الإثنين , مارس 16 2026
الرئيسية / اراء / الغرب وأوكرانيا..رمتني بدائها وانسلّت

الغرب وأوكرانيا..رمتني بدائها وانسلّت

د/عوض سليمية*
التصريحات الاخيرة الصادرة عن زعيم الدبلوماسية الاوروبية جوزيف بوريل – تحول مؤخراً الى ناطق عسكري بإسم حلف الناتو منذ بدء العملية العسكرية الروسية في الدونباس 24 فبراير، جاءت بهدف تبرئة ساحة اوروبا من جائحة الازمة الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها، والناجمة عن فرض الدول الغربية لعقوبات اقتصادية مشددة على روسيا، وصلت منذ العام 2014 الى اكثر من عشرة آلاف عقوبة. بينما تدرس واشنطن وبروكسل اقرار الحزمة السابعة من العقوبات قريباً، متجاهلين بذلك اهمية روسيا كمصدر توريد اساس للمواد الغذائية بما فيها الحبوب وكونها مورد هام للطاقة لعدد من دول العالم، الامر الذي أدى وبشكل مباشر الى زيادة ارتفاع وتيرة الازمة الاقتصادية العالمية، والتي باتت تهدد القوت اليومي لمعظم سكان الارض.
الدبلوماسي المفترض – والذي وصل حجم التضخم في 12 دولة من قارته العجوز الى رقمين اعلاها تم رصده في استونيا 20.1% وادناها في هولندا 10.2%، فيما ارتفع التضخم الصناعي في المانيا الى 33.6%، وإرتفعت أسعار الغاز الروسي ليلامس الــ 1400 دولار لكل الف متر مكعب، واصل إدعاءاته ان حزم العقوبات الاوروبية المفروضة على روسيا الاتحادية لا تحظر استيراد ونقل البضائع والسلع والمواد الغذائية والزراعية الروسية الى دول العالم، وان اوروبا لا علاقة لها بهذه الازمات، ولا تملك شيء لتفعله، “عقوباتنا ليست السبب في نقص الغذاء في العالم” يقول بوريل. غير ان المشهد على الارض مغاير تماماً، فأمريكا رفضت مقترح روسي تم التوافق عليه في وقت سابق مع مبعوث الامم المتحدة بشحن ملايين اطنان القمح الاوكراني والروسي على سفن الشحن الروسية وتسليمها الى وجهتها، بدعوى ان هذه خديعة من بوتين لكسر عزلة روسيا.
وفي سياق محاولاته لتبرئة ساحة اوروبا الراعي الرسمي لاندلاع الحرب بين روسيا واوكرانيا، وقع في خطيئة تصريحاته المتناقضة تماماً، فقد عاد ليؤكد خلال حديثه، ان اوروبا إنما تستهدف من فرض هذه العقوبات، منع روسيا من تمويل عملياتها العسكرية في اوكرانيا، بعبارة اخرى، يقر بوريل ان الغرب لديه مبرراته الخاصة في حصار روسيا، وان الغاية الامبريالية دائماً ما تبرر الوسيلة في فرض و/أو استمرار استخدام سلاح العقوبات، ليس على روسيا فحسب، فقد سبق وان نفذت امريكا مثل هذه السياسات على، العراق، سوريا، ايران، فلسطين، كوريا الشمالية، كوبا، فنزويلا، والقائمة تطول. ومهما اختلفت الاستراتيجيات والمسلكيات، الا أن مصالح الغرب وهواجسه من منافسة الدول الاخرى، عالمياً او إقليمياً، دائماً ما تكون على جدول اعمالهم، بعيداً عن مصالح وتفضيلات شعوب هذه الدول الرافضة لسياسات الاحتلال مهما تنوعت صوره.
تنصل بوريل من الازمة العالمية، وردت كنسخة مكررة لتصريحات زعيم الحلف جو بايدن، والذي أظهر عجزاً مطابقاً تماماً للعجز الاوروبي في معالجة تدهور اقتصاد بلاده، (ارتفاع الاسعار، مستوى معيشة منخفض، اضطراب في سلاسل التوريد، كساد). ومع ارتفاع نسبة التضخم الذي وصل الى 8.6% وهي مستويات لم يعهدها الاقتصاد الامريكي منذ نحو اربعة عقود، جاء إعلان الخزانة الامريكية عن عجزها في مواجهة التضخم الحالي ليتوج السياسات الفاشلة لبايدن وإدارته، بينما يستمر نزيف الاحتياطي الاستراتيجي للنفط الامريكي الى ادنى مستوياته منذ العام 1987، بعد ان فشل بايدن في تأمين بديل للنفط الروسي. يواصل كما بوريل القاء اللوم على الرئيس الروسي بوتين، دون التفكير في إيجاد مخرج لهذه الازمات، واصبحت عباراته الشهيرة “تضخم بوتين”، “إسألوا بوتين”، مثار سخرية للجمهور الامريكي الذي انخفضت نسبة رضاه عن اداء حكومته الى اقل من 30%. يقول السيناتور الجمهوري السابق عن كولورادو، تيد هارفي، إن الرئيس جو بايدن “أسوأ رئيس للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين”. يتزامن ذلك كله مع دعوة الجمهوريون في بيان مؤتمرهم الحزبي في ولاية تكساس لبرلمان الولاية بإعلان الانفصال عن الولايات المتحدة عام 2023.
يهدف بوريل ومن امامه بايدن من مثل تلك التصريحات الدائمة الى ايجاد ربط مباشر بين اسم الرئيس بوتين والازمة الاقتصادية العالمية، في محاولة رخيصة لتحريض حكومات العالم ضد موسكو، اعتقاداً منهم أن شيطنة الدب الروسي بمثل هذه الادعاءات سوف تزيد من غضب الشعوب، وبالتالي اتساع دائرة الدول الملتحقة بسياسات واشنطن الهادفة الى عزل روسيا وتقويض قوتها على الساحة الدولية، بينما يتعمد كلاهما (بوريل وبايدن) اغفال دور العقوبات، ليس اقلها على سبيل المثال، فصل البنوك الروسية عن نظام سويفت العالمي، الامر الذي تسبب وبشكل مباشر الى عدم قدرة بعض الدول على تسديد اثمان وارداتها من الحبوب، وبالتالي توقف أو تأخير تسليم الإمدادات لهذه الدول.
ومع استمرار شحذ السكاكين بين دول حلف الاطلسي من جهة، وروسيا وحلفائها من جهة ثانية، يستمر الطرفان في إشهار اوراق الضغط التي يمتلكانها، في محاولة كل طرف لإذلال الآخر، بينما تظهر روسيا انفتاحها على دول العالم الصديقة ورغبتها في عودة انتظام سلاسل التوريد، إلا انها لجأت الى استخدام نصف ورقة ضغط من خلال خفض امدادات الطاقة الى 50% لبعض دول اوروبا المصنفة غير صديقة، ولربما يلجأ بوتين في وقت لاحق الى إشهار الكرت الاحمر كاملاً في وجه اوروبا اذا تطلب الامر ذلك. من ناحيته، يظهر الغرب- أو هكذا يبدو، صلابة في قدرته على الصمود ودعم قراراته في إستمرار فرض العقوبات، بل والتهديد بزيادتها، على الرغم من آثاره السلبية الواضحه على اقتصاداته المتجهة نحو الكارثة. وبين عناد روسي وإصرار أمريكي، وانقسام عالمي في المواقف وشلل في دور مجلس الامن، تلوح في الافق إشارات لاعلان إفتتاح جبهة حرب جديدة في الشرق الاوسط محورها ايران، تطبخ على نار هادئة بانتظار قدوم الشيف الكبير بايدن منتصف الشهر القادم لترتيب ساعة إنطلاقها.
*مدير برنامج السياسات الامريكية – معهد فلسطين لابحاث الامن القومي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أزمة قيادة فلسطينية غير مسبوقة!

د. إبراهيم ابراش* في بداية مارس 2016، كتبنا مقالاً بعنوان: (الخوف على السلطة من السلطة)، …