الإثنين , مارس 30 2026
الرئيسية / اراء / امريكا ..انهيار الهيمنة واحتضار الاقتصاد!

امريكا ..انهيار الهيمنة واحتضار الاقتصاد!

د. بهادر نوكنده*
لقد وصلت الأزمة العسكرية التي اندلعت في 28 فبراير 2026 مع بدء العملية المعروفة باسم «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى نقطة لا رجعة فيها. إنها لا تهدد استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل تضع البقاء الاقتصادي والتماسك الاجتماعي للولايات المتحدة أمام تهديد وجودي.
إن ما صورته إدارة ترامب في البداية على أنه تدخل سريع وحاسم لتدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، تحول في الواقع إلى حرب استنزاف مدمرة كشفت عن كافة الثغرات الأمنية والانقسامات المالية الممنهجة في الغرب. يستعرض هذا التقرير، بمنهجية خبيرة وبالاستناد إلى بيانات مؤسسات موثوقة مثل مكتب ميزانية الكونغرس (CBO)، وصندوق النقد الدولي (IMF)، وتحليلات كبار النخبة الأمنية، الأبعاد الكارثية التي ستجلبها استمرارية هذه الحرب للشعب الأمريكي.
الثقب المالي الأسود: دوامة الديون وتكاليف الحرب الفلكية

دخلت الولايات المتحدة المعترك العسكري عام 2026 وهي تعاني بالفعل من أزمة الديون العامة. وفقاً للتقارير الرسمية لمكتب ميزانية الكونغرس في فبراير 2026، كان من المتوقع أن يصل عجز الموازنة الفيدرالية في السنة المالية الحالية إلى 1.9 تريليون دولار، وذلك قبل احتساب تكاليف الحرب الباهظة.
* في الأيام الستة الأولى فقط من الصراع، أنفقت وزارة الدفاع الأمريكية مبلغاً يعادل 11.3 مليار دولار.
* ارتفع هذا المبلغ إلى 16.5 مليار دولار بحلول اليوم الثاني عشر.
* تشير التقديرات بحلول نهاية مارس 2026 إلى أن إجمالي التكاليف التشغيلية واستبدال الذخائر قد تجاوز 25 مليار دولار.
* تستعد الحكومة لطلب ميزانية طوارئ بقيمة 200 مليار دولار لمواصلة الحرب.
تُفرض هذه التكاليف الضخمة بينما يقترب الدين الوطني الأمريكي من حاجز 40 تريليون دولار، وهو ما يعادل 112,000 دولار لكل مواطن أمريكي. ويحذر النخبة الاقتصاديون من اقتراب الولايات المتحدة من “دوامة الديون” (Debt Spiral)؛ وهي الحالة التي تضطر فيها الحكومة لإصدار ديون جديدة لمجرد دفع فوائد الديون السابقة. ومع تسبب الحرب في رفع أسعار الفائدة وتراجع النمو الاقتصادي نتيجة صدمات الطاقة، ينمو الدين الوطني بشكل غير قابل للسيطرة، مما يعني إفلاساً حتمياً للهيكل المالي الأمريكي في المستقبل القريب.
والنتيجة المباشرة لهذا التراكم هي انخفاض حاد في القوة الشرائية وإلغاء برامج الدعم الاجتماعي. فبينما تُنفق المليارات على صواريخ “تومهوك” التي تبلغ تكلفة الواحد منها 3.5 مليون دولار، سجلت إدارة ترامب أكبر تقليص في شبكات الأمان الاجتماعي (Social Safety Net) في تاريخ البلاد. وبحسب تحليلات معهد بروكينغز، سيفقد أكثر من 5 ملايين أمريكي تأمينهم الصحي في عام 2026 بسبب تخفيض الميزانيات الصحية والتعديلات على قانون الرعاية الميسرة (ACA). إن هذا التناقض بين “القنابل الغالية” و”الموائد الخاوية” وضع المجتمع الأمريكي على شفا انفجار داخلي.
أرماغيدون الطاقة: إغلاق هرمز ونفط بـ 200 دولار
النتيجة الأكثر ملموسة ورعباً للحرب بالنسبة للعائلات الأمريكية هي صدمة الطاقة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز في 4 مارس 2026. هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره 20% من نفط وغاز العالم، تحول إلى منطقة “حظر طيران” بحري ليس فقط مادياً، بل بسبب خروج شركات التأمين من السوق.
* أدى إغلاق هرمز إلى حذف 20 مليون برميل نفط يومياً من الأسواق العالمية، وهي أكبر صدمة عرض في تاريخ صناعة النفط.
* وصفت وكالة الطاقة الدولية (IEA) هذا الوضع بأنه “أكبر تحدٍ لأمن الطاقة في التاريخ”.
* قفز سعر نفط برنت من حوالي 70 دولاراً قبل الحرب إلى أكثر من 120 دولاراً في أول أسبوعين من الصراع.
* تشير توقعات “غولدمان ساكس” و”جي بي مورغان” إلى أن سعر النفط سيتجاوز بسهولة حاجز 150 وربما 200 دولار في حال استمرار الحرب.
لا تقتصر هذه الزيادات على محطات الوقود؛ فلقد واجه القطاع الزراعي الأمريكي صدمة ثانوية في أسعار الأسمدة الكيماوية. تعتمد الأسمدة النيتروجينية والأمونيا بشكل كبير على الغاز الطبيعي، الذي يُنتج جزء كبير منه في الخليج. إن زيادة 28% في سعر اليوريا في الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب تعني ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية وخلق “حالة طوارئ في سلسلة توريد الغذاء”. بالنسبة للأمريكيين، أصبح الاختيار بين “تدفئة المنزل” أو “تعبئة خزان السيارة” أو “شراء الخبز” واقعاً يومياً.
احتضار البترودولار: نهاية الهيمنة المالية الأمريكية
لأكثر من خمسة عقود، استندت الهيمنة الاقتصادية الأمريكية إلى ركيزة تسمى “البترودولار” (Petrodollar)؛ وهو الاتفاق الذي تُجرى بموجبه معاملات النفط العالمية حصرياً بالدولار. وجهت حرب 2026 الضربة الأكثر فتكاً لهذا النظام. إيران، التي استعدت لهذه اللحظة منذ سنوات، سرعت عملية إلغاء الدولار بشكل كبير من خلال إطلاق بورصة نفط غير دولارية والتحالف مع كتلة “بريكس” (BRICS). كما نُشرت تقارير صادمة عن “إنذار اليوان” (Yuan Ultimatum)، تشير إلى أن طهران، مستغلةً سيطرتها على مضيق هرمز، طالبت بأن تتم تسوية معاملات السفن المارة باليوان الصيني فقط. وإذا وافق كبار مشتري الطاقة في آسيا على هذه الشروط، فإن احتكار الدولار كعملة احتياط عالمية سينهار بين عشية وضحاها.
بالنسبة للمواطن الأمريكي، فإن سقوط البترودولار يعني ارتفاعاً هائلاً في أسعار فائدة قروض الإسكان والسيارات والبطاقات الائتمانية، حيث ستضطر الحكومة للمنافسة لجذب الاستثمارات بدون غطاء البترودولار الداعم. هذا الوضع سيؤدي إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار ووقوع تضخم مفرط (Hyperinflation) يحول مدخرات العمر للأمريكيين إلى رماد في غضون أسابيع.
الجبهة الداخلية تحت النار: حملة «الملحمة الكبرى» السيبرانية
بينما تجري الحرب الفيزيائية على بعد آلاف الأميال، تُستهدف الجبهة الداخلية في الولايات المتحدة عبر حروب غير متكافئة. انتقلت الحملة السيبرانية الإيرانية المعروفة باسم «الملحمة الكبرى» (Great Epic) من التهديد النظري إلى مرحلة التدمير الفعلي للبنية التحتية الحيوية.
* حذرت وكالة حماية البيئة (EPA) في أوائل مارس 2026 من اختراق فاعلين سيبرانيين لأنظمة المياه والصرف الصحي.
* صُممت هذه الهجمات لإحداث اضطرابات تدريجية ومحلية تهدف لسلب الثقة العامة وشل الحياة اليومية.
* تكمن الخطورة في الأنظمة الحضرية الصغيرة التي تفتقر لميزانيات التحديث الأمني.
* تعمل وزارة الأمن الداخلي (DHS) في أضعف حالاتها التشغيلية بسبب المأزق المالي في الكونغرس والخلافات السياسية حول الهجرة.
التصدع الاجتماعي: احتضار الحلم الأمريكي
اصطدمت التكاليف الاقتصادية والعسكرية لحرب 2026 بمجتمع يعاني من استقطاب شديد. أظهرت استطلاعات “رويترز/إبسوس” في أواخر مارس أن 61% من الأمريكيين يعارضون الهجمات العسكرية ضد إيران، ووصف 63% الاقتصاد المحلي بأنه “ضعيف”. كما انخفضت نسبة تأييد الحكومة إلى 36% بسبب قفزة أسعار البنزين.
وصلت المعارضة الداخلية إلى أعلى المستويات الأمنية؛ حيث استقال “جو كينت” مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، معلناً أن “ضميره” لا يسمح له بدعم حرب لا تشكل تهديداً فورياً لأمريكا. وبالتزامن مع ذلك، خرج الملايين في حركات احتجاجية تُعرف باسم «لا ملوك» (No Kings) ضد إدارة الحرب وتآكل شبكات الدعم الاجتماعي. وبالنسبة للفئات ذات الدخل المنخفض، تحول الحلم الأمريكي إلى كابوس؛ حيث اضطرت 64% من النساء الملونات لتأجيل قرارات مصيرية مثل شراء منزل أو تلقي العلاج الطبي بسبب تكاليف المعيشة.
الواقع العسكري: فخ الذخيرة والعجز الاستراتيجي
ترافقت النجاحات التكتيكية الأولية بتكلفة استراتيجية لا تستطيع الولايات المتحدة تحملها. فالحجم الهائل لاستخدام الذخائر الذكية في الشهر الأول أدى لاستنزاف الاحتياطيات الاستراتيجية بشكل حاد. إن إطلاق أكثر من 850 صاروخ “تومهوك” في أقل من شهر، بينما لا يتجاوز معدل الإنتاج السنوي “بضع مئات”، وضع الجيش الأمريكي في وضع خطير.
هذا “فخ الذخيرة” قلل من قدرة أمريكا على الاستجابة لأزمات محتملة أخرى في شرق آسيا أو أوروبا. ومن جهة أخرى، فإن امتناع حلفاء الناتو عن المشاركة في العمليات البحرية ترك أمريكا وإسرائيل وحيدتين في محاولة إعادة فتح مضيق هرمز. هذا العزل الدبلوماسي يعكس تآكل النفوذ العالمي الأمريكي، حيث يرى الحلفاء في هذه الحرب “خطأ استراتيجياً كبيراً” (Epic Mistake) وغير مستعدين للتضحية باقتصاداتهم من أجل مغامرات واشنطن.
الخلاصة والنتائج النهائية
أثبتت حرب 2026 بين إيران وأمريكا وإسرائيل أنه في العصر الحديث، لا تُقاس تكلفة “الحرب الاختيارية” في ساحة المعركة فحسب، بل في تماسك الهيكل الاقتصادي وصمود البنية التحتية الداخلية. إن تلاقي دين بقيمة 40 تريليون دولار، واحتمال سقوط البترودولار، والحملات السيبرانية غير المتكافئة، دفع الولايات المتحدة إلى لحظة من المخاطرة الوجودية والانهيار الاجتماعي.
تشير التحليلات إلى أن استمرار هذا الصراع سيؤدي إلى “أزمة مالية ناتجة عن الديون” تتجاوز التضخم لتصل إلى انهيار ممنهج في الطبقة الوسطى الأمريكية. ويحذر النخبة من أنه إذا لم يتوقف هذا المسار، فإن الولايات المتحدة ستسقط ليس عبر الهزيمة العسكرية، بل عبر الإفلاس المالي والتصدع الاجتماعي؛ وهو نفس المصير الذي أودى بالعديد من القوى العظمى عبر التاريخ. بالنسبة للشعب الأمريكي، استمرار هذه الحرب يعني الظلام في المدن، وفقدان البنزين في المحطات، وبنوكاً خالية من الرصيد؛ وهو واقع أكثر رعباً من أي صاروخ في الشرق الأوسط.
*كاتب ايراني وخبير في الشؤون الدولية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ماذا لو انتصر حزب الله؟

  كريستينا شطح* في لحظة سياسية تبدو فيها المنطقة كلها معلّقة على احتمالات حرب طويلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *