د.حسناء نصر الحسين*
بعد جملة من المتغيرات التي طرأت على مفهوم فائض القوة التي تبجح بها قادة الكيان الإسرائيلي لعقود مضت والتي بسببها استطاع هذا الكيان من فرض احتلاله وتوسيع مناطق بناء مستوطناته على حساب حقوق الشعب الفلسطيني الذي استطاع في عدة معارك كسر هذه العنجهية الاسرائيلية وتثبيت معادلة ردية في مسار الصراع مع هذا الكيان القائمة على تحرير الأرض الفلسطينية ، وأمام هذه المتغيرات التي كان أهمها نجاح المقاومة الفلسطينية بكسر هيبة هذا الكيان وتهشيم صورته النمطية -التي عمل على تشكيلها طول فترات مضت- في اكثر من معركة كان الكيان هو من حدد مكانها وزمانها وبنك اهدافها ، وأمام هذه الهزائم المتكررة وما نتج عنها من انعكاسات على الجبهة الداخلية للصهاينة التي لفظت حكامها وسياسييها وأصبحت غير واثقة بهم ، والتأثير الكبير لهذه المعارك على وحدة الصف الاسرائيلي فكانت الانقسامات لدى القاعدة الشعبية الاسرائيلية وضرب الجبهة الداخلية هي العنوان الأبرز التي تنضوي تحته كل العناوين المعبرة عن مشاريع حكام هذا الكيان وسلوكياته لتكون سياسة الهروب الى الأمام هي الاستراتيجية الأكثر واقعية بهدف ايهام قاعدتهم الشعبية المترهلة بأن اسرائيل مازالت قوية وهي من تمسك بزمام المبادرة والقادرة على رسم المعادلات وفرضها في أي حرب او معركة مع ابناء فصائل المقاومة الفلسطينية ، الا ان الفشل كان يلاحق مشاريع هذا الكيان، ويصبغها بصبغة الفشل والارتكاس .
فكانت سياسة استهداف البيئة الداخلية والاقليمية الحاضنة للقضية الفلسطينية هي نقطة المركز التي ينطلق منها الصهاينة لتصفية القضية الفلسطينية ليجعلوا منها قضية يتيمة ، مستخدمين في سبيل تحقيق هذا الهدف كل ما لديهم من قوة ودعم امريكي غربي وأممي واقليمي في محاولة منهم لحرف بوصلة الصراع المتمثل من عربي صهيوني الى صراع عربي – عربي او إسلامي – اسلامي فرأينا اتفاقيات التطبيع التي حققت لهذا الكيان نوعا من النصر الوهمي لأنها لا تمثل شعوب هذه الدول المنخرطة فيها في محاولة بائسة لتغيير حقيقة هذا الصراع المتمثل باحتلال الصهاينة لارض فلسطين واجزاء اخرى من الاراضي العربية وهذا هو جوهر الصراع العربي الاسرائيلي .
عمدت اسرائيل على تفكيك هذه المعادلة وتحويلها من صراع عربي صهيوني الى صراع فلسطيني صهيوني عبر صناعة الأفخاخ بين ابناء الأمتين العربية والاسلامية وساعدها في ذلك مجموعة من العملاء وبائعي القضية ، وتبنت استراتيجية تصنيع الأعداء لدول المنطقة مبنية على المذهبية وغيرها لإشغال الشعوب عن نقطة المركز المتمثلة بالقضية الفلسطينية .
وبالنظر الى المعركة الاخيرة التي هندسها قادة الكيان المهزومين نستطيع ان نرى حجم الحقد الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية المتجلي بضرب القاعدة الشعبية للمقاومة كرد على ضرب المقاومة للقاعدة الشعبية الاسرائيلية ، ومع أن المعركة مع فصيل فلسطيني واحد أو هكذا ارادها الصهاينة ، استطاعت حركة الجهاد إدارة المعركة باقتدار عالي مع كلفة التضحيات العالية ، عبر لجوء العدو الصهيوني لتبني سياسات قذرة تغطي عبرها سوءة فشله وانهزامه عبر تصدير انتصار واهية تخترق العقل الصهيوني للمستوطنين، في إيهام بإنجازات تحققت لا تتجاوز حدود اغتيال قادة عظماء قدمو نفوسهم فداء للقضية .
يعمل كيان العدو الصهيوني وعبر سنوات الصراع على إضفاء عناصر تقف وراءها سياسات العنصرية واستراتيجيات قذرة تبدأ بضرب الواقع المجتمعي الحاضن للمقاومة ولا ينتهي عند سياسات الاغتيالات ، كل هذا تعمل عليه بروبواغندا الدعاية الاسرائيلية مصدرة عناوين تدعي من خلالها تحقيق انتصارا امام المقاومة والشعب الفلسطيني ، وعبر تبديل لمعايير النصر تشتغل هذه الدعاية في تصدير الصورة المزيفة والتي تقدم الكيان في موقع المنتصر ، لكن الحقيقة بخلاف ذلك تماما .
لعل في أهم ما يجب النظر إليها في تقييمنا للوضع النهائي لأي معركة أو مواجهة مع هذا الكيان هو جبهته الداخلية وواقعه الداخلي ، وفي هذا ما يكشف حقيقة التقييم ويضعنا امام معايير حقيقة تضع هذا الكيان في موقعه الصحيح والحقيقي ، وعند كل محطات الصراع نجد أن هذه الجبهة لا تنفك عن التعبير بواقعها الحقيقي والذي يشكل انعكاسا لواقع اي معركة ونتائجها النهائية ، ولعلنا برصد بسيط لما يعبر عنه الصهاينة ضمن هذه الجبهة تتجلى لنا في كل مرة حزم من الخوف وكتل من القلق المتصاعد ، بما يكشف الهواجس غير الخفية والتي خلفتها اي مواجهة معه وحقيقة الوضع النهائي لاي معركة او مواجهة لهذا الكيان .
قدرة الصهاينة على تلبيس واقعهم المترهل ووضعهم الداخلي الهش بلباس النصر والغلبة عالية ، لسبب أساسي يتمثل في يقينهم بان هذه الجبهة الداخلية تقف كقطب رحى هذا الكيان ، فإذا ما سقط هذا القطب ضاع وسقط الرحى ، ومع كل ما يقوم به صهاينة هذا الكيان من تلبيس الحق بالباطل وهوديدنهم الذي اخبرنا به القران الكريم ، يظل في مشهد الصراع ما يتجاوز هذه القدرة الصهيونية ليصدح بمعايير مختلفة عما يحاول الصهاينة تسطيرها في الوعي العام ، وليشهد العالم مراحل باتت أكثر وضوحا لزوال هذا الكيان وإن تبدى او حاولو إظهار وكأن هذا الكيان في وضع المنتصر او القادر على الأقل على تسجيل نقاط ، لقد أضحى واقع الصهاينة في مراحل وصفها بعض مفكريهم وكبارهم بأنه واقع مقلق للغاية ، وبات سؤال المصير حاضرا بقوة في الذهنية الصهيونية ، ولم تعد عوامل التستر ووسائل التلبيس تسعفهم أمام ما يتشكل في وعيهم من يقينيات تتمحور حول البقاء من عدمه .
*باحثة في العلاقات الدولية – دمشق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر