موسى الفرعي*
مع اتجاه الأنظار إلى إسلام أباد الباكستانية وترقّبها لبدء جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ما يزال العالم يرى في الأفق “فسحة من الأمل” لعقد اتفاق يُجنِّب الطرفين والمنطقة بأسرها استمرار حربٍ ليست حربهم، وإنما أُشعِلت لمصلحة من يخططون لشرق أوسط جديد، وبأصواتٍ وأدواتٍ كانت تُرى في المفاوضات السابقة طرفًا مُفاوِضًا، وهي في الحقيقة منحازة لمبدأ الرصاص والمدافع، وتتحدث للعالم “بنصف الحقيقة” التي رأيناها “كذبة كاملة” في حرب الـ 12 يومًا، ثم الـ 40 يومًا.
الآن، العالم يفتح عينيه على محادثات إسلام أباد بزاوية جديدة، تركّز على الأشخاص الذين يجلسون على طاولة المحادثات؛ ففي السياسة والمفاوضات لا يكون النص المتفق عليه هو الرهان، وإنما “الصوت” الذي فاوض من أجل التوصّل إليه، وحديثي هنا عن جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي الذي سيترأس وفد التفاوض مع إيران بمشاركة ويتكوف وكوشنر، فهل ستكون له القدرة على تغيير مسار المفاوضات؟
التساؤل الذي أطرحه ينطلق من اختلاف شخصية جي دي فانس عن ويتكوف وكوشنر، وإن كانا يُمثلان البيت نفسه؛ فهو لا ينتمي بالكامل إلى المدرسة التقليدية التي أدارت هذا الملف لعقود، بل جاء من هامش اجتماعي وسياسي مختلف، صعد منه إلى مركز القرار في الداخل الأمريكي، وربما لديه قدرة مختلفة على مخاطبة الخارج. في المقابل فإن ويتكوف وكوشنر ينطلقان من عقلية “الصفقة” أكثر من عقلية الدولة نظرًا لخلفيتهما في الاستثمار والسمسرة العقارية، وهو ما كان واضحا في ميلهما نحو الرواية الإسرائيلية، واختزالهما مآلات المفاوضات في معادلات الربح والخسارة، بعيدًا عن منطق التحالفات، والتأثيرات على المنطقة، والأسواق وأسعار الطاقة وغيرها.
وكأني بابتسامة أراها على محيّا معالي السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية وهو يقرأ خبر اختيار جي دي فانس رئيسًا للجانب الأمريكي في المفاوضات؛ فهو الذي اختار لقاءه بعد آخر جولة من المباحثات بالوساطة العُمانية، مُتجشّمًا السفر من جنيف إلى واشطن للقائه في البيت الأبيض، لعلّه يكون “الصوت الحكيم” الذي يصل إلى الإدارة الأمريكية، وفعلا حاول أن يُثني الرئيس الأمريكي عن “حرب ليست حربهم”، إلا أن صوت السمسرة كان هو الطاغي، بعد أن وضعت فيه إسرائيل ثقتها؛ فما كان من معاليه وهو يسمع اقتراب صوت الحرب إلا اللقاء التلفزيوني الشهير مع قناة CBS الأمريكيةلـ “يُبلِّغ” الرسالة للعالم قبل وقوع الكارثة.
الآن، الفرصة ذهبية لنائب الرئيس الأمريكي أن يُعيد لبلاده ما خسرته من الحرب -إن لم يكن ميدانيًا، فهو في سمعتها العالمية-، ويتخذ القرار الصحيح في التحول من هدنة مؤقتة إلى اتفاق دائم يُعيد للمنطقة أمنها، وللسلم والحوار مساره، وللعالم المتحضّر لغته الراقية في التفاوض والتفاهم؛ فهل سينتهزها فانس، أم أنه سيكشف لنا أنه هو وويتكوف وكوشنر وغيرهم “وجوهٌ لعملة واحدة”؟
*كاتب عُماني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر