الخميس , يوليو 7 2022
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / أكذوبة الحلم الأمريكي العظيم!

أكذوبة الحلم الأمريكي العظيم!

خالد شحام*
تطل علينا الأخبار بين الفترة والأخرى عن حوادث الإجرام وأعمال العنف داخل الولايات المتحدة والتي كان آخرها مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين داخل كنيسة في مقاطعة أورانج في ولاية كاليفورنيا الأمريكية ، ومن قبل هذه هنالك سلسلة طويلة من أعمال القتل والهجمات والعنف الاجتماعي الداخلي التي تنشأ من داخل ثنايا المجتمعات الغربية وتطفو على السطح كأعراض لشقاء داخلي غير منظور ….مثل هذه الحوادث تدفع بأسئلة كثيرة ، خاصة للمهاجرين العرب الذين قضوا سنوات طويلة من حياتهم داخل هذه المجتمعات وطبيعة المشاكل التي يواجهونها فيها وجدلية التضحية بشقاء الرحلة مقابل بعض المكتسبات.
منذ مدة غير بعيدة تواصل معي أحد الأصدقاء ممن هاجروا إلى الولايات المتحدة بصحبة عائلته قبل ما يزيد عن سبع سنوات ، في رسالته المرتعشة شرح الرجل تصاعد مشكلة متعلقة بوضع أبنائه داخل المدارس الأمريكية وبدء ظهور نوع من ردة الفعل لديهم حيال جملة واسعة من التغيرات التي لم يكن يحسب لها أي حساب ، هذه المشكلة بدات تؤثر وتنغص العيش خاصة بعد أن طاب الزمان وبدأ الرجل بقطف الثمار المعيشية التي انتظرها طويلا من كل رحلته هذه .
قبل أيام تحديدا أرسل الرجل رسالة اخرى شرح فيها شعوره العميق بتضخم هذه المشكلة في هواجسه وتحولت إلى أرق دائم يقض مضجعه خاصة بعد زيارته لاستشاري سيكولوجي – اجتماعي عرض عليه ما يحدث مع أبنائه وخاصة الصبية ذات الخمسة عشر عاما إلى الدرجة التي دفعت الرجل بالتفكير للعودة إلى بلاده إذا اقتضى الأمر .
في داخل التفاصيل والتي سأعرضها عليكم بالصياغة الخاصة بي قدم الرجل شرحا لمعاناة جسيمة بلغته البسيطة ولكنها تصف بدقة ما يحدث معه ومع مئات الألوف من المهاجرين العرب الذين يقصدون إلى الولايات المتحدة او الدول الاوروبية :
بدأت المشكلة بحدوث تغيرات سلوكية تميل إلى العدائية والعزلة والانطوائية من جهة الابنة والتي بدأت تتصرف بحدة وتناكف أخوانها وتميل إلى الرفض والثورة على كل شيء تراه في محيطها ، تحدثت معها عدة مرات وأبدت لي كرهها لهذا البلد وكرهها للمدرسة التي تذهب إليها ، دفعني هذا الرد العصبي إلى الجلوس معها وفهم ما يجري حيث شرعت الصبية بكشف السلوكات غير المتوقعة التي تتعرض لها داخل المدرسة من الطلاب الأمريكيين ومضايقاتهم وتحرشهم المستمر بها بالكلام أو الاستهزاء أو غيره ، في وضع اول كان هؤلاء يرجمون الصبية بتسمية اليهود الأيرش لأنها تمتلك شيئا من الشقرة والبشرة البيضاء ، في مرة ثانية اتهموها بأنها من إيران ! وبعد أن عرفوا بأنها عربية بدأت المضايقات تتخذ أبعادا ومسميات جديدة وتحول كل شيء يتعلق بالعرب من اللغة أو الدين أو النبي الأكرم إلى باب مفتوح لرمي السهام وتكثيف الهجمات المعنوية بين الحين والاخر إلى الحد الذي بات الأمر فيه كابوسا يقض سكينة الصبية بلا رحمة ، يذكر صديقي بأنه صدم من هذه المعلومات وتفاجىء من حجم التحمل الذي تبديه الصبية بإخفاء هذه التفاصيل عن والديها ، اضطره الأمر لمراجعة المدرسة ثم تاليا مختصة سيكولوجية وجلسا مطولا لشرح التفاصيل وفي نهاية الجلسة قدمت الخبيرة بعض الملاحظات والارشادات التي تقضي بمراجعة المدرسة دوريا ثم تمضية وقت أطول مع الصبية والأولاد والجو الأسري ومحاولة مكاشفة ونبش كل ما يسبب الأرق والتخوفات ومعالجته بالتوجيه السلوكي .
يقول الرجل فعلت كل ذلك ومضت أشهر إضافية لم أشعر معها إلا بأن الأمور بدأت بالتفاقم إلى الحد الذي اضطررت معه لمراجعة الخبيرة مرة ثانية لكي تلقي على مسامعي قنبلة من العيار الثقيل بأنني إذا لم أرجع بالصبية إلى بلدها الأصلي فقد أتسبب في خسارتها كليا ضمن هذه الأجواء وهذه البيئة غير المتوقعة !
هذه التفاصيل الصغيرة التي قدمها الرجل تمثل نزرا يسيرا من تحديات هائلة تواجه المهاجر العربي إلى بلد كالولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا أو غيرها ، التحديات المحسوسة والتي يتم الإصطدام بها مباشرة او خلال سنوات قليلة ليست هي كل شيء لأن هنالك تحديات آنية وأخرى مؤجلة وأخرى يدخرها المستقبل العميق لكل مهاجر مهما تجلت حياة الهجرة نعيما في مكاسبها .
كثير منا يمتلك وبحكم السفر او الدراسة أو الإقامة القصيرة أو الطويلة بعض الملاحظات والنقاط حول تحديات الهجرة والإقامة والتي يمكن أن نجتهد في صياغتها على النحو الآتي :
أولا : الصدمة الثقافية : والمقصود بذلك حدوث اضطراب وتصادم بين المعتقدات والمبادىء والأحكام المبيتة عند المهاجر العربي والتي استقاها من تربيته ووطنه مع طبيعة الجسم الثقافي الغربي ونمط فهمه للحياة ، تطل هذه الصدمة في شؤون متعددة خاصة في مجالات الإباحة في العلاقات – الطعام – نوعية القوانين – لكن أكثرها قلقا هو التصادم الديني المترجم إلى سلوكات ، إن التكيف مع الجسم الثقافي يتطلب تنازلات واسعة ونوعا من التوافق او الاعتياد وفي ظل ذلك يفقد الكثيرون معالم هويتهم وسلوكهم في بلادهم الأصلية ويطرا تحور كبير على شخصايتهم وطبيعة أحكامهم او يلجأ البعض للعيش في نموذجين منفصلين من السلوك ولمبادىء ، نموذج يعيش داخل بلد الهجرة وأخر في الأوساط الأصلية أو المنتمية لها .
ثانيا : الشعور بالوحدة مع تقدم السنوات : هذه الفكرة قد لا تظهر آثارها مباشرة لدى المهاجر ولكنها تتصاعد تدريجيا وتبرز كمخاوف عظمى في سن متقدمة ، سبب هذه الظاهرة هو افتقاد المهاجر لنوعية النسيج الاجتماعي العربي المتأثر بالثقافة العربية الإسلامية في تعاضد وتماسك الأسرة والبنى الاجتماعية داخل التجمعات البشرية ، ثقافة التخلي والتي تولد الوحدة هي الشيء الثابت والنتيجة الحتمية للعيش في المجتمعات الغربية حيث لا يعرف الأبناء الآباء ولا يعرف أفراد الأسرة حال بعضهم ، أتذكر جيدا سؤالا غريبا كان مثارا للدهشة عندي في بعض المناسبات في أوساط المجتمع البريطاني عندما كان أحدهم يقول لي باستغراب : هل أنت حقيقة قريب من أسرتك وتتواصل مع والدك ووالدتك ؟ ، الحقيقة التي وجدتها بعدا هي أن هذه الروح هي الأصل وما عداها هو العارض .
ثالثا : نوعية القوانين المفرطة في صون حقوق الفرد والإدعاء العام والتي يمكن أن تورط المرء بسهولة : من السهل جدا في المجتمع الغربي والأمريكي كمثال أن يدعي عليك أحدهم بأية تهمة شخصية مثل الشتم او محاولة الإيذاء تحت تفسير خاطىء لسلوك بدر منك دون نوايا مبيتة ، التقاضي في مثل هذه الحالات قد يتسبب في دمار كامل لحياة الشخص او تعويق مسار حياته نتيجة خطأ غير مقصود ، وهذه الحالة تمثل طبعا سلاحا ذا حدين .
رابعا : العنصرية كظاهرة ثقافية سلبية داخل هذه المجتمعات ، والعنصرية ليست حكرا على العرب والنظرة الدونية للعرب في جوانب كثيرة من المعاملات الاجتماعية ، بل نجد في داخل الولايات المتحدة كمثال عنصرية قوية تجاه المكسيكيين وذوي البشرة السمراء أو السوداء ، عنصرية ضد الآسيويين ، أخرى تؤمن بقوالب النازية ، عنصرية ضد اليهود أو المسلمين أو الطوائف الدينية ، إن أخطر ما يواجهه العربي في هذه البلاد هو أنه عربي ومسلم ومهما بدا له من حال السكينة والاندماج إلا أن أي اضطراب سياسي قد يقود إلى فتح الملفات وإعادة التعامل معه وفقا لعرقه ، يكفينا أن نتذكر قرارات ترامب العنصرية التي لم تكن إلا مرآة لأمراض المجتمعات الغربية الغارقة في التزمت والعنصرية بعكس ما يدعون .
خامسا : ارتقاء المعنى المادي للحياة : أخطر نقطة تتولد في ذهنك والتي تأتي مع الأيام هي تلك الفكرة التي تصبح فيها مؤمنا أنك أصبحت آلة بشرية ، إذا لم تعمل هذه الآلة فإن نظام حياتك مهدد بأكمله ، في داخل الأوساط العربية يمكنك ان تلتفت لمن يساعدك ويساندك ولكن في المجتمعات الغربية ستفتقد ذلك بشدة .
سادسا : الاحتكاك والاختلاط المباشر بثلاثية الربا – الجنس المفتوح – الطعام والشراب المحرم : هذه النقطة تمثل رابطا قويا مع النقطة الأولى ولكنها تبرز كمشكلة ذات بعد خاص يواجهها المهاجر بحكم الانتشار والاعتراك المستمر ، كثيرون يتمكنون من التكيف مع ضبط النفس وتجاهل هذه الثلاثية وتجاوز تأثيراتها ولكن الخطورة الأكبر تقع في فئة الأبناء والصغار الذين يكبرون في بلاد المهجر وسط هذه المحرمات وعليهم الاقتناع بحرمتها والابتعاد عنها وعدم الوقوع في مصيبتها .
سابعا : المخدرات والخمر والجريمة المرتفعة والمخاطر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عنها واحتمالية الوقوع في شراكها من احد أفراد الأسرة الذين يتربون هنالك .
ثامنا : مواجهة التحديات الجنسية الصادمة مثل الاحتكاك والتعامل مع الشواذ والأماكن المخصصة لهم ، ظاهرة التعري والصراحة الجنسية الفاضحة لدى الذكور والإناث على السواء دون خجل ولا حياء ، تجمعات الشواذ من الرجال والنساء والإضطرار لتقبل سلوكياتهم ومظاهرهم واحتفالاتهم ، السلوكات الحميمة على مرأى العامة ، كل هذه الوخزات تعد تحديات نفسية وعقلية وفكرية يتوجب التعامل معها وعلى الأغلب لن تمضي بسلام قبل أن تمس شيئا ما في كيان المرء او في داخل أبنائه وصغاره .
المواطن العربي الذي هاجر إلى الولايات المتحدة أو البلاد الأوروبية أو إلى أي منأى في العالم لم يفعل ذلك من فراغ ، ربما لو تم عمل استفتاء بالهجرة لمعظم المواطنين العرب نحو المريخ لحصلنا على نتيجة من فئة 90% من المواطنين العرب الذين يرغبون في الهجرة والهرب من بلادهم وأوطانهم ، ضحايا البحر والغرق ليسوا عنا ببعيد كي نفهم حجم الجحيم الذي يعيشه المواطن العربي في دول العالم الثالث ومعاناته التي ترميه للبحث عن حياة أفضل ، بلادنا والتي وصلت حالة الإخفاق الحضاري والفشل في النهوض بقيمة الإنسان هي السبب الأساسي لهجرة معظم المهاجرين ، حكام العرب هم من يتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الإخفاق حيث أن الفقر والضنك والمرض والتخلف والامية وتراجع مستويات التنمية والتضييق على الحريات ومصادرة الحقوق الأساسية ونهج الفساد والإفساد هي منتوجات الحكم العربي بكل جدارة وهذه المنتوجات هي التي تضع المواطن العربي وغيره تحت دوافع الهجرة والبحث عن أية بقعة أرضية يجد فيها بعض الكرامة ، لو كانت هذه الأوطان قادرة على أن توفر الحياة الكريمة لمن هاجر لما فعل ، كثيرون من ذووي التخصصات العلمية الرفيعة دفعوا دفعا لترك بلادهم بعد شقائهم وتحولهم إلى باعة متجولين في الشوارع .
مع كل أسف وليس من سوء الحظ ولا من باب التأويل لكن الهجرة لها ثمن فادح ، هذا الثمن يتعدى ويتجاوز منطقة الحقوق المادية والمعيشية من سكن وتعليم وعلاج وطعام واحترام حقوق وحريات لأن هذه تمثل المكاسب المباشرة التي يركض وراءها المهاجرون ، الخسائر الحقيقية تتبلور في ضمير الغائب بعد تشكيل بنية حياتية كاملة في بلاد المهجر ثم تأتي لحظة وضع الأوراق على الطاولة وإجراء الحسابات الأخيرة للذات والهوية وما يحويه خزان الذاكرة من معايير لم تسقط ولم تمت كما يحسب الكثيرون ، هنا تذهب السكرة وتأتي الفكرة وتتجلى حقيقة الأمور بلا أي التباس حيث يكتشف المهاجر بأنه قد تم ابتلاعه ضمن ثقافة البلد الذي يعيشه مهما حاول تجميل الأمور ، ويكتشف أن هوية الأبناء ليست تلك التي يرجوها في نفسه وخاطره ، وسلوك ومنتجات الأسرة السلوكية ليست كما كان يأمل عندما هاجر وودع بلاده ، إنها رحلة متعبة وطويلة وغريبة مهما اقتربت ، مكلفة جدا مهما منحت ومهما أعطت ، في بعض الحالات لا يمكن لأحد أن يوجه عتابا للمهاجر لأن الجحيم الذي ولدته بلاده لم يعد محتملا .
دعونا لا ننسى أن البؤس والفساد والخراب الذي يغشى بلادنا تتحمل البلاد الغربية نصفه أو زد عليه قليلا ، وبهجرتنا إليهم يحصلون على القوى البشرية واليد المحترفة والانتماء وهم بذلك يحققون الربح مرتين ، مرة من سرقة بلادنا ومرة اخرى من سرقتنا نحن وذوباننا في تراب بلادهم …..دعونا نسمع وجهات نظركم وخاصة أحباءنا واخواننا العرب المغتربين والمشردين عن بلادهم مع دعواتنا لهم بالتوفيق والبركات أينما حلوا .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بين حانا ومانا..!

حمدي دوبلة شرعية هادي وما بعدها دأبت على وصف أنصار الله بالمليشيات الانقلابية والعصابة الشللية …