الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / بيع الوهم واستحمار الشعوب!

بيع الوهم واستحمار الشعوب!

خالد شــحام*
ذات مرة وقبل سنوات عديدة كنت أجلس في زاوية من مطعم تطل على شرفة مقهى مجاور حيث يجلس أحدهم يتابع شاشة التلفاز الكبيرة والتي تعرض لعبة مصارعة بين إثنين، كان الرجل المتابع يتصرف بطرافة وانهماك وانشداد مضحك، حيث جلس الرجل المتحمس للبطل المنشود وهو يصيح له ويصرخ به ويحرك قبضاته بمعيته ويزجره بأن يحرك نفسه شمالا ويمينا وكأنه مدربه الخاص الذي يجلس قربه في حلبة المصارعة، كان الرجل يتربص من بطله أن يوجه لكمة أو حركة أو ضربة لخصمه ولكن اللاعب كان يخفق ويظهر فشلا ذريعا في كل مرة، ثم لا يمل هذا المشاهد المسكين بحكم تعلقه بروح الأمل في التربص والتحمس لمحاولة أخرى وثانية وثالثة ولكن البطل لا ينفك يفشل مرة تلو المرة وفي نهاية المباراة صاح الرجل المتابع بأعلى صوته وضرب الطاولة بيده بأن (بطله) قد باع المباراة قبل أن تبدأ كي يقنع نفسه بهذه الهزيمة المريرة.
خلال الأيام الماضية أشغلتنا الرئاسة الفلسطينية بتصريحاتها الصادة ثم المضادة حول تشبيه ما تقوم به سلطات الاحتلال الصهيوني من جرائم بحق الفلسطينين بالهولوكوست إياه، استطعت أن أقرأ ربما عشرين مقالا أثارتها زوبعة التصريحات الرئاسية ولكنني لم أجد تشبيها فعليا لما جرى سوى قصة المشاهد وامله الخائب في المصارع الذي كان يتابعه.
تصريحت الرئاسة الفلسطينية وإن بدت أنها نارية ومقاتلة ومحقة كما مرات سابقة إلا أن نتائج المباراة منتهية وجاهزة وخاسرة مع كل أسف ، نفس القصة تتكرر في عالم العرب عندما نسمع إعلانا عن تجديدات أو وعود حماسية أو مشاريع سياسية حسنى قادمة وفي أي مجال تريدونه ، في كل مرة نسمع عن هذه المبادرات وهذه التصريحات أو الإعلانات الأوتوقراطية تدب فينا لحظة حماسة فطرية لأن هنالك شيء بداخلنا يسهل خداعه ويسهل التهليس عليه اسمه الأمل ، ومن يعبث بهذه البضاعة ويحاول التهليس والتدليس عليها نسميه بائع أمل ، وبائعو الأمل في المنطقة العربية أشد خطورة وأشد عداوة من بيني غانتس و أشد مكرا من نتانياهو و بايدن العجوز .
في تجارة الأمل يقوم التاجر المعين لهذه المهمة بمنح الجمهور ما يريد أو إيهامه بالحصول على البضاعة المطلوبة التي يتمناها المخدوعون وفي حالتنا العربية الفريدة على كامل الرقعة العربية فالبضاعة المعهودة التي تداعب نطاق الأمل هي : الديموقراطية – الإصلاح – التعددية – تداول السلطات – تقديم اللصوص والفاسدين للعدالة – الثأر لقضايانا وحقوقنا وممن قتلوا أبناء شعوبنا واحتلوا بلادنا – مقاضاة المجرمين ومصاصي الدماء من كبار المسؤولين والسفاحين العرب وغير العرب – تحريك الجيوش العربية – إعلان حرب ولو كذبا – قوانين اجتماعية تحمي المرأة والطفل والشباب والكبار بحق وحقيق – مشاريع نهضة حقيقية – المصالحات العربية ….. السيناريو المعتاد هو أن تذهب الوعود والكلمات مع الرياح وينسى الجمهور المسكين الحكاية ثم تتجدد عملية البيع ذاتها وبنفس الخدع من خلال استعراضات متجددة لا تنتهي ولا تتوقف لكي تمنح الجماهير المتعطشة جرعات جديدة خادعة ميؤوس منها من الأمل ومع ذلك يصفق الجمهور ويهتف ويتحرقص للقفز والحماسة ولكنه في نهاية الجولة يحظى بخيبة الأمل وجرعات جديدة من الفلس والشعور بالعدمية وإدمان تلقي الضربات حتى أصبحنا جميعا مصابين بعارض اسمه ( التمسحة)!
يمكنكم في بلاد العروبة تقصي عمليات بيع الوهم وبيع الأمل السرابي طيلة سنوات وعلى يد نفس الوجوه التي تحاول كل مرة أن تقنعنا بان هنالك فرصا جديدة وهنالك وجوه جديدة وهنالك طواقم جديدة وهنالك اتفاقيات جديدة وهنالك قوانين وحياة رغيدة جديدة، ما تحصل عليه الشعوب في نهاية المطاف هو المزيد من الانحدار السريع في منزلق العالم الجديد والحصول على مقاعد خلفية في سينما الأحداث المتسارعة والفرم بين عجلات العالم القديم والجديد حيث لا هوية ولا تقدم ولا تطور وحيث يتحول صناع الفشل والهزائم والفساد الى مدارس اخلاقية تروى للطلبة في كتب التاريخ عن أمجادهم وفضائلهم، ما نحظى به هو المزيد من تدهور قضايانا وانحطاط حقوقنا حتى التلاشي من نظر العالم ، أما ما تحصل عليه الأنظمة فهو المزيد من الوقت لتنفيذ المزيد من الانتكاسات بحق كل القضايا والشعوب العربية التي تم إيصالها إلى أدنى من قاع البئر بقليل.
لقد مللنا وغمرت المياه حجرات الذاكرة في وعينا حتى فاضت عيوننا غربة، لا يجتمع الأمل مع الوجوه الكالحة، ولا يجتمع النصر مع مولدات الهزيمة، لا يجتمع الأمل مع تجار البندقية ولا يجتمع مع الذين خدعوا شعوبهم طيلة ثلاثين وأربعين وخمسين سنة ، لا يمكن للهواء النظيف أن يدخل صدرا تعشش فيه جينات الخيانة واتفاقيات العار الأزلية المكتوبة حتى قبل أن نولد ، لهذه الأسباب سيداتي وسادتي أعتذر عن التصديق وأعتذر عن عقد الأمل مع تجار الأمل ، أعتذر عن تصديق أن أحدهم سوف يقاضي مجرما أو يطارد قاتلا لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، أعتذر أنني لن أصدق أن أحدهم سيستخدم النفط لأجل قضية عربية ، أعتذر عن أن أصدق أن أحدهم عقد اتفاقا لأجل عيون القضية الفلسطينية أو أبناء شعب فلسطين الذين يحاولون مسحه وإذلاله ، أعتذر أن أصدق أن احدهم يحارب ( الإرهابيين ) الإسلاميين ويطاردهم في الصحراء وفي الصحافة وفي بيوتهم صونا وحماية للمواطن العربي والأمن القومي، أعتذر عن قبول أن أحدهم يحاول الضحك علينا ببضاعة الأمل تحت عنوان القومية والعروبة وهو يقتل ويذبح بلده من الوريد إلى الوريد ، اعتذر عن التصديق بأن هنالك جامعة لكم وأنها عربية وأنها تعمل لصالح الوحدة والمصير وذات الهدف ، أعتذر عن التصديق بأية تجارة واهمة تعرضونها لبيع جرعات من الأمل الاسرائيلي لشعوب العرب والمسلمين لأننا أصبحنا متأكدين أن العبرية تجمعكم والتلمود هو كتابكم .
عندما تندلع النار في الغابة الجافة فإنها لا تبقي ولا تذر ولكنها في الشق الفلسفي من القصة تمنح الأمل للشجر الأخضر كي يصعد من جديد ، وعندما تحطم الزلازل ما بنى الإنسان وتزيح إرث القرون فإنها تمنح النهضة المختبئة المتنفس لدورة جديدة من البنيان والحضارة .
الحقيقة التي تطل علينا من بعيد من شرفة الوادي المقدس وتضحك على حالنا وتسخر من سهولة التغرير بنا تقول في نصوصها المقدسة التي لا مبدل لها بأن المرحلة العربية لم تعد تحتمل أية وعود أو مداعبات لأمل الشعوب ، لقد تعدينا مرحة التجريب والصبر ومنح الفرص للمرة المليون ، لقد وصلنا إلى نقطة اللارجوع ونقطة اللاثقة ونقطة الحسم ، ما نحتاجه اليوم عملية تطهير إعجازية ، عملية استئصال شاملة ، سموها ما شئتم ولكنها عملية مسح وإبادة لكل الوجوه التي خدعت زماننا وخدعت تاريخنا وبلادنا وحولتنا إلى مسخرة ومهزلة وممسحة أمام أنفسنا و بين الأمم وخلق الله ، نحتاج عملية قص ومسح ربانية لأنه لم يعد من الممكن إصلاح هذه الوجوه التي عليها غبرة ، لم يعد هنالك من مكان لأكاذيب وخدع جديدة وأجراس جديدة ، الحجارة بنفسها تقول لنا كفى ضحكا على الذات ! كفى خداعا للأمل لأن الأمل نفسه لم يعد له وجود من كثرة ما تم الضحك عليه وتحميل الأثقال على ظهره ، الأمل يأتي عندما تتغير هذه الوجوه الكالحة التي ملأت زماننا بالخداع والخيانة والانقلاب على كل شيء ، عندما ترحلون جميعا من المشهد وربما نحن معكم سوف ينمو الأمل وتزهر الأمنيات في حقل الشمال والجنوب وتعود نسمات الحياة إلى قلوبها من جديد .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …