الجمعة , يونيو 21 2024
الرئيسية / اراء / لقاء النقب… تمسَّكَ غريقٌ بغريق

لقاء النقب… تمسَّكَ غريقٌ بغريق

عبد السلام بنعيسي*
ليس في لقاء النقب جديدٌ يُذكر، أن يكون الهدفُ من اللقاءِ الذي جمع وزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية مصر العربية، والإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة المغربية، مع وزير خارجية الكيان الصهيوني بمدينة النقب، إنشاءَ حلفٍ لمواجهة ما سُمِّيَ بالنفوذ الإيراني في المنطقة، فنحن مع هذا الهدف المعلن من اللقاء المذكور، أمام حدثٍ عادي، إذا تم وضعُ اللقاء في سياقه التاريخي.
عداء هذه الدول للجمهورية الإسلامية الإيرانية والحفرُ لها، ليس وليد اليوم لكي يفاجئنا، ونعتبره حدثا خارقا، إنه عادةٌ متأصلة في الدول السالفة الذكر، منذ نجاح الثورة وإسقاط نظام الشاه، ولم تكن تلك الدول بمفردها من تعادي إيران وتحاربها، فلقد كان إلى جانبها الغرب بأكمله، والعديد من الدول التي تدور في فلكه، سواء من إفريقيا، أو آسيا، أو أمريكا اللاتينية.
فبمجرد أن جرى إسقاطُ الشاه، وعاد الإمام الخميني إلى طهران معلنا عن نجاح الثورة، وأغلق السفارة الإسرائيلية بطهران، وسلَّم مفاتيح مقرِّها إلى ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، انطلقت الحملة المعادية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وانطلق مسلسل شيطنتها، وفصولُ المسلسل إياه لا تزال تتوالى أمام أنظارنا، ولقاءُ النقب هذا، لا يعدو كونه حلقةً من حلقات المسلسل المتعاقبة والبائخة…
لقد حرّضوا العراق على إيران وأضرموا بين الدولتين الجارتين نيران حرب الثماني سنوات، وكانت دول الخليج بتحريضٍ، من أمريكا وأوروبا، تموِّلُ تلك الحرب، وتوفر لها التغطية السياسية والإعلامية، وتبرّرُها بالفتاوى الدينية، وكانت تعتبرها حربها المقدسة، ثم جرى الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، وكانت واحدة من غايات الغزو، فرضَ حصارٍ على حصارٍ على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبادر الغرب إلى مقاطعة إيران، ووقف التعامل معها على كافة الأصعدة، وصار يُلصقُ بها كل موبقات الدنيا، في مسعى محمومٍ لتضييق الخناق عليها، بغية تفجيرها من الداخل، لإسقاطها والتحكم فيها.
وبدل أن تتفتت إيران وتصبح خاضعة للغرب وتحت سيطرته، فإنها اعتمدت على نفسها، وشحذت إمكانياتها، متصدية للغرب إلى أن باتت قوة إقليمية جبارة، ففي العراق الذي كان محتلا من طرف حوالي 200 ألف جندي أمريكي، صار لإيران حلفاء تعتمد عليهم ويعتمدون عليها، ويجمعهم وإياها العداء لأمريكا، ومعها الكيان الصهيوني العنصري المجرم، وفي اليمن، ورغم حرب الثماني سنوات، فإن الحوثيين، حلفاء إيران، أضحوا قوة مرعبة، فلقد صاروا ينتجون الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة، وفشلت الترسانة العسكرية السعودية في القضاء عليهم، وباتت تستجدي التفاوض معهم، وهم يتمنعون عليها، ويضعون شروطهم على الطاولة لقبول وقف قصفهم لمنشئاتها النفطية..
ورغم 2000 مليار دولار التي تمَّ إنفاقها من أجل تغيير نظام الرئيس بشار الأسد لأنه حليفُ إيران، للمجيء برئيسٍ، يكون مواليا لأمريكا والخليج، ومعاديا لطهران، فإن الرئيس السوري لا يزال، بالدعم الإيراني، سيد الميدان في بلاد الشام، وصارت الوفود الخليجية تتقاطر على قصره، وقام هو بزيارة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وخُصّص له فيها استقبال يليق بمقامه كرئيس دولة محورية في المنطقة العربية، وبات الحديث رائجا بقوة، عن ضرورة إعادة سورية، وهو رئيسٌ لها، إلى أن تتبوأ مقعدها من جديد في الجامعة العربية…
وبفضل السلاح الإيراني، فإن المقاومة الفلسطينية في غزة حققت الانتصار المدوي على الكيان الصهيوني في معركة سيف القدس، وأضحت كالشوكة في خاصرته، أو كالموس في حلقه، لا هو قادرٌ على رميه، أو على بلعه، وأضحى الكيان الصهيوني يستجدي الوسطاء لتأمين استمرار التهدئة، وتجنُّبِ المواجهة مع المقاومة، وها هي العمليات الفدائية تستأنف أنشطتها بكثافة، وتضربُ مُخلفةً القتلى الصهاينة في قلب الكيان الصهيوني.
أما في لبنان، فلقد تحوّل حزب الله، بالدعم الإيراني، منذ انتصاري سنتي 2000 و2006 إلى قوة ضاربة وكابوسٍ يهدد دولة الاحتلال ويرعبها بصواريخه الدقيقة، ومسيراته التي صار ينتجها بوسائله الخاصة، فالغاز في المناطق المتنازع عليها، لا تستطيع إسرائيل استخراج أي نقطة منه، دون الاتفاق مع الدولة اللبنانية، وبموافقةٍ من حزب الله. لقد انتهى ذلك الزمان الذي كان فيه الكيان الصهيوني، يعربد، طولا وعرضا، وشرقا وغربا، في المنطقة….
كل ما سلف حدثَ والجمهورية الإسلامية الإيرانية تعيش في أوج الحصار الأمريكي/ الأوروبي المفروض عليها، فكيف سيصبح الوضع، إيرانيا، ومع محور المقاومة، وأمريكا وأوروبا تستعدان للعودة إلى الاتفاق النووي، ورفعِ الحصار على النفط والغاز والمال الإيراني؟ فهل بإمكان إسرائيل اليوم، وإلى جانبها، مصر، والمغرب، والإمارات، والبحرين، إنجازَ شيء ما ضد إيران، وهم الذين فشلوا في تحقيق أي هدف من أهدافهم ضدها، حتى عندما كان إلى جانبهم الغرب برئاسة أمريكا، وكانت إيران في حصار خانق؟؟
ما هي الوسائل والإمكانيات التي في حوزة هذه الدول العربية لترفد بها إسرائيل وتساعدها في التفوق على إيران، والانتصار عليها بمعية حلفائها، في العراق، واليمن، وسوريا، ولبنان، وغزة؟؟ هل ينقص إسرائيل السلاح؟ هل تعدم المال؟ هل تفتقر إلى التغطية السياسية الغربية للإقدام على أي خطوة ضد إيران إن كانت مضمونة العواقب، ومتأكدة من نجاحها؟؟
الدول العربية التي تعوِّلُ على تحالفها مع إسرائيل، لحلِّ مشاكلها الداخلية، وللتصدي لإيران ومعها حلف المقاومة، تنطبق عليها مقولة: تمسك غريقٌ بغريق، فلو كانت هذه الدول قوية، ومستقلة في القرارات التي تتخذها، ولو كانت تأخذ رأي شعوبها بعين الاعتبار في التدابير التي تُقبِلُ عليها، لما تجرأت على التحالف مع دولة عنصرية مجرمة، تضطهد وتقتل أبناء شعبٍ شقيقٍ لشعوبها، وتندِّدُ بعملياته الفدائية، فوجود الفلسطيني في أرضه، يمثل، في حد ذاته، مشكلة عويصة لإسرائيل، يستحيل عليها التخلص منها.
عندما تندد الدول العربية التي حضرت لقاء النقب بالعمليات الفدائية التي تنجزها المقاومة ضد الكيان الصهيوني، وعندما يقوم وزراء خارجيتها بوضع إكليل من الزهور على قبر بن غوريون، ويعلنون في نفس الوقت عن إنشاء تحالفٍ لمواجهة إيران، فإنهم بتصرفهم هذا يصبغون كامل الشرعية على ما تقوم بها إيران في المنطقة، وحتى إن كانت هناك تحفظات موضوعية على بعض التصرفات الإيرانية، فإن وهج التحفظات يضمحِلُّ، ويصبح ما يصدر عن إيران مستساغا ومقبولا…
لو كانت إسرائيل في كامل الثقة بنفسها على أنها قادرة بمفردها على الإجهاز على إيران ومحور المقاومة، لما كانت قد لجأت إلى بعض الدول العربية لتتحالف معها، وتستعين بها في تحقيق مبتغاها، ولكانت قد بادرت إلى فعلتها، وقادةُ هذه الدول نيامٌ في أسرَّتِهم، ولا يعلمون بما اقترفته، إلا كباقي الناس، عبر النشرات الإخبارية. التحالف بين إسرائيل وبعض الدول العربية، دليلُ ضعفٍ للطرفين، إنه تحالف المأزومين والمختنقين في أزماتهم الداخلية.
إسرائيل مرعوبة من حلف المقاومة ومن صواريخه الفتاكة، فكما يقول الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي عن القبة الحديدية التي يتلهف بعض الحكام العرب لشرائها: ((القبة الحديدية ليست الحل، فالكل يعلم بأن دِقَّةَ القبة الحديدية هي من 20 إلى 30 بالمائة فقط…. صاروخ قيمته 50 ألف دولار ينطلق لضرب صاروخ قيمته 300 دولار، ويخطئ في معظم الأحيان)).
التطور التكنلوجي العسكري يتقدم بسرعة، ويستفيد منه محور المقاومة، وفي ضوء هذا التطور، والاستفادة منه، ومع التجارب المتراكمة نتيجة لذلك، فإن إسرائيل محكوم عليها بالزوال من منطقتنا، وكل من يتحالف معها، ويراهن عليها لتحقيق مصالحه الخاصة، سيكتشف بعد فوات الأوان، أنه راهن على الحصان الخاسر، وسيندم في وقتٍ قد لا تنفعه الندامة…
الاحتماء من غضب الشعوب لا يتمُّ من خلال عقدِ التحالفات المشبوهة مع أعدائها، لتكريس الفساد والاستبداد، الاحتماء من ذلك الغضب، يتحقق بإنجاز الإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وباحترام حقوق الإنسان، وإقرار الديمقراطية الفعلية، ومحاربة الفساد، وإشراك الشعوب في المراقبة على المال العام، وتمتيعها بحقها في الثروة والسلطة.
بماذا أفادت أمريكا وإسرائيل الرئيس التونسي المعزول زين العابدين بنعلي، ونظيره المصري حسني مبارك، والشاه من قبلهما، حين ثارت على هؤلاء وغيرهم، شعوبُهم، رافضةً استمرارهم في حكمها؟؟؟

*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

خطة بايدن والحقائق الصعبة بشأن غزة!

د. سلام فياض* جاءت الأيام التي انقضت منذ تبني مجلس الأمن الدولي للتصور الذي كان …