الإثنين , مارس 23 2026
الرئيسية / اراء / الحريري..اعتزال السياسة لممارسة السياسة

الحريري..اعتزال السياسة لممارسة السياسة

فاطمة عواد الجبوري*
تاريخياً، لم نعتدْ أن يعتزل السياسيون عالم السياسة إلى الأبد. فمن ذاق طعم السلطة لا يتخلى عنها بهذه السهولة. وعليه فقد ظهرت مفاهيم جديدة حول مناورات “الاعتزال السياسي” هذه المناورات التي تعني في إطارها العام “اعتزال السياسة لممارسة السياسة”.
جاء إعلان رئيس الوزراء اللبناني السابق ورئيس تيار المستقبل “سعد الحريري”، بما حمله من مصطلح “تعليق العمل السياسي والانتخابي”، تكريساً لما أسميناه “اعتزال السياسة لممارسة السياسة”. الرجل الذي ترافق دخوله إلى الأوساط السياسية بعملية إجبارية بعد اغتيال والده رفيق الحريري. فلو كان يرغب بالاعتزال السياسي لفعل ذلك في البدايات خصوصا بأنه لم يكن يفقه كثيرا فيها. اليوم وبعد أن ذاق طعم السلطة وإغوائها فلا مجال للاعتزال.
لقد جاء إعلان الحريري هذا كرسالة واضحة للحلفاء والخصوم بأنه سيبقى خارج اللعبة إلى أن تتغير الظروف المحلية والدولية هذا بالظاهر فقط ولكن ذلك لا يمنع من ممارسة نشاط سياسي خفي. ولعل إعلانه هذا يمثل رسالة ضغط إلى الحلفاء الذين ساهموا باغتياله سياسياً.
عند دخول الحريري إلى القبة الحديدة السعودية في البدايات لم يكن يعتقد يوما بأن هذه القبة سوف تساهم بالإطاحة به. فعوّل الرجل على المال السعودي للوصول إلى السلطة وبناء تحالفات أبقت عليه في الواجهة السياسية في لبنان لسنوات. وبدلاً من بناء لبنان وطرح مشاريع تنموية خارج “أموال الصدقات” انخرط الرجل في عمليات فساد واسعة النطاق دون توظيف ثروة أبيه أو الأموال السعودية في مشاريع تنمية في لبنان تمنعه من الانهيار. ولا يعتبر الحريري وحده مقصراً في هذا المجال إذ أن المال السعودي في لبنان وُجه منذ البداية ضد مشروع المقاومة اللبنانية.
لم يستغل الحريري تلك الفرصة لخلق قاعدة شعبية واسعة تقف إلى جانبه حتى ضد الحليف السعودي. واستمرار الأخير بتحميل إيران وحزب الله مسؤولية ما يحدث في لبنان (حتى في إعلانه الأخير) يدل على الأزمة العميقة التي مر ويمر بها الحريري.
لم يدرك الحريري أبداً بأن الأولويات السعودية هي التصعيد الجاد ضد حزب الله في الداخل اللبناني، كما أنه لم يدرك بأن هناك حلفاء سابقون دخلوا على الخط وقدموا مشاريع مسلحة لمواجهة حزب الله ودفعه إلى الحرب الأهلية شريطة التمويل السعودي. عدم الإدراك هذا ساهم بشكل مباشر في استمرار الحريري على وتيرة الخطاب السابق.
السعودية اليوم تمول حليف جديد هو حزب القوات اللبنانية الذي أبدى استعداده للانخراط في مواجهات مسلحة ضد حزب الله ولا يهمه في ذلك انجرار لبنان إلى جحيم الحرب الأهلية. إن الاعتزال المؤقت للحريري ما هو إلا أوامر سعودية لصالح الحليف السعودي الجديد. ليس بالمال والإعلام السعودي وحدهما يتم دعم حزب القوات في الاستحقاق الانتخابي المقبل، وإنما قرر السعوديون حذف الحريري لتذهب أصوات تيار المستقبل والطائفة السنية إلى حزب القوات اللبنانية والذي شرعوا منذ زمن بالعمل الانتخابي وانفاق الأموال في المناطق الشمالية من لبنان كمخيم نهر البارد ومخيم البداوي وباب التبانة وحي المنكوبين وبقاع صفرين ومنطقة الجرد في عكار.
ختام القول، لا يمكن أن يظهر بديل لسعد الحريري في تيار المستقبل خلال الأربعة الأشهر المتبقية على الانتخابات البرلمانية وهذا ما سيدفع بحسب اعتقاد السعوديين إلى أن تذهب الأصوات السنية إلى حزب القوات. ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن الطائفة السنية تدرك تماما أن الطعنات التي تلقاها الحريري في الظهر قد جاءت من الحلفاء السابقين السعوديين وحزب القوات ورئيسه، فهل سينسون هذه الخيانات المتتالية؟؟ والأهم من هذا وذاك وطبق القاعدة التي أشرنا إليها في البداية من قال بأنّ اعتزال الحريري للسياسة بشكل مؤقت يعني أنه لن يمارس أي دور في توجيه الأصوات السنية. إن اختيار الحريري للإمارات كمقصد أول بعد الاعتزال فيه دلالات عديدة لمن يحاول أن يفهم المشهد المستقبلي للبنان.
*كاتبة وباحثة عراقية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تخلت أمريكا عن حلفائها في الخليج؟

آية مصدق* منذ اللحظات الأولى للحرب التي شنتها كل من إسرائيل وأمريكا ضد إيران في …