الخميس , يونيو 4 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / بداية جادة لنهاية هيمنة الدولار الأمريكي!

بداية جادة لنهاية هيمنة الدولار الأمريكي!

د/طارق ليساوي*
أشرت في مقال “خارطة طريق للخروج من دورة التخلف..” إلى أن العالم العربي بالمجمل يعاني من تأثيرات جائحة كورونا و من تأثيرات الصراع الروسي الأوكراني، ومن الخطأ الاعتقاد أن الأزمة ظرفية وستنهي دون تبني إجراءات و تدابير سياسية و اقتصادية و مالية غير تقليدية و قد حاولت التركيز على مجموعة التدابير التي أرى أنها عاجلة و لابد منها للخروج من دورة الأزمات.. والأزمة تمس مختلف الدول العربية النفطية وغير النفطية، فحتى مع توفر وفرة مالية لبعض الدول النفطية إلا أنها ستعاني من صعوبة في تحقيق أمنها و سيادتها الغدائية، اما الدول غير النفطية فالأزمة مزدوجة شح الموارد المالية و نذرة المواد الغدائية الأساسية.. ومن الخطأ إيعاز هذه الأزمات للمتغيرات الدولية الراهنة أو لجائحة كورونا و إنما هي نتاج طبيعي لتراكم سياسات خاطئة و اختيارات تنموية فاشلة تم تبنيها منذ عقود، فالحكومات العربية مطالبة بتحمل مسؤولياتها في هذه اللحظة التاريخية وتبني سياسات عمومية رشيدة ، ندرك جيدا أن الموارد العمومية شحيحة وعاجزة عن الوفاء بالالتزامات الطارئة، خاصة وأن أغلب هذه الحكومات تتطلع الى التسهيلات الائتمانية التي ستحصل عليها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ونحن نقول لهم بموضوعية وصدق شديد هناك بعض الإجراءات يمكن أن تكون أكثر فعالية في إدارة الأزمة الأنية والمستقبلية.. وهو ما أوضحناه بتفصيل في المقال أعلاه..
لكن في هذا المقال سأركز على المتغيرات الدولية الأنية، وصراع الفيلة بين الحلف الروسي الصيني والحلف الغربي بقيادة أمريكا، والعنصر الأهم والبالغ الأهمية في هذا الصراع والذي مسرحه الظاهر الصراع الروسي الأوكراني، لكن ساحته الفعلية الاقتصاد العالمي، وأهدافه الكبرى صراع على النفود والموارد الاقتصادية وكسر العظام بين القوى المتنافسة…
وبينما تدخل الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الثالث دون أي بوادر للحل، مع نجاح كلا الطرفين على الصمود، و كل طرف له أدوات واليات تمكنه من الصمود والاستمرار في المعركة، فأوكرانيا مدعومة بالسلاح و المال من الغرب هذا إلى جانب أنها تدافع عن أراضيها و سيادتها.. وروسيا قوة عسكرية لا يستهان بها وتملك وسائل ردع تجعل أمريكا والغرب عموما غير قادر على المغامرة العسكرية والتورط المباشر في الصراع. لكن الورقة الأهم التي غيرت مجريات المعركة ولعبت دورا بالغ الأهمية في نجاح روسيا في إمتصاص صدمة العقوبات الإقتصادية و الحد من اندفاع الغرب باتجاه الدعم اللامحدود لأوكرانيا، هو صادرات روسيا الطاقية بإتجاه أوربا، وقد نجحت روسيا في توظيف هذه الورقة بكفاءة وتمكنت من إمتصاص العقوبات الاقتصادية والحد من اندفاع أوروبا وراء الأجندة والمصالح الأمريكية… والعنصر الأبرز في لعبة الشطرنج الدولية هو انقسام المعسكر الغربي عامة والأوروبي خاصة ورضوخ مجموعة من الدول الأوربية لشرط الكرملين دفع صادرات الغاز بالعملة الروسية”الروبل” كشرط لضمان إستمرارا تدفق الغاز الروسي لأوروبا..
فقد أعلنت يوم الخميس 05-05-2022، شركات نفطية أوروبية، أنها ستدفع ثمن الغاز بالعملة الروسية، وذكرت وكالة “بلومبيرغ” أن عشر شركات أوروبية على الأقل تشتري الغاز الطبيعي الروسي، فتحت بالفعل حسابات في “غازبرومبنك” اللازمة لتلبية طلب روسيا بالدفع بالروبل… ووفقاً لمصدر مقرب من شركة النفط الروسية “غازبروم”، سددت 4 شركات بالفعل مدفوعات بالروبل. وأضاف المصدر أن التسويات المقبلة للغاز ستتم بعد 15 مايو/ أيار…وجاء ذلك بعد ساعات من قطع شركة غازبروم التدفقات إلى بولندا وبلغاريا لعدم الامتثال للشروط الجديدة بالدفع بالروبل…وتستعد شركة إيني “Eni SpA” الإيطالية العملاقة للطاقة لفتح حسابات بالروبل في “غازبرومبنك” في أحدث مؤشر إلى انقسام الجبهة الأوروبية الموحدة ضد موسكو، كما قالت شركة الطاقة الألمانية لصحيفة Rheinische Post، يوم الخميس الماضي، إن شركة “يونيبر” ستحول مدفوعات الغاز الروسي إلى بنك روسي وليس إلى بنك في أوروبا. ونقلت الصحيفة اليومية عن متحدث باسم Uniper قوله إن “الخطة هي جعل مدفوعاتنا باليورو لحساب في روسيا”.
والجدير بالذكر، أن روسيا تزود القارة الأوروبية بالغاز الطبيعي بنسبة 37%، عن طريق خط “نورد ستريم 1″، العابر من الأراضي الروسية إلى أوكرانيا، انتهاءً بألمانيا وبعض دول وسط أوروبا، وهناك خط أنبوب يصل بين روسيا وتركيا يُسمى “السيل التركي”، وكذلك مشروع “التيار الشمالي 2” الجاهز للتشغيل منذ أيلول/ سبتمبر 2021. لكنّ ألمانيا علّقت تشغيله نتيجةَ دواعٍ سياسية، وطالبت بأن تكون هناك شراكة. وفعلاُ، استجابت روسيا، وتم إنشاء شركة ألمانية روسية تدير المشروع..
وهذه المستجدات بالغة الأهمية في رسم معالم النظام العالمي الذي يتشكل، والذي من ضمن أهم ملامحه كسر هيمنة الدولار على النظام المالي والتجاري العالمي، فالعقوبات التي تم فرضها على روسيا كان لها نتائج عكسية فتقليص روسيا لمعاملاتها التجارية بالدولار الأميركي أو اليورو الأوروبي، عزز من صيغة التعامل التجاري بالمقايضة، أو بالعملات المحلية المتبادلة بين دول ومراكز تجارية صاعدة، مثل الصين والهند وروسيا و دول مجموعة ال”بريكس”..
كما أن العقوبات الاقتصادية لم يتضرر منها الاقتصاد الروسي فحسب، بل أكثر المتضررين الدول الأوربية، ومن المحتمل أن يصل إجمالي كلفة الخسائر في حالة إستمرار الحرب للشهور الثلاث القادمة، مابين 500 إلى 800 مليار يورو وتذهب بعض التقديرات إلى حصر الخسائر الإجمالية في حوالي 1.5 تريليون دولار.
ومن خلال تحليل المؤشرات الاقتصادية وخريطة التحالفات الدولية يمكن القول بأننا أمام لحظة ولادة متعسرة لنظام دولي جديد متعدد الأقطاب ، و أن نظام الأحادية القطبية سيصبح من ذكريات الماضي..لكن مع ذلك ينبغي النظر لهذه المتغيرات بنوع من الحذر، خاصة وأن الخاسر في هذه المعركة و تحديدا أمريكا لن تستسلم بسهولة، ومن الممكن أن تعمل بمنطق “ترامب” علي و على أعدائي.. و لذلك ، أتوقع أن يحصل تغيير “تكتيكي” في رأس السلطة السياسية بأمريكا، و ربما استقالة أو عزل “بايدن”، فالمتغيرات التي تحدث على الأرض ستنهي هيمنة الدولار وهو مكون رئيس في الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم و العنصر الأساس في تفوقها و إزدهارها..
ولكن الأكيد أن التبادل التجاري بالدولار وخصوصا بيع النفط والغاز بالدولار كما ذكرنا أعلاه ، هو من المقومات الرئيسية لفرض هيمنة الدولار كعملة احتياط على المدى الطويل، وواحدة من أهم أسباب الطلب القوي على الدولار، وإذا قررت الدول الكبيرة المصدرة للنفط فك ارتباط عملتها بالدولار وبيع صادراتها من النفط والغاز بغير الدولار، فإننا مقبلون حتما على فترة سوف تقلل بالتأكيد من هيمنة الدولار. والتوجه الدولي الجديد ببيع و تسعير سلع سلع إستراتيجية بعملات غير الدولار واستخدام عملات أخرى في التبادل التجاري سوف يؤدي بالضرورة إلى التنوع في الأصول الاحتياطية التي تحتفظ بها البنوك المركزية.. فمثلا قرار روسيا اعتماد الذهب لتثبيت عملتها وبيع النفط بالعملة الروسية سوف يزيد الطلب على الروبل، ويؤدي إلى بناء أصول احتياطية بالروبل لدى البنوك المركزية للدول التي ترغب في شراء النفط أو الغاز الروسي ومستقبلا يمكن تعميم نفس القاعدة على صادرات روسيا من المواد الغدائية الأساسية كالقمح، وحتى بعض المعادن الناذرة التي تزخر بها روسيا..
وتأتي هذه التحولات في ظرفية خاصة يمر منها الاقتصاد الأمريكي الذي يسجل منذ عدة أشهر، ارتفاعا في معدلات التضخم، ومع تفاقم أثر العقوبات الغربية على روسيا، والرد والهجوم الاقتصادي الروسي المضاد، من المتوقع استمرار ارتفاع أسعار كثير من السلع والمنتوجات في الولايات الأميركية، وخصوصا ما يتعلق منها بالمنتوجات النفطية والغاز، وواردات الغذاء، سواء المستورد منها من الخارج، أو حتى تلك المنتَجة محلياً بسبب زيادة تكلفة الإنتاج، بالإضافة إلى تكلفة النقل والمواصلات.
كما أن الدين العام للولايات المتحدة بلغ مستويات غير مسبوقة إذ بلغ أزيد من 30.29 تريليون دولار أمريكي في شهر فبراير 2022 ، هذا بالتزامن مع انخفاض حصة احتياطي الدولار التي تحتفظ بها البنوك المركزية من 71% إلى حوالي 59%، بحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي، الذي أكد مؤخرا أن التحول من الدولار كان في اتجاهين: ربع إلى اليوان الصيني، وثلاثة أرباع إلى عملات البلدان الأصغر التي لعبت دورا محدودا كعملات احتياطية…
وبالتالي فإن قبول العديد من الدول الأوربية شرط روسيا دفع قيمة الغاز الروسي بالروبل.. يعني بالضرورة تعزيز قدرة روسيا على الصمود طويلا في مواجهتها للغرب و يعني انتكاسة في المخططات أمريكية و تراجع لدورها و هيمنتها على الإقتصاد و مقدرات العالم.. ويعني أيضا تراجع هيمنة الدولار الامريكي .. وبداية مرحلة ما بعد الدولار و انهيار تدريجي لنظام وترتيبات ما بعد الحرب العالمية…و إمكانية حدوث انهيار للنظام المالي العالمي في هذا العام 2022 مسألة جد متوقعة .. والدور الصيني بالغ الأهمية في منع مثل هذا الانهيار، لأن الانهيار يعني إضرار بالاقتصاد الصيني و سوف نحاول تخصيص مقال إضافي لشرح وجهة نظر الصين..
لكن من المؤكد، أن الصين تتجه بالتدريج نحو فرض هيمنتها على العالم، و قبول أوربا بشروط روسيا ، يعني أن الحلف الروسي – الصيني يتجه نحو فرض تصوره في السياسة و الاقتصاد ..و روسيا وحدها عاجزة عن قيادة هذه الحرب الكونية و التي تتم وراء ستار أوكرانيا دون دعم خفي من قبل الصين..
و قد سبق لي في اكثر من مناسبة و خاصة منذ إندلاع جائحة كورونا ..أن أشرت إلى أن العالم سيشهد تغييرات جذرية ..و على البلدان النامية و الصاعدة وفي مقدمتها طبعا البلدان العربية و الإسلامية ، أن تعمل على الاستفادة من حالة الصدام بين الغرب بقيادة امريكا و الصين و روسيا.. لأن هذا التنافس و محاولة العودة للسياسات الحمائية و الدولة القومية و التخلي التدريجي عن أدبيات العولمة و الميل نحو تقليص العولمة المالية.. و بروز أولويات جديدة كالسيادة الغدائية و الصناعية و الدوائية..و الرغبة الدولية في تقليل الاعتماد على الصين كمصنع للعالم.. هذا التوجه يتيح فرصة ناذرة للبلدان الذكية و التي تملك رؤية تنموية واضحة، يمكنها من تحقيق مكاسب مالية و تجارية و تنموية و الاستفادة من إعادة هندسة الاستثمارات الدولية العابرة للحدود..
غير اننا للأسف في البلدان العربية تحديدا، سنكون مجددا مثل العشب الذي تتصارع فوقه الفيلة…لأن الإشكال الأساسي هو ان حكام و صناع القرار بهذه المنطقة لا يعملون لمصالح شعوبهم.. و إنما لهم دور وظيفي على رأس أولوياته ضمان تخلف شعوب المنطقة و منع استقلالها و نهضتها و التحكم السيادي في ثرواتها و إمكانياتها…
لكن وعلاقة بمشروعي الفكري و النهضوي و “المجتمع الزكوي” بدلا من “المجتمع_الربوي” ، أستطيع القول بأن إنهيار هيمنة الدولار الأمريكي و تفكك بنية النظام المالي الربوي الذي تأسس منذ 1945 يعد بداية إيجابية لتفكك المجتمع الربوي ..و لابد من البحث عن بديل لهذا النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوي ..و لا أجد بديلا أفضل من تبني أدبيات و أساسيات الإقتصاد الإسلامي و التي أحاول تقريبها بالتدريج للقارئ العربي و ذلك في سياق شرح ملامح المجتمع الزكوي…
وتبعا لذلك، يمكن القول بأنه في سياق لعبة الشطرنج الدولية ، فإن المعسكر الروسي- الصيني يحقق تقدما ملموسا ..و القبول ب”عولمة” الروبل و اليوان الصيني بداية جادة لكتابة شهادة وفاة هيمنة الدولار على النظام الاقتصادي و المالي العالمي ….
لذلك، أعتقد ان الخطوة الأمريكية القادمة ستكون باتجاه التصعيد، خاصة في سياق تفضيل أوروبا لمهادنة روسيا ..و الخضوع لإملاءات روسيا نتيجة لحاجة أوروبا “الملحة” للغاز الروسي و غياب البديل على المدى القريب و المتوسط، بالإضافة إلى احتياج أغلب دول العالم للقمح و المنتجات الغذائية ذات المنشأ الروسي ..موارد روسيا لها تأثير على القرار الدولي.. لكن رغم ذلك لابد من الانتباه إلى ان هذا التقدم نسبي ومؤقت..
وأوروبا رمانة الميزان في تغليب كفة هذا الطرف أو ذاك ، و الصين تضع في حسبانها الشريك الأوربي فهي لا تستطيع التضحية بأوروبا.. و لذلك، تجنبت منذ البداية الوقوف بشكل مباشر مع روسيا..و خطوة قبول الدفع بالروبل بالنسبة لصين خطوة إيجابية مفادها تفضيل اوروبا مصلحتها و تغليبها للمنطق البرغماتي ، و تفاديها الانخراط الأعمى في دعم أجندة أمريكا…لكن مع ذلك هذه التغييرات تحتاج بعض الوقت للتأكد من قناعات أوروبا على المدى المتوسط و البعيد …
وللأسف، في ظل هذا السياق الدولي المتغير، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية سوف تتسع هوتها بالعالم العربي و البلدان الإسلامية، و مؤشر تضخم الأسعار سوف يزداد في القادم من الأيام..و أتوقع أن المنطقة العربية مقبلة على إفلاسات بالجملة.. وموجة إنتفاضات شعبية قادمة لا محالة، وخاصة في البلدان التي لا تملك سيولة ووفرة مالية تمكنها من امتصاص التضخم، و تغطية احتياجاتها للغداء أو للطاقة..و الأخطر أن خارطة البدائل اصبحت تضييق بالتدريج ، فهناك شح في السيولة على مستوى العالم ..و تقلص فرص الإقراض الدولي.. هذا إلى جانب أن المديونية في العديد من البلاد العربية تحديدا بلغت مستويات عالية..و حتى البلدان ذات الوفرة المالية-الخليج- و التي كانت تقدم الدعم المالي مقابل السيطرة على مقدرات البلدان المقترضة، بدورها ستعاني من الأزمة.
و قبل أيامأ إلى أن تخفيض وثير ة التصعيد في اليمن و إعلان نظام السيسي عن فتح حوار وطني والدعوة لمصالحة وطنية، و إعلان قيس السعيد دعوته لانتخابات مبكرة.. والتقارب التركي الخليجي كلها مؤشرات تؤكد أن العاصفة قادمة و الإعصار الشعبي على الأبواب، و الخطير أن حالة صمت الشعوب على موجة الغلاء والهدوء “الغير مبرر” مؤشر سلبي في الغالب على أن القادم أسوأ لا قدر الله … وسأحاول في مقال موالي إن شاء الله تفصيل الدور الصيني في ظل المتغيرات الحالية و لماذا الدور الصيني مهم في الحد من أثار الانهيار المحتمل؟ .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

*إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

آثار انتصار ايران على أمريكا وإسرائيل!

د. عبد الله الاشعل* السبب الأساسي في تبعية الدول العربية لأمريكا وإسرائيل هو الحكام الذى …