المقصلة ستُرمم ما هدمه تاريخها الدامي.
بن غفير، هو في الحقيقة يقدم أعظم خدمة للقضية الفلسطينية منذ عقود. إنه ينزع القناع الأخير عن وجه “الديمقراطية” ويُظهرها على حقيقتها: “إسبرطة” المهووسة بالدماء، تبحث عن من تقتله كل صباح لتشعر أنها لا تزال على قيد الحياة.
لقد جرب البريطانيون المشانق في سجن عكا ضد الثوار الفلسطينيين، فماذا كانت النتيجة؟
لم يرتعب الشعب، تحول “عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي” إلى أيقونات خلدها الشعر والموسيقى، وأصبحت مشانقهم هي السلم الذي صعدت عليه الروح الوطنية الفلسطينية لتعجل برحيل بريطانيا. بن غفير، في جهله العميق للتاريخ، يظن أن المشنقة تُنهي الصراع… الحقيقة أنها تصنع الاساطير.
قانون إعدام الأسرى هو الغول الذي سيعود ليلتهم المنظومة نفسها، الغول الذي ربته إسرائيل في احشائها في مستوطنة “كريات أربع” هو من سيأكل صانعه.
وماذا عن المجتمع الدولي؟؟؟
لاشي جديد، مازال المجتمع الدولي يمارس هوايته المفضلة: القلق العميق. أعضاء هذا المجتمع تنظر إلى المشنقة التي يجهزها بن غفير، فيهزون رؤوسهم بأسف، ثم يعودون للقلق العميق على الأوضاع في الشرق الأوسط. هذا التواطؤ، والجبن المغلف بخطابات التضامن والحقوق، هو الذي منح منظومة الاحتلال الضوء الأخضر لتنتقل من الإبادة الصامتة إلى الإعدام المقنن.
في كتب “بنو إسرائيل” القديمة، لطالما تحدثوا عن “نُذر الشؤم” التي تسبق الزلزال العظيم، علامات صغيرة يراها الحكماء ويتجاهلها الحمقى… علامات تسبق الكارثة دائما.
لكن، من قال لكم انكم بحاجة الى إشارة سوداء ليكتمل نذر الشؤوم بسقوطكم؟ من قال إنكم بحاجة إلى غراب يحلق فوق أسواركم ليكتمل مشهد السقوط؟
لديكم الكنيست… ووزير “عيد المساخر” بن غفير، إنه العلامة الأكثر وضوحا.
قد لا يكون كل ذلك نبوءة مكتملة، لكنه بالتأكيد علامة على زوال كيانكم.
*كاتبة لبنانية واكاديمية و باحثة – باريس
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر