الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / بين الثوابت السورية والاستعجال التركي

بين الثوابت السورية والاستعجال التركي

د.محمد عياش
ربما وجدت تركيا، رجب طيب أردوغان بسياسة تصفير المشاكل، إستراتيجية جديدة ، بعد لف ودوران وتسعير المشاكل والأزمات التي لم تجن لأنقرة إلا مزيدا ً من الانتكاسات والسقطات السياسية التي باتت واضحة ومؤشر حقيقي على التخبط والفوضى التي تتميز فيها الإدارة التركية الحالية.
على فرض أن الدولة السورية وافقت على استعادة العلاقات مع أنقرة الجار المزعج، فإن لدمشق ثوابتها التي لا يمكن أن تتساهل فيها، وهي سيادة الدولة على كامل التراب السوري، وإرغام القيادة التركية على احترام القرار السوري، والتعهد بعدم التدخل في شؤون البلاد، ورفع الدعم الفوري على الفصائل الموالية لها ، وأهم من كل ذلك ومع تفاقم وتعقيد المشهد السوري ، فإن دمشق ثابتة على ثوابتها، حيث لم يلمس أي محلل سياسي استراتيجي أي تراخ في الموقف السوري .
في كثير من الأحيان يتظاهر أردوغان بالطيب والشخص المرغوب به ، في حالة تعود لأنواع الشخصيات في علم «الباراسيكولوجيا» ، «البارودكسية» ، التي من خلالها يتظاهر الشخص بالطيب والحنون ، وصاحب الوجه البشوش ، وفي داخله عكس ذلك ، من خبث ومكر ودهاء ، فهو يعيش بشخصيتين متناقضتين دون معرفة ذلك .
وتجلى ذلك مع أقرب المقربين ، أمثال رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو ، أحد مهندسي خطة تصفير المشاكل ، عندما استشعر أردوغان بزيادة شعبيته ، والكاريزما التي يتمتع بها أوغلو ، أزاحه من المشهد السياسي بالكامل ، حيث اضطر الأخير لتشكيل حزب جديد .
في مثل دارج في دمشق يقول : يلي عند أهله على مهله ، فسوريا لم تعتد على أحد ولم تنتهك سيادة أي دولة من جيرانها ، على العكس تماما ً مشهود للدبلوماسية السورية المهنية العالية والرفيعة ، وهذا ما جعل الباب مفتوحا ً لأنقرة لمراجعة حساباتها وأخطائها ، والشروط التي تضعها تركيا بخصوص المصالحة ما هي إلا تكفير عن الذنب الذي اقترفته بحق دمشق ، وستقبل وتحترم ثوابت الدولة السورية ، حتى لو كلفها التنازل عن الشروط التي تضعها .
أعتقد أن الإدارة التركية أدركت أن العلاقة مع سوريا يجلب لها الاحترام الدولي ، وأن بداية العلاقات مع دمشق ، ستفتح أفاق اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها بحكم مجاورتها ، واقتنعت بأن افتعال أزمة أو ما شابه مع سوريا ستكون نتائجها عكسية ، وقادم الأيام سيتم الإعلان عن هذا التقارب وفتح صفحة جديدة .
التاريخ السياسي للدولة السورية ، لم يغلق الباب أمام الخلافات التي تحصل مع الدول سواء ً العربية كالعراق سابقاً ومنظمة التحرير الفلسطينية ، والأردن ، ومصر .. الخ أو الدولية كالأزمة التي حصلت مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط نظام صدام حسين وتهديدات كولن باول عام 2003 وما سميت وقتذاك بإملاءات كولن باول لدمشق وشروطه التي رفضتها القيادة السورية دون أدنى تفكير .
على تركيا وقيادتها ، أن تخرج من حالة الفوضى ، وأن ترتب أوراقها وخططها وإستراتيجيتها ، وأن لا تستثمر الأزمات الحاصلة ، والخروج من الحالة الرمادية ، والأهم قراءة التاريخ السوري الذي لا يكل ولا يمل في مقارعة الأطماع الخارجية ، وله في الثوابت السورية نموذج يجب الاستفادة منه ، واستخلاص الدروس والعبر ، والحذر من الانزلاق إلى الأماني والرغبات الكامنة في نفس المصابين بجنون العظمة لجهة استعادة أمجاد السلاطين والدولة التي قارعت وهيئت البيئة المناسبة للدول الامبريالية العالمية بريطانية وفرنسا وبعدها الولايات المتحدة الأمريكية التي نكتوي بقراراتها الظالمة والمجحفة بحق الأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية .
وأخيرا ً ، إن حزب العدالة والتنمية الحاكم ، عليه مهام كبيرة إذا أراد الاستمرار ، ومن جملة المهام ، عليه التركيز على الداخل الذي يتآكل ، وأن لا يؤمن لواشنطن والنوايا الغربية ، وأن يُعلم الأجيال القادمة أن الجار السوري لا يخون ولا يخوض المؤامرات بحق جيرانه ، هذه أخلاق قبل كل شيء ، فسوريا تذهب بعيدا ً في سبيل مقارعة العدو الأول والأخير ( إسرائيل ) ، فالمصالحة مصلحة سوريا من باب الاستراتيجية العميقة.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …