المهندس/ خالد شــحام*
ما قبل رمضان بليلة واحدة – موقعة سميح مول
أعداد الجماهير الفائضة تغمر مداخل المول وممراته مثل جراد منتشر ، الشعوب المظلومة والمحرومة من اللحم والدجاج والأرز والشوربة تصحو بعد طول عزلة وانقطاع وحرمان ، الثورة تلمع في العيون والوجوه التي تنشد حقوقها مثلها مثل أي شعوب محترمة وصيحات الحق تزلزل المكان ، ابتدأ الهجوم على ثلاجات العرض حيث اللحوم الطازجة والمجمدة أوالمنتهية الصلاحية لا فرق ، تم تحرير كل الأسرى من هذه اللحوم والدجاج والأسماك المجمدة التي ماتت في الثلاجات من الحبس والاذلال ، قسم الشوربات والصلصات تم تحريره أيضا ولم يتبق أحد خلف أقفاص الحبس على الرفوف ، قسم الخضروات تم فكه من الأسر أيضا ولم تبق الهجمة على شيء ، الجماهير الغاضبة المتحررة كانت تصنع تاريخها من جديد في سميح مول الذي سيبقى ذكرى خالدة في صفحات الحرية ، نفس المعارك المكتوبة بالنصر كانت تجري بنفس الموازاة في سيفوي وكارفور وكوزمو وسنترو وغيرها من عصابات كل هؤلاء الكفرة ……..كلها أسماء سيخلدها التاريخ لهذه الشعوب المتعطشة والتواقة للحرية والتغيير والانتصار على الجوع ، كانت الكاشات شاهدة على هذا النصر المؤزر وتوثق الأدلة على التغييير وكان صاحب المول يبكي فرحا من صحوة الجماهير أخيرا !
السنة السادسة من العجز العربي –اليوم الأول من رمضان
الموقع هو عصائر الخليلي ، الجماهير المتجمعة الشجاعة والتي تناضل من اجل حقها في الشرب وطفي الظمأ تتصارع وتعاضد بعضها البعض وتنشد نشيدا وطنيا حماسيا لتعزز من ثباتها ، الأفراد الكادحون والعيون الواثقة من نيل حصتها وكسر قيود الظلم التي تحول بينها وبين حقوقها المشروعة من الخروب والتمر الهندي وعصير الليمون بالصبغة الأصلية تحدق بإصرار نحو براميل العصير ، كان الذباب شاهدا نزيها على الحدث التراجيدي ودماء العصير تسيل على كل الشارع وتسبب الدبق ، سيارات الشرطة والأمن التي تحاول قمع المتظاهرين والمطالبين بحقوقهم العادلة لم تتمكن من ضبط الحشود الثائرة والتي استيقظت مع بركات رمضان مدفوعة بالايمان والهدي ، لا مانع من بعض اللكمات أو الدفشات ، الإقطاعي صاحب محل العصائر نال حصته من غضبة الجماهير وانصاع يلبي حاجاتها بسرعة وعلى عجلة متأثرا بهذه الهجمة غير المسبوقة من الوعي الجماهيري ……إغلاق الشارع وازدحام السيارات وتعطل السير وأوساخ الشارع كان ثمنا لا بد منه في سبيل الحرية ……..عاشت العصائر وعاش الخبز والكعك والقطايف وعاش رمضان الذي يوقد الثورة في قلوب المتعطشين ، فليسقط الاقطاعيون والبرجوازيون وقوى الأمن الغاشمة .
السنة السبعون من النوم – الأسبوع الأول من رمضان
الموقع هو المسجد الكبير في الحي ، ما من موضع إلا وفيه سيارة أو شاحنة او باص وحتى جرافات الذين توافدوا على الصلاة ، المؤمنون بالله يؤمون المسجد تقربا إلى الله وإحياءا لصلوات التراويح ويأتون زاحفين على بطونهم او أرجلهم وأيديهم ، الشارع مغلق بالكامل وما من منفذ لمرور شيء ، باعة العصائر والخضروات والمتفرقات يحتلون واجهة المسجد ويحيطون بالأبواب مثل الجراد في إنتظار المصلين الذين يخرجون من الصلاة ، مكبرات الصوت تبث بأعلى صوت قراءةالإمام للقرآن وتعليمات الصلاة ، لا تهم النفايات حول المدخل ولا حول الجامع ، لا يهم إغلاق الشارع ولا صياح الباعة وصياح الاطفال ، المهم هو الصلاة والتمسك بالشعائر، ذوي الكروش الكبيرة كانوا يتقدمون صفوف المؤمنين وكل منهم يدلي بكرشه بحدود الثلث متر ليكون اكثر ثباتا في معركة الصلاة وترويض الجسم على الصبر واحتمال الظروف .
السنة الثامنة بعد الهزيمة المائة – الجمعة الثالثة من رمضان
الموقع هو متجر كارفور الكافر حيث هجم الصائمون الجدد لتلبية كل احتياجاتهم في مكان واحد كما يقول الشعار المرواغ ، هنا تجد كل شيء من مستلزمات الصيام والنيام والقيام حتى انه يوجد جهاز جديد في قسم الكهربائيات يمكنه الصوم عنك مقابل المبلغ المناسب وعليه عرض مغر جدا بمناسبة الشهر الفضيل ، وجوه كالحة ، أخرى ناعمة من فرط النعيم ، وجوه يطفح النهم والجشع والكره والكبر من عيونها ، وجوه ترهقها قترة وأخرى تغشاها الشـهوة وثالثة تسكنها السكرة ، مسكين رمضان امام هذه الوحوش ! كيف يمكن تغيير هذه النفوس المريضة التي تشترك في عدائيتها لروح رمضان ! كيف يمكن لرمضان البريء أن يشفي هذا القدر من هذه القسوة التي باعت كل شيء لتحظى بالسيارة والعمارة وخاتم الذهب ؟ لقد تم تفكيك كل تحديات ومصاعب رمضان وتم تطويعها لتصبح أقرب إلى العبادة تحت الكونديشن وسلام على الأجر !
كيف يمكن لرمضان ان يصمد امام كل هذا القدر من الحلويات والعصائر المصنعة والطبيعية والأجبان واللحوم والدجاج والخبز الفرنسي والعربي والتركي واليوناني والتوابل والمشهيات وهذا التنوع من المستوردات المستحضرة خصيصا لقتل رمضان ؟ كيف يمكن لروح رمضان الهشة ان تقف حيال كل هذه الوحشية المتطورة وهذه الدعايات الملونة والمغرية والموفرة على الجيوب ؟……لا مكان لروح رمضان هنا حتى بوجود كل هذه الأهلة المضاءة المعلقة في كل أرجاء السوق !
لم نعد قادرين على التعلم ولم نعد قادرين على الاستفادة من مخلفات الأخطاء وجراح الجهل والسفاهة الحضارية …خديعة كورونا التي يفترض أن تكون علمتنا الدرس الأكبر في التعاضد والتقشف تحولت إلى أمبليفير إجتماعي للإنحطاط البشري بعكس توقعاتنا … من صنع هذه المشاهد المحزنة هو ماكينة التربية العربية التي تضافرت مع العولمة الغربية وأخرجت أقبح ما في نفوس البشر وتحول رمضان إلى اوكازيون لعرض هذا القبح …….رمضان فرض ديني عظيم لكنه أيضا فكرة اجتماعية عبقرية تفوق في ظهورها القالب الديني ، ليتنـا حقا نتمكن من الارتقاء في معانيه وحجم تداعياته ، من المؤسف أن حجم الابتعاد عن روحانيات الشهر يزداد كل عام في مظاهر أشد نفورا وعدائية حيال روحه ، لقد ترجم الكثيرون معاني الشهر إلى لحظات استمتاع غذائي ووقفات سنوية لتجديد البيعة مع الجسد والغرق في ملذاته تحت هالة دينية كاذبة …..وهو بذلك يحور الشهر وطاقته التحريرية إلى قيد ذاتي يضيق به عالمه الصغير.
الصلاة بحــد ذاتها تحولت إلى بذرة غير قادرة على النمو والإزهار في هذه الأجساد ، والأجساد تحولت إلى روبوت بدون روح ، المهم هو الشكل الخارجي أننا نحضر ونأتي ونتحرك ولكن ليس المهم ما بعد ذلك ، العبادة الخالصة هي العبادة الخفية التي لا يراك أحد فيها وكل ماعدا ذلك يتحول إلى تمثيليات اجتماعية لإضفاء مزيد من الكذب على أكذوبة الإنسـان الملتزم بكل شيء عدا أخلاقيات الإسلام .
….خير برهان للتغيير في رمضان هو الصدقة وخير انتصار هو التواضع حتى الأرض …..الصدقة بكونها فعلا إنسانيا وربانيا عظيما فيها من الوهب والافتداء والعطاء والإحساس بالآخر ……الصدقة المعنوية ربما تكون أحيانا أكثر وأغنى أثرا من الصدقة المادية …فأكثروا من الصدقات لعلها تشفع لنا كثرة الخطايا ….تفكروا في فيزياء رمضان حتى نؤمن بالنصر ويأتينا فرج الرحمن !
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر