الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / تركيا -إسرائيل..ما خفي أعظم!

تركيا -إسرائيل..ما خفي أعظم!

م.ميشيل كلاغاصي*
في ظل مشهدٍ دولي وإقليمي, يتأرجح ما بين العداء والتحالف والشراكة مع الدولة التركية, والمنافسة على كسب ودها وعدائها, وسط تقاطعٍ شامل ومستمر لمواجهة سياساتها الخارجية الصهيو – أطلسية المصبوغة بوشاح المشروع العثماني البائد, وإحتمالات صدامها العسكري المباشر مع عدد من الدول في محيطها الجغرافي أصالةً ووكالةً , وما هو أبعد من حدودها البرية ومياهها الإقليمية.
وما بين دهاليز أحمد داوود أوغلو و”صفر مشاكل”, ومعزوفة “الأمن القومي التركي”, وأحلام “المشروع الطوراني”, تمددت نحو سوريا والعراق وقبرص وأرمينيا وليبيا والصومال والسودان وأفغانستان وأوكرانيا .. بما يدفع للسؤال, هل هي قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها وطموحاتها وأطماعها, وإلى مدى يساندها الناتو, ولماذا تعاني من عدم الإستقرار الداخلي, والتضخم ينخر جسدها, تحت سيف إنهيارإقتصادها وعملتها, وهي الحليف التجاري والإستراتيجي للولايات المتحدة , ولماذا تتمسك بعلاقاتها مع موسكو ألد أعداء واشنطن؟.
على الرغم من سقوط كافة الأقنعة التركية , وفشل محاولاتها لقيادة العالم الإسلامي , ودعمها الإرهاب الراديكالي الإسلاموي المتطرف, وسط إدعائها بحمل الهمّ الفلسطيني , وبدموعها المسكوبة أمام المجازر الإسرائيلية المتكررة والمستمرة بحق الفلسطينيين, وهي التي لم ثٌبت استعدادها لمواجهة الإحتلال الإسرائيلي, الذي تلتقي معه في ظل علاقاتٍ يمكن رصد عواملها المشتركة من حيث الطبيعة العدوانية والتوسعية, وما أكدته سنوات العقد الماضي , بأنها و”إسرائيل” تشكلان معاً ثنائية العدوان على الأمة العربية وسورية والعراق ولبنان بشكلٍ خاص.
منذ الإعلان عن قيام الكيان “الإسرائيلي” عام 1948, والإعتراف التركي به عام 1949, أصبحت تركيا أهم شركائه في الشرق الأوسط, وأقامت معه علاقات دبلوماسية رسمية, ومع ذلك, تميزت العلاقات التركية – الإسرائيلية, خلال العقود الماضية بفترات من التقارب والتباعد المؤقت, على الرغم من موجة المشاعر المعادية لإسرائيل في المجتمع التركي, خصوصاً بعد الغارة الإسرائيلية على قافلة “سفن الحرية” التي حاولت اختراق الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2010… لكن جوهر التباعد يعود لما بعد عام 1973عندما نأت أنقرة بنفسها عن الكيان الإسرائيلي أمام الحظر النفطي العربي, ومع ذلك سعت تركيا للتقارب مع “إسرائيل” مرة أخرى بعد اتفاق أوسلو 1993, على أمل أن يساهم تحالفهما بتغيير توازن القوى الإستراتيجي, والوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط الغني بالنفط, وبما يشكل فرصةً لخروج “إسرائيل” من العزلة السياسية والاقتصادية, ويسمح لها بالتقارب والتطبيع لاحقاً مع بعض الدول العربية الإسلامية عبر تركيا .. لقد كان واضحاً إهتمام تركيا بعلاقاتها الإستراتيجية والشراكة العسكرية مع “إسرائيل” بما يفوق تلك التي تربطها بالعالم العربي والإسلامي.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة, وبروز أردوغان على رأس الحزب, بدأت العلاقات العلنية بالتراجع العلني نسبياً, بعدما أعلن سياسته وتبنى خطاباً إسلامياً , يمهد لإعادة إحياء عهد الإمبراطورية العثمانية, يكون فيه هو الزعيم والقائد الإسلامي وربما الخليفة.
استمر التباعد وتراجع العلاقات بينهما, في ضوء تعارض مواقفهما بشكل متزايد حيال بعض الملفات الإقليمية, ووجه إردوغان إنتقاداته القاسية ووصل حد إتهام سياسة سلطات الكيان بـ”إرهاب الدولة المنظم”, لكن عام 2015 حمل توقيع الإتفاقٍ الثنائي بينهما بوساطة أمريكية, التزمت أنقرة بموجبه بحظر أي نشاط فلسطيني على أراضيها يسعى أو يخطط للهجوم على “الدولة” اليهودية.
وفي الآونة الأخيرة نما الصدع بين إسرائيل وتركيا، بعدما طبقت إسرائيل ضغوطاً كبيرة, مستغلة نفوذها في واشنطن لمنع تلك الأخيرة من إشراك أنقرة في مشروع تصنيع طائرات الـ F-35 , بعد أن حصلت تركيا على صواريخ أرض – جو الروسية S-400 ، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط, في حين كان الدعم الإسرائيلي للإنفصاليين الأكراد في سوريا, عاملاً تسبب بشكل أو باّخر بتبرير فتور العلاقات بين إسرائيل وتركيا في السنوات القليلة الماضية…
وحتى اليوم, ومن حين لاّخر ترتفع وتيرة الإنتقاد والصراخ بينهما، ومع هذا تبقى وتستمر العلاقات السياسية والأمنية والإقتصادية بينهما, ويستمر معها الإستثمار الإعلامي واللعب على المشاعر الدينية , كالتنديد التركي بصفقة القرن, دون أن يؤثر ذلك على جوهر وحقيقة العلاقات بينهما.
يكفي أن نشير إلى التعاون الوثيق بينهما منذ بداية الحرب على سوريا , وعملهما المشترك والمتبادل في دعم وحماية التنظيمات الإرهابية التكفيرية والإنفصالية , بهدف عرقلة ومنع تقدم الجيش العربي السوري, الأمر الذي يؤكد الإرتباط الوثيق والشراكة الإستراتيجية بين العدوين التركي والإسرائيلي على مرأى ومسمع كافة دول العالم.
إن تناوب العدوين الإسرائيلي والتركي بشن العدوان العسكري المتكرر على الأراضي السورية , يؤكد وحدة الأهداف والأطماع المشتركة لكليهما , في سياق المشروع الصهيو – أمريكي على سوريا , والذي شهد الإسبوع الماضي في أحدث نسخه , عدواناً تركياً عبر طائرة مسيرة استهدفت موقعاً عسكرياً للجيش العربي السوري غرب عين العرب في سياق العدوان لإقامة “المنطقة الاّمنة” المزعومة.
ويبقى من اللافت , إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، أن قرار استئناف العلاقات الدبلوماسية مع تركيا بشكل كامل بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ إلى أنقرة , فيه أهمية كبرى بالنسبة “لإستقرار المنطقة وللإقتصاد الإسرائيلي”.
هل تبدو استعادة العلاقات صفحةً جديدة للتقارب , أم نوع من المكافئة الإسرائيلية لتركيا, في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وعدم مشاركة حركة حماس بصده ومواجهته, ولكبح ما سمي بـ الإنعطافة التركية” تجاه سوريا, في ظل غياب الضوء الأخضر الدولي المرتجى تركياً لإقامة “المنطقة الاّمنة” وإطلاق العملية العسكرية المزعومة, كذلك وسط إطلاق التهديدات الإسرائيلية بفتح جبهة الجولان السوري المحتل إن اندلعت الحرب مع حزب الله, والإعلان عن مشاريع الطاقة والغاز الإسرائيلية – التركية المشتركة, وإحياء مشروع شحن الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا .. ناهيك عن تصريحات وزير الخارجية التركي بأن :”استئناف العلاقات لن يدفع تركيا إلى التخلي عن القضية الفلسطينية” , يا لها من إزدواجية ونفاق , واستغلال تركي قذر للقضية الفلسطينية والمقدسات.
لا يمكن الإعتماد على تقارب وتباعد الجانبين التركي والإسرائيلي كميزان لعلاقتهما كحليفين إستراتيجيين, كذلك لا يمكن الفصل بين تقاطع مصالحهما الجيوسياسية , وأطماعهما التاريخية , عن طبيعتهما العدوانية الإجرامية التوسعية , ومكانتها على رقعة المشاريع الصهيو – أمريكية الكبرى في المنطقة والعالم , وعليه قد يحمل قرار استعادة العلاقات ما هو أبعد من الإقتصاد وإحياء مشاريع أمن الطاقة والغاز, على قاعدة ما خفي أعظم بالنسبة إلى فلسطين ولبنان والعراق وإيران وروسيا , وسوريا على وجه الخصوص.
*كاتب سوري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …