د. محمد أبو بكر*
الفكر الصهيوني تجاه الأردن وفلسطين واضح تماما ، ولم يتغيّر طيلة أكثر من مئة عام ، وحتى هذه اللحظة لا يزال هناك من هم في موقع السلطة في كيان الإحتلال يحملون هذا الفكر ويدافعون عنه بشراسة ، وباختصار هذا الفكر يتحدّث عن ضفتين للنهر .. حيث يقولون ؛ هذه الضفة لنا ، أي الضفة الغربية أو كلّ فلسطين ، والضفة الأخرى أي الشرقية أو الأردن هي لنا أيضا .
فلسطين اليوم محتلّة من النهر إلى البحر ، والعين اليوم على الضفة الشرقية ، فالتهديد الذي يواجهه الأردن من قبل الصهاينة واضح تماما ، وحتى هذه اللحظة ما زلنا نتحدّث عن الوحدة الوطنية وضرورة ترسيخها والمحافظة عليها ، كيف لنا الحديث فيها وهناك العديد من الشروخ وكذلك الأسئلة المشروعة التي يجب أن نقف عندها ؟
لا نريد أبدا اللف والدوران حول هذه القضية الهامة ، فالصراحة التامة هي الطريق نحو الإجابة عن كافة الأسئلة المقلقة ، خاصة وأننا نعيش في ظلّ أوضاع لا تسر أبدا ؛ من النفاق السياسي والإعلامي وارتفاع وتيرة الفساد وغير ذلك من السلبيات المقرفة والمقلقة ، وبالتأكيد كل ذلك له تأثير كبير على الوحدة الوطنية .
ما هي مقوّمات الوحدة الوطنية ؟ سؤال مشروع لا بدّ من الإجابة عليه ، فالتماسك الإجتماعي واحد من هذه المقومات ، وكذلك وجود الأمن الذي يحمي الجميع دون تمييز ، وتحقيق العدالة الإجتماعية والتوزيع العادل في كل مناحي الحياة ؛ من ثروات ومناصب ومواقع وحتى المقاعد الجامعية ، وصولا لعدم تهميش أي فئة من المواطنين وشعورها بالظلم .
هناك العديد من الدول توجد بين شعوبها الكثير من الإختلافات ؛ في الدين والثقافة وغير ذلك ، غير أنها تعيش في ظلّ وحدة وطنية رائعة ، كسنغافورة وماليزيا ودول عديدة ، ولو أخذنا الولايات المتحدة فهي الدولة الأكثر في هذا العالم من حيث المنابت والأصول ولا حديث عندهم عن الوحدة الوطنية أبدا ، فهي موجودة ومتأصّلة ، وفي اللحظة التي تحصل فيها على الجنسية بات من حقّك الترشّح لأي موقع حتى لو كان رئاسة الدولة .
دائما نكرر مصطلح الوحدة الوطنية ، وفي كل الندوات والحوارات واللقاءات يكون هذا المصطلح حاضرا ، فلماذا هذا التكرار ؟ هل هذا دليل على عدم وجوده ، أو على الأقل هشاشة هذا المصطلح في مجتمعنا ؟ هل هناك من يشعر بعدم وجوده لأنه يعاني من ظلم معيّن ووجود من استولوا على حقوقه بغير حقّ ؟
هناك مكونان في الأردن ، ولا مجال لأن ندفن رؤوسنا في الرمال ونتغاضى عن ذلك .. المكوّن الشرق أردني والآخر من أصول فلسطينية ، وهذه المعادلة أصابتنا بالصداع لأننا نحاول الإبتعاد عن الغوص في الحقائق للوصول إلى حلول تجعلنا نتوقف عن ترديد هذا المصطلح في مناسبة وغير مناسبة كما يحصل دائما .
الفلسطيني في الأردن يحمل الجنسية الأردنية ، ومن الطبيعي أن يكون لديه إنتماء مزدوجا ، أحدها للأردن والآخر لفلسطين ، حتى الشرق أردني لديه انتماء روحي لفلسطين ، فهي جزء منه ، ويتمنى اللحظة التي يرى فيها زوال الإحتلال والذهاب للصلاة في القدس.
لا لوم للفلسطيني بسبب انتمائه لفلسطين ، فهي أرضه أولا وأخيرا ، وهو ليس ضيفا في الأردن ، بل شريكا أساسيا منذ عهد الإمارة ، وقد شارك في وضع مداميك الدولة الأردنية جنبا إلى جنب شقيقه الأردني ، فمصير الإثنين واحد وقضيتهما واحدة ، فالقضية الفلسطينية هي قضية كل أردني قبل أن تكون قضية الفلسطينيين ، لأن عين الصهاينة الأخرى هي على الأردن ، وبالتالي فإنّ واجب الدفاع عن الأردن هو في رقبة الأردني والفلسطيني معا ، تماما كواجبهما تجاه الدفاع عن فلسطين ومقدساتها وكل شبر من ترابها .
لترسيخ الوحدة الوطنية ؛ نحن بحاجة للإجابة على أي تساؤل بعيدا عن التخوين والشك والطرد من الجنّة ، فنحن شعب واحد يعيش عبر ضفتي النهر المقدّس ، ويكفي أن المصاهرة بين الشعبين قد صهرت وأذابت كل ما من شأنه الإساءة لهذه الوحدة النموذجية والعلاقة المقدّسة .
ما زلنا نعيش في عهد المحاصصة في كل شيء ، وهذا أمر مؤلم على بعض الفئات ، فأهل الجنوب يشعرون بغبن واضح من خلال شحّ الخدمات المقدّمة لهم ، فهم يرون بأن الحكومات لا تأبه لهم ، ويرون بأنهم مظلومون من حيث الوظائف القيادية وزيادة البطالة بين شبابهم وكذلك الفقر الذي ينخر أجساد العديد من مناطقهم .
الأردن يجب أن يتحوّل حقيقة إلى دولة مواطنة ومؤسسات ، لا فرق بين هذا المكوّن أو ذاك ، فالجميع شركاء ، والصاروخ الصهيوني لن يفرّق بين أردني وفلسطيني ولا بين جنوبي وشمالي أو شركسي وشامي ، وعلينا أن ندرك بأن المشروع الصهيوني لا يخدم سوى أعداء فلسطين والأردن معا ، فلا انفكاك أو انفراط بين المكونين ، حتى لو حاول البعض اللعب على وتر الفتنة اللعينة .
حين نصل إلى مرحلة يشعر فيها الجميع بالمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والتنافس الشريف ، ونقضي على المحاصصة ونغادر مربّع التخبّط السياسي ، وإزالة الضغط على الحريات وإيقاف الظلم لبعض الفئات ، ونعمل على تقوية الإدارة العامة المترهلة ، ونقدّم أصحاب الكفاءات بدلا من اولئك الذين يفتقرون للنضج والتجارب ، من رؤساء حكومات ووزراء وموظفين ، حينها يمكن القول بتحقيق الوحدة الوطنية ، التي يصبح المحافظة عليها واجب كل أردني بغض النظر عن أصله وفصله .
لا نريد أن نبكي ونصرخ ونولول ونوجّه الإتهامات بسبب نتيجة مبارة كرة قدم أو بالعامية لعبة فطبول ، والقدس تصرخ وتصيح من انتهاكات العصابات الصهيونية كل ساعة وما يجري لشعبنا في الداخل ، فلنترفّع عن ذلك وننظر إلى مصيرنا المشترك القادم الذي نجهله أو نتجاهله !
وحمى الله الأردن وفلسطين من كيد الأعداء والطامعين ومن يضمرون شرّا بأمتنا جمعاء ، واللعنة على كل من يوقد شرارة الفتنة .
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر