الأحد , يونيو 14 2026
الرئيسية / اراء / ما قبل الحرب ليس كما بعدها

ما قبل الحرب ليس كما بعدها

اسيا العتروس*
غابت منذ بداية الازمة في اكرانيا الدعوات لضبط النفس التي داب عليها المجتمع الدولي كلما تأجج الوضع في الشرق الاوسط و اطلق الاحتلال الاسرائيلي العنان لاسلحته الفتاكة و مستوطنيه لقمع الاهالي, فقد بات واضحا أن الدعوات لضبط النفس ورقة صالحة للتعاطي مع القضايا المتوارثة في الشرق الاوسط منذ عقود بل انها تكاد تكون اطلقت لهذا الغرض فهي كفيلة بمغالطة الراي العام الدولي وايهام الاطراف الاضعف بانها محل اهتمام من المجتمع الدولي الذي لا يتردد في جعل الجلاد في نفس المرتبة مع الضحية وفي احيان كثيرة في مرتبة اعلى فيكون صاحب الحق و الاكثر دعما من القوى و الاطراف الفاعلة …
ولعل فيما نشره النائب الإيرلندي ريتشارد بويد، الذي ينتمي الى حزب “People before profit”، وهو يخاطب الغرب بسبب ازدواجية المعايير، و اعتباره أن “المجتمع الدولي فرض العقوبات على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في غضون خمسة أيام، فيما لم يتم فرض العقوبات على الاحتلال الإسرائيلي التي تحتل فلسطين منذ عشرات السنوات، تحت حجة أنها غير فعالة” ما يذكر بظلم و انانية القوى الدولية التي لا يمكن ان تكون حارسا للعدالة الدولية ..
نقول هذا الكلام ونحن نحاول فهم منطق الدول العربية في التصويت على قرارالجمعية العامة الاستثنائي حول التدخل الروسي في اوكرانيا و الذي يؤكد مجددا, والى أن ياتي ما يخالف ذلك أن التعويل على اجماع عربي في المحافل الدولية اوالاقليمية أمر يستحيل تحقيقه , وسيكون من السذاجة بل من الغباء التعويل على موقف عربي متناسق في الامم المتحدة يستفيد من الازمة الراهنة في اوكرانيا لمحاولة فرض رؤية مستقبلية مشتركة او تعزيز موقع من القضايا العربية العالقة أمام انظارالامم المتحدة التي هبت على عجل لانقاذ الشرعية الدولية في اوكرانيا بعد ان ظلت هذه الشرعية مغيبة و تداس بالاقدام في اكثر من موضع في الشرق الاوسط ,,و قد سبق ان تعرضنا الى ذلك منذ بداية الحملة العسكرية الروسية في اوكرانيا و التي فرضت على المشهد التناقض الصارخ في التعاطي مع القضايا المصيرية بدءا بالقضية الفلسطينية منذ اربعينات القرن الماضي مرورا باجتياح العراق و قبله لبنان و لاحقا سوريا و ليبيا و اليمن و القائمة قد تطول اذا اخذا بعين الاعتبار التدخلات في امريكا الاتينية و افريقيا و اسيامنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ..
طبعا , ندرك جيدا أن الامر لا يتعلق بأي حال من الاحوال بمجلس الامن فهناك القرارات تخضع لسلاح الفيتو و الدول العربية لا مكان لها في هذا المجلس وعضويتها غير الدائمة و التي تكتسب سنويا بالتداول لا تؤهلها للتمتع بهذا السلاح الذي منح للقوى الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية.و لكن مرورها بهذا المجلس قد يمنحها امكانية مساندة او طرح قرارات كما هو الحال بالنسبة للامارات التي قايضت الاعضاء الدائمة للفوزبادانة للحوثيين و ادراجهم ضمن قائمة الجماعات الارهابية و هو ما فازت به في مجلس الامن و بدعم من روسيا ,و لكنها ستعود في الجمعية العامة لتصوت ضد القرار المطروح لادانة روسيا و هذه اشارة على ان لعبة المصالح و الحسابات وما يحدث في الكواليس هو الذي يقود اشغال الجمعية العامة و قرارات الامم المتحدة ..وهذه ليست الاشارة الوحيدة لان الضغوطات التي رافقت التصويت ومحاولات استقطاب الدول على مدار اربع و عشرين ساعة قبل التصويت كانت اشبه بحرب اعصاب لم تكن واشنطن مستعدة للظهور بمظهر الاعرج فيها ..
-أي موقع للدول العربية بعد الحرب في اوكرانيا ؟
والحقيقة أن التوقف عند تصويت الدول العربية بشان هذا القرارمسألة تحتاج لتكون تحت المجهرعلى الاقل لاستقراء القادم بعد ان تكون هذه الحرب وضعت اوزراها وتحديد موقع الدول العربية من الخارطة و من النظام الدولي الذي هو بصدد التشكل منذ اليوم الاول لارسال الرئيس الروسي بوتين قواته الى الحدود مع اوكرانيا و ما اذا سيكون للدول النفطية و منها دول الخليج او كذلك الجزائر وليبيا بقعة على الخارطة .. بمجرد نشراللوحة المجسدة لتصويت دول العالم حول قرار ادانة روسيا اتضحت المواقف فقد انقسمت الدول العربية الى ثلاثة مواقف بين من صوت مع القرارومن تخلف عن التصويت ومن عارض القرار و اذا كان مواقف بعض الاطراف متوقع فان البعض الاخر لم يكن كذلك و منها دول اختارت الحياد ولم تشأ الانسياق وراء الموقف الامريكي .
لقد فاجأت الإمارات وهي عضو غير دائم في مجلس الامن حلفاءها الغربيين الأسبوع الماضي عندما امتنعت عن التصويت على مشروع القرارالذي يدين العملية الروسية في أوكرانيا وكانت الخطوة مقدمة للخطوة اللاحقة قبل تصويت الجمعية العامة ,و يمكن وضع في الحساب أن الامارات كانت تسعى الى استصدار مجلس الامن قرارا بادانة الحوثيين و تصنيفهم على القائمة السوداء ولم تكن تريد ان يتحرك سلاح الفيتو قبل هذا التصويت ,وقبل ذلك علقت الإمارات المحادثات حول صفقة F-35 البالغة قيمتها 23 مليار دولار مع الولايات المتحدة، بعد أن أوقفت الإدارة الأمريكية النظر في تزويدها بهذه الطائرات…
ما قبل حرب اوكرانيا ليس كما بعدها
سيكون من السابق لاوانه اعتبار ان في ذلك ما يؤشرالى مراجعة للتحالفات غير المسبوقة التي تمكن من ارسائها الرئيس السابق دونالد ترامب والتي مهدت الطريق الى التطبيع مع اسرائيل و لكن يبدو ان ما قبل الحرب الروسية في اوكرانيا ليس كما بعدها و الارجح أن المصالح الاستراتيجية و الهيمنة على مصادر الطاقة لاسيما النفط و الغاز و غاز الشيست ستؤسس للعلاقات الدولية التي سيكون عنوانها الابرز اقتصاديا عسكريا ..بلغة الارقام فان اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في ختام جلستها الاستثنائية بدعم القرار 141 دولة فيما صوتت 5 دول ضد القرار وامتنعت 35 دولة أخرى،وهوما يكشف تقدما عن التصويت المسجل في 2014 خلال التدخل الروسي في جورجيا عندا صوت 100 بلد لصالح القرار و عاؤضه 11ربلدا و امتنع عن التصويت 58 بلدا وهو ما يعني في قراءة اولى أن سياسة العصا و الجزرة و ورقة الضغط باعتماد المساعدات من جانب واشنطن و معها بريطانيا و اوروبا تبقى مؤثرة الا ان هذا الدعم لا يمكن ان يلغي باي حال من الاحوال اهمية الدول التي امتنعت عن التصويت و منها ثلاث دول تضم نصف سكان العالم .
اما الدول الخمس التي صوتت ضد القرار هي روسيا، بيلاروسيا، أرتيريا، كوريا الشمالية و سوريا الدولة العربية الوحيدة التي رفضت القرارو هو خيار مفهوم بالنظر الى الحرب الدائرة في سوريا منذ عقد من الزمن و الدور الروسي في دعم النظام السوري في مواجهة الجماعات الارهابية و الدواعش ، أما الدول العربية التي امتنعت عن التصويت فهي العراق، والجزائر،والسودان والدول العربية المؤيدة للقرارفهي الأردن والبحرين ومصروالإمارات وجيبوتي وجزر القمر والكويت ولبنان وليبيا وتونس وموريتانيا وسلطنة عمان وقطر والسعودية والصومال واليمن…
-انتصارللشرعية الدولية فمتى سينتصرون لفلسطين؟
اللافت ان مبررات كل الدول العربية بمختلف مواقفها جاءت بدعوى الانتصار لثوابت ميثاق الأمم المتحدة، التي يتعين أن تبقى أساس القانون الدولي وحجرالزاوية في العلاقات الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهنا بالتاكيد موطن الداء و مربط الفرس فمفهوم الشرعية الدولية يصبح نافذا في معارك و يتلاشى في معارك اخرى
امتناع الهند، العضو غير الدائم في مجلس الأمن منذ أكثر من عام ونصف عام والتي تربطها علاقات عسكرية بروسيا و اوكرانيا كما امتناع الصين و باكستان عن التصويت و ايران و جنوب افريقيا يعني رفض نصف شعوب الارض ليس للقرار الذي يدين التدخل الروسي في اوكرانيا ولكن وهذا المهم لسياسة المكيالين و ازدواجية المعايير و لعبة المصالح التي تنتصر لحقوق الانسان المسيحي الابيض المتمدن و تتجاهله عندما يتعلق الامر بغيره من عوب الارض المتوحشين البعيدين عن الحضارة الغربية و المدنية …
*كاتبة تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

فصول جديدة في صراع طويل الأمد!

نجاح محمد علي* في لحظة تأريخية فارقة تشبه تلك المنعطفات الكبرى التي عرفها العالم عندما …