الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / رسائل الداخل الروسي.. وواقع الميدان في أوكرانيا

رسائل الداخل الروسي.. وواقع الميدان في أوكرانيا

وليد وفيق*
لم يكن حادث اغتيال “داريا دوغين” في ضواحي العاصمة الروسية موسكو مجرد حادث إرهابي عابر، كالحوادث التي شهدتها عواصم عدة. إذ أن توقيت عملية الإغتيال على هذا النحو يشي بالهدف من وراء العملية، ومن ثم التخمين بمن الذي أعطى الأمر بالتنفيذ ومن الذي خطط للعملية، ومن نفذها داخل العاصمة موسكو.
هل تورطت المعارضة الداخلية وبدأت في تغيير عقيدتها السلمية واتجهت إلى المعارضة “المفخخة” في اسلوب جديد له طابع دموي، لمواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ هل هناك تورط لجهاز استخبارات خارجي، يلعب في الداخل الروسي، وبعث برسالة لبوتين مفادها أنك لست بمأمن؟. ومن هو الجهاز القادر على اختراق ترتيبات الأمن والسرية في عاصمة يحكمها خريج جهاز ال كي جي بي فلادمير بوتين؟. وكيف يمكن الاطمئنان إلى أن عمليات أخرى لن تتم؟. من المؤكد أن الفاعل أوصل رسالته المدوية والدموية إلى سيد الكرملين ومستشاريه وأجهزة أمنه واستخباراته، لتلقي على كاهل بوتين وفي كبريائه جرح جديد يضاف إلى جراحه السابقة منذ أن كان ضابطا في أجهزة الاستخبارات السوفيتية.
كان توقيت عملية الإغتيال لافتا، والتي كان يقصد بها ألكسندر دوغين والد المغدورة داريا، وهو من المقربين للرئيس بوتين ومن المعادين للغرب ولقيمه الأخلاقية، وتوجهاته الإمبريالية، وله العديد من المؤلفات التي تنادي بأفكاره، والتي وجدت أذن صاغية من قيصر روسيا.
جاء توقيت عملية الإغتيال على خلفية الواقع الميداني الحربي على مسرح العمليات العسكرية، الذي لا يهدأ في أوكرانيا، بعد توقف برى فى الحرب لعدة أسابيع، عادت على إثرها القوات الروسية للحركة المتصاعدة، لكي تجبر القوات الأوكرانية على الانسحاب من مدن كراماتورسك وسلافيانسك وباخموت، وهى المدن الثلاث الأكبر، التي خارج السيطرة الروسية فى مقاطعة دونيتسك، وبنفس النسق البطيء والمتدرج لعمل القوات الروسية، ودون الإعلان عن إجراءات استثنائية تطال المجتمع الروسى، في الحرب التي دخلت شهرها السابع، الذى يبدأ فى 24 من الشهر الجارى، ليكون نقطة البدء فى إستكمال استيلاء روسيا على كل منطقة الدونباس، بعد حسم صعب فى مقاطعة لوجانسك، وانتهى بضم ليسيتشانسك، على أن يكتمل فيما بعد بإحكام السيطرة على سائر ضواحي وحواضر مقاطعة دونيتسك.
لم يحدد بوتين وقتا للحرب، ولا لحدود الجغرافيا التى يريد قطعها من أوكرانيا فيما يشبه الجراحة، باستثناء جمهوريتى لوجانسك ودونيتسك، وهما الذريعة التي اتخذتها موسكو وانطلقت على إثرها العملية العسكرية الروسية، عقب اعتراف الرئيس الروسى فلادمير بوتين باستقلال إقليم الدونباس، غير أن الوقائع والخطط العسكرية على الأرض، دارت فى محاور أوسع، وشملت حتى اليوم عدة مقاطعات، ومدن مثل خيرسون وخاركيف وميكولاييف وزاباروجيا، وكلها تقع جغرافيا خارج إقليم الدونباس، بالإضافة لاستهدافات بالطائرات والصواريخ الدقيقة، طالت العاصمة الاوكرانية كييف، وكذلك مدينة لفيف فى أقصى غرب أوكرانيا، وإن كان التركيز بدأ واضحا على خاركيف الواقعة على مسافة عشرين كيلو مترا من الحدود الروسية.
على “تختة الرمل” الجديدة لسير المعارك بدت الصورة أكثر وضوحا، فلقد أصبحت القوات الروسية تسيطر على قوس الشرق والجنوب الأوكرانى كله، وكانت المعركة الفاصلة فى ماريوبول نقطة تحول خطيرة لصالح روسيا مكنتها من حرمان أوكرانيا من سواحلها على بحر آزوف، بعد الاستيلاء المبكر على منطقة ميليتوبول وخيرسون جنوبا، ومن ثم السعى للسيطرة على ميكولاييف، لكي يتم تدعيم وتحصين الوضع العسكري الروسى فى خيرسون، التي لها أهمية خاصة من جهة تزويد شبه جزيرة القرم بالمياه العذبة، والتواصل البرى عبر البحر الأسود، إضافة لأهمية ميكولاييف الاستراتيجية لخنق ميناء أوديسا، والذي عاودت روسيا الهجوم عليه، بعد توقف مقصود، لمنح الفرصة لتنفيذ اتفاق تصدير الحبوب، ثم إلى الشرق من خيرسون، سيطرت روسيا حتى هذه اللحظة ثمانين بالمئة من مقاطعة زاباروجيا، بما فيها محطتها النووية، والتي يجري القتال والقصف المتبادل على أبوابها، والتي جعلت العالم يحبس أنفاسه خوفا من انفجار نووي بالمحطة، لتكون المرة الثانية بعد انفجار محطة تشيرنوبل في ذات البلد، بينما يبدو اتساع السيطرة الروسية فى مقاطعة خاركيف، وإلى نحو خمسين بالمئة من مجموع مساحتها الكلية، نوعا من الدعم الميدانى الروسي اللازم لأمن إقليم الدونباس.
وبتجميع الصورة وتكبيرها تكاد توحى بمخططات الهدف الروسى العسكرى، الذى قد يتعرض لبعض العرقلة، على شاكلة الهجمات الأوكرانية المتقطعة من منطقة ميكولاييف إلى منطقة خيرسون، فى هجمات مضادة، روجتها وضخمتها الدوائر الإعلامية الغربية، لكن سرعان ما هدأت وخفت وتيرتها، وحلت محلها إغارات تخريب لا تقدم أو تؤخر في سير العمليات سوى الدعاية المبالغة، في أنها وراء الخطوط الروسية، خصوصا فى استهداف منطقة شبه جزيرة القرم، التى ضمتها روسيا إليها عام 2014، بعد عملية عسكرية سريعة، لكن لم يكن من المتصور أن تمتد الهجمات إلى داخل العاصمة موسكو، وأن تستهدف واحدا من أهم المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي استوعب فحوى ومضمون الرسالة المفخخة، التي وصلته وقرأ حروفها المخضبة بالدم، والتي جاءت في توقيتها بعد أن سيطرت روسيا على قوس الشرق والجنوب الأوكرانى، وهو الأمر الذي يكشف فشل الغرب في دعم الجيش الأوكراني والرئيس فلادمير زيلنسكي، الذي هو أقرب لتوقيع أوكرانيا على وثيقة استسلام شامل أو إنهاء دوره في الحياة وكرئيس لأوكرانيا وضعته الظروف في موقف تاريخي أكبر من قدراته، وخاصة بعد نقل المعركة إلى الداخل الروسي.
لم يعد الغرب يرى أي بارقة أمل في أي نصر أوكرانى، ولا أي أشارة تشي بهزيمة روسيا، وإن كان الغرب يكابر، ويرفض أن يسلم بالنتائج الواضحة، التي وصلت إليها الحرب، والتي كان منها قدرة روسيا على التدمير المنتظم لأكثر الأسلحة الغربية تطورا، والتي ألقيت فى الساحة الأوكرانية، حيث تم تدمير نحو خمسين ألف طن من الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنية، التي أرسلتها كل من الولايات المتحدة ودول أوروبا وحلفائها للجيش الأوكرانى، إضافة إلى سريان روح التمرد والعصيان في صفوف الجيش الأوكراني، وفوقهم دعم غربي بما يزيد على 100 مليار دولار، وعلى أي مقياس لا يصح أن يلقي سيد الكرملين طوق نجاة إلى زيلينسكى فى لحظات ضعفه، ويوقف الحرب دون تحقيق انتصار واضح عسكريا وسياسيا، وهذا ما لا يريده الرئيس الأمريكى جو بايدن، الذى أفلت منه زمام المبادرة، وفقد السيطرة على الوضع، وهو على وشك تلقى هزيمة فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس أوائل نوفمبر المقبل، تضعفه وحزبه في معادلة الداخل الامريكي، في ظل توثب وتأهب من الحزب الجمهوري لتحقيق مكاسب على حساب فريق وإدارة الرئيس جو بايدن.
وفي التحليل الأخير الانتصار الروسى يبدو ظاهرا فى كل الأحوال، سواء فى الدائرة والساحة الأوكرانية، أو على النطاق الدولي الأوسع.
فشل الغرب فى تحويل حرب أوكرانيا إلى أفغانستان ثانية ومستنقع لاستنزاف الروس، بينما نجح بوتين فى تحويل حرب أوكرانيا إلى أفغانستان ثانية ومستنقع لأمريكا وحلف الناتو.
الولايات المتحدة وأوروبا يعانيان من كوارث بطء الاقتصاد وتغيرات المناخ وما استتبع من جفاف، والتذمر الشعبى المتصاعد بسبب عبء الفواتير الباهظة التكاليف للحرب في أوكرانيا، مع الجنوح للتملص من تعهدات التورط مع أمريكا من جانب حلفائها الاطلسيون خاصة ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، الذي جلب لهم الرعب من شتاء قطبي، يسحق عظام القارة العجوز وعواصمها المؤثرة، مع تزايد احتمالات إنخفاض معدلات إمدادات الطاقة الروسية بالغاز الطبيعي والنفط، فيما الاقتصاد الروسى يقاوم تأثير العقوبات عليه ولكنه مستقر، وتأثره بالعقوبات أقل مما كان في حسبان الولايات المتحدة ومن ورائها أوروبا، وبدت العملة الروسية الروبل فى أفضل حالاتها على مدار العشرين عاما المنقضية، ثم بدا تحالف روسيا مع الصين أكثر قوة، وتزامنا مع المناكفات، والاستفزازات الأمريكية لبكين فى جزيرة تايوان، فالصين صاحبة أكبر احتياطى نقدى فى العالم، يقترب من سقف الأربعة تريليونات دولار، وتايوان بالنسبة للصين قضية مركزية لا تهاون فيها، وليس لدى بكين مانع من دفع الأمور إلى الحافة النووية من أجل مبدأ صين واحدة، بينما لا تبدو واشنطن قادرة على كبح جماح الصين بوسائل الحصار، وبالضغط العسكرى التقليدى، ولا المخاطرة بالتورط فى حرب مع الصين حتما ستكون نووية لا يفوز بها أحد، والاقتصاد الصينى هو الأكبر والأول عالميا بمعايير القوى الشرائية، وبدا كإسفنجة ماصة للصدمات، امتصت تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسى متوسط الحجم، وأضافت له ميزات مهمة من موارد الطاقة والحبوب، وفتحت له أسواقا بديلة مهمة، كان لها أثر كبير حيث أنها شجعت موسكو على الاستمرار فى الحرب الاقتصادية مع الغرب.
من المؤكد أن عملية الإغتيال في موسكو قد غيرت حسابات الرئيس بوتين، والذي من المتوقع أن تكون ردة فعله على العملية مدوية، ومن المؤكد أن صدى العملية سينعكس على مسرح العمليات في أوكرانيا ما يرشح أن تكون الأيام القادمة صعبة وحبلى بالمفاجآت على مستوى الداخل الروسي وعلى المستوى الدولي بحساب ما ستؤول إليه الأوضاع على الأرض في أوكرانيا.
*كاتب مصري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …