السبت , يناير 22 2022
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / بن زايد واردوغان

بن زايد واردوغان

بن زايد واردوغان
براء إبراهيم*
حدثٌ تاريخي شهدته العاصمة التركية أنقرة يوم الأربعاء الماضي، ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد يزور تركيا للمرة الأولى منذ العام 2012، ويلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتشهد الزيارة توقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية وضخ الإمارات 10 مليارات دولار في صندوق الاستثمار التركي.
الكثيرون فسروا زيارة بن زايد على أنها تعكس رؤية الإمارات لأن تكون علاقاتها الخارجية قائمة على مبدأ صفر خلافات، إلا أن الزيارة الإماراتية حملت في جعبتها مشاريع دول وحكومات، وليس فقط مجرد تغيير في سياسة الإمارات الخارجية.
[الشرق الأوسط الجديد جوهر الزيارة] أن تأتي الزيارة الإماراتية إلى تركيا عقب تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل وتصالحها مع قطر وإعادتها العلاقات مع سورية وتحسين علاقاتها مع إيران، وسياسة الإمارات نفسها القائمة على “صفر خلافات” كلها تصب في إطار دعم مشروع الشرق الأوسط الجديد الهادف إلى تكوين علاقات سلام بين جميع دول منطقة الشرق الأوسط، بغض النظر عن الاختلافات السياسية والدينية والقومية والعرقية فيما بينها بشكل يساعد على دمج “إسرائيل” في المجتمعات العربية والإسلامية بطريقة طبيعية.
كذلك فإن عودة العلاقات التركية _ الإماراتية من بوابة الإقتصاد، إثر توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين البلدين، والحديث عن بناء ممر تجاري يربط ميناء الشارقة بتركيا عبر إيران، كلها خطوات على طريق التشبيك الاقتصادي وإنشاء شرق أوسطية مفتوحة بين دول الشرق الأوسط وفق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
وإذا ما أشرنا إلى أن الازمة الاقتصادية الحالية التي تشهدها تركيا من انهيار سعر الصرف وخروج التظاهرات المناوئة لسياسة حزب العدالة والتنمية، سببها عزم أردوغان تخفيض سعر الفائدة في البنوك، لتحاكي السياسة النقدية التركية نظيراتها في الاتحاد الأوروبي الذي يسعى أردوغان جاهداً للانضمام إليه، فإن إنقاذ الإمارات له عبر هذا التعاون الاقتصادي الذي ساهم في إنعاش سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، أحد أهدافه إقناع تركيا بالتخلي عن طموحها بالانتساب إلى التكتل التجاري الأوروبي وتشجيعها على الانخراط في أسواق الشرق الأوسط.
وإلى جانب كل ذلك فإن إعادة الإمارات علاقتها مع تركيا عقب الإجراءات الأخيرة التي اتخذها أردوغان ضد جماعة “الإخوان المسلمين” وساهمت في التضييق على نشاطات ونفوذ الجماعة، تعد خطوةً أساسية في مساعدة الإمارات لتركيا على تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل”، فرفع يد الدعم التركية عن الإخوان والحديث عن إمكانية ترحيلهم، لا يخرج عن كونه استراتيجية جديدة تتبعها تركيا حتى تستطيع تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني بشكل علني، لأن وجود الإخوان في الداخل التركي يشكل عائقاً رئيسياً أمام اتخاذ أنقرة هكذا خطوة كبيرة يرفضها الاخوان المسلمون بشكلٍ قاطع.
[ بن زايد مبعوث بايدن إلى تركيا] عندما كان بايدن مرشحاً للرئاسة الأمريكية قال خلال مقابلة مصورة أجراها مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أن أردوغان “مستبد” وعلى الولايات المتحدة دعم المعارضة التركية لعزله واتخاذ نهج جديد في التعامل مع تركيا.
ولكن قد يسأل أحدهم :
إذا كانت الفرصة متاحة أمام أمريكا لعزل أردوغان عقب التظاهرات الأخيرة فلماذا أنقذته حليفة واشنطن أبو ظبي في اللحظة الحاسمة؟
الجواب هو أن كلام بايدن عن أردوغان لا يخرج عن كونه مجرد كلام فقط، بمعنى أن حملة بايدن الانتخابية ورؤية الحزب الديمقراطي عموما تقوم على دعم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبما أن أردوغان يعتبر من الرؤساء والحاكمين الذين لديهم سجل سيء في القمع وانتهاك حقوق الإنسان، لذا كان من الطبيعي أن يتحدث بايدن بهذا الشكل عن أردوغان، كذلك فإن رغبة بايدن باتخاذ سياسة مختلفة عن سلفه ترامب سبباً أيضاً في تصعيد اللهجة ضد الرئيس التركي.
لكن كل ذلك لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن طفلها المدلل أردوغان، فعلى الرغم من كل الخلافات الظاهرية التي تحدث بين واشنطن وأنقرة، فإن الأخيرة تبقى حليفة للولايات المتحدة وعضواً في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
وفي هذا الصدد يقول “دينس روس” المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما، في مقال نشره على موقع “ذي جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون” أوائل الشهر الحالي :
“إليكم مفارقة أخرى. طالما تدرك الولايات المتحدة وجود مصالح لها في الشرق الأوسط – سواء بسبب الحاجة إلى مكافحة الإرهاب أو إدارة المرحلة الانتقالية بعيداً عن الوقود الأحفوري خلال العقود القليلة المقبلة أو منع غرق المنطقة في الفوضى وتدفقات اللاجئين – ستعوّل واشنطن على الشركاء الإقليميين الذين يمكنهم تقديم المساعدة في كل هذه المجالات”.
بمعنى أن الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة وعلى رأسهم دول الخليج يعملون الآن على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، بالنيابة عن واشنطن التي اختارت الإبتعاد قليلاً عن منطقة الشرق الأوسط كما جاء في برنامج بايدن الانتخابي. فكما استلمت قطر ملف إدارة المصالح الأمريكية في أفغانستان ها هي الإمارات تستلم ملفات أخرى، فتركيا والولايات المتحدة شركاء في عدة قضايا ولديهم مصالح مشتركة وأخرى متقاطعة سواء في سورية وليبيا والعراق وإيران وفي مختلف دول المنطقة.
وبهذا الشكل سيضمن بايدن متابعة مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والتعاون مع مختلف الأطراف فيه، وفي نفس الوقت حفظ ماء وجهه أمام الجمهوريين والعالم بأنه لم يتنازل لتركيا أو يقلل من مصداقية قرارات واشنطن أمام الحلفاء والأعداء.
[ترويض أردوغان ومواجهة إيران] ومن ضمن الأهداف الأخرى التي حملتها زيارة بن زايد إلى أنقرة، هي ترويض أردوغان، ففي الفترة الأخيرة وبعد زيادة حدة الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا من جهة وتركيا ودول المنطقة من جهة أخرى، عمل أردوغان على البحث عن حلفاء جدد لبلاده فوجد في روسيا ضالته وبدأ بالتقرب منها، كذلك شهدت علاقات تركيا مع إيران تطوراً ملحوظاً، وبما أن واشنطن لا ترغب أبداً في رؤية موسكو وطهران حلفاء وأصدقاء لأنقرة، فإنها دفعت بالإمارات إلى بدء صفحة جديدة في العلاقات مع تركيا بعد أن بدأت مصر جولات حوار ومصالحة معها وقامت البحرين بتلطيف الأجواء معها، إذ أن واشنطن وجدت أن عزلة تركيا كانت نتائجها سلبية وليست إيجابية كما أرادت واشنطن لها أن تكون، لذا فإنها بدأت بالتراجع جزئياً عنها.
فضلاً عن ذلك فإن مواجهة إيران كانت هدفاً أساسياً بارزاً لهذه الزيارة، فتلويح واشنطن وتل أبيب بالحرب ضد طهران في حال عدم إثمار المحادثات النووية، استلزم توحيد صفوف دول المنطقة ضدها بدءاً من التطبيع مع “إسرائيل” إلى حل الأزمة الخليجية وصولاً إلى حل الخلافات العربية مع تركيا، بغية حمل إيران على التفاوض ودفعتها لتقديم تنازلات للجانب الأمريكي .
ولا تقتصر مواجهة إيران المرجوة على موضوع النووي فحسب، فتفجير الأوضاع الداخلية في إيران هدفٌ أساسي لواشنطن أيضاً، وقضية أزمة “الإخوان المسلمين” في تركيا لم تأتِ من عبث، إذ تتحدث أوساط إعلامية عن أن وجهة الإخوان المقبلة ستكون إيران، وهنا قد يسأل أحدهم :
إذا كانت لدى إيران علاقات جيدة مع الإخوان فلماذا قد يكون هناك توجس من انتقالهم إليها؟
صحيح أن إيران لديها علاقات جيدة مع الجماعة إلا أن علاقتها معها ليست علاقة صداقة أو تحالف، واللقاءات والاتصالات بين الجانبين قليلة وحتى نادرة، كذلك فإن إيران كانت بمواجهة عسكرية مباشرة مع الإخوان في سورية طوال سنوات الحرب فيها.
وتصدير “الإخوان المسلمين” إلى إيران بالطبع سيكون من وراءه أهداف خبيثة للإضرار بإيران وزعزعة استقرارها، بدليل أن إيران لديها علاقات طبيعية مع حركة طالبان التي استولت على الحكم في أفغانستان قبل بضعة أشهر، إلا أن تصدير الجهاديين إلى إيران كان أحد أهداف الانسحاب الأمريكية وإعطاء السلطة لطالبان، وهذا ما يشير إليه “روي غوتمان” في موقع “ديلي بيست” إذ يقول :
“عودة حركة “طالبان” قد تؤدي أيضاً إلى تدفق المتمردين واللاجئين نحو الصين وروسيا وإيران وباكستان وأوزبكستان”.
والأمر ذاته ينطبق على حركة “الإخوان المسلمين” فإن انتقالهم إلى إيران إذا حدث بالفعل، بالطبع سيكون لديه آثار سلبية كبيرة ستضر بإيران وذلك بسبب ما يلي :
_ الولايات المتحدة الأمريكية لم تصنف إلى الآن جماعة الإخوان المسلمين على أنها إرهابية.
_ الصحافي الإنجليزي «مارك كيرتس» كشف في كتابه (العلاقات السرية: التواطؤ البريطاني مع الإسلام الراديكالي)، أن بريطانيا كانت أحد الممولين الرئيسين لجماعة الإخوان المسلمين، وأن أول اتصال معروف بين «الإخوان» ومسؤولين بريطانيين كان عام 1941 وقبل عام 1942 كانت بريطانيا بالتأكيد قد بدأت فى تمويل جماعة «الإخوان».
_ قطر وتركيا وهما دولتان حليفتان رئيسيتان للولايات المتحدة الأمريكية وصديقتان سرّيتان لإسرائيل تمّولان وتأويان جماعة الإخوان المسلمين منذ زمن بعيد.
_ منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية المنحازة والتي تعنى بحقوق الإنسان، حثت الولايات المتحدة بشكل جدي على عدم إدراج جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية.
إذاً صعود طالبان وهبوط الإخوان كلها مخططات أمريكية تهدف من بين ما تهدف إلى النيل من استقرار إيران ووحدتها وزعزعة أمنها وأمانها.
علاوةً على ذلك فإن علاقة تركيا المصيرية والقوية مع أذربيجان، تعتبر علامة فارقة في المشروع الصهيو_أمريكي الموجه ضد إيران، لاسيما بعد التوترات الأخيرة التي جرت على الحدود بين إيران وأذربيجان، واتهام إيران لأذربيجان بتصدير الإرهابيين إليها واستضافة قواعد إسرائيلية على الحدود الإيرانية.
[ رسالةٌ لمحور المقاومة ومكسبٌ لبايدن] وفي الختام لا بد أن نشير إلى أن تطبيع مصر ودول الخليج علاقاتها مع تركيا يحمل في طياته رسائل إلى إيران ومحور المقاومة مفادها أنه وكما جرى انتشال أردوغان من أزمته الداخلية بعد أن أنصاع للمطالب العربية والغربية، فإن جميع دول محور المقاومة المحاصرة والمعاقبة، ستحظى بنفس القدر من الرعاية وحسن العلاقات إذا ما أذعنت لأوامر البيت الأبيض وسارت على الخطى الأمريكية والإسرائيلية.
بالإضافة إلى ذلك علينا أن لا ننسى أن المصالحة العربية_التركية هي في نهاية المطاف مكسبٌ وإنجازٌ سياسي يضاف إلى سجل بايدن، كما أُضيفت المصالحة الخليجية من قبل إلى سجل ترامب، بل ربما تشكل مثل هكذا مصالحة بدايةً لجهود سلامٍ أخرى قد يقودها الرئيس الجديد في المنطقة، خاصةً فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني_الإسرائيلي والصراع العربي والإسلامي_الاسرائيلي.
*كاتبة سورية

عن اليمن الحر

شاهد أيضاً

عاصفةُ التبابعة

عبد المنان السنبلي لقد قُلنا لكم منذ اليوم الأول: لا تستخفُّوا باليمنيين، لا يُغَـرَّنَّكم صبرهم.. …