خالد شحام*
يبدو المشهد العربي أشبه بلوحة سريالية مشفرة تتأمل فيها عجائب المستحيل ، لوحة سريالية جمعت فيها كل المتناقضات في زمان يجمع كل المتضادات وسط حالة من النشوة والغرق في الضياع والخدران إلى درجة غياب الشعور بهذا الضياع ، في هذه اللوحات تتحول كل الأشياء إلى غير معانيها بحيث يصبح معنى الوحدة والتعاون والتعاضد مجرد حيل قاتلة وتصبح صحراء الذل والانحطاط مدعاة للفخر والسمو، يبدو أيضا أن الحالة السريالية العجيبة لا تتوقف عند الدولة الرسمية بل تعدت ذلك إلى الشعوب التي تعيش في ثلاثة انواع من الانفصام السريالي الداخلي – انفصام بينها وبين حكوماتها وقياداتها – انفصام بين الشعوب في الدول – انفصام بين الافراد داخل هذه التجمعات البشرية المؤطرة بحدود الدولة ، يبدو أيضا أن الماضي السحيق أخفى بذور بعض الجينات الممسوخة ليترك لها فرصة النهوض وإلاقلاع من جديد في كل مرحلة من رحلات الوجود العربي على سلم التاريخ كي يمحص خير أمة أخرجت للناس ويختبر مدى صلاحية هذه العبارة ، ليس المشهد الحاضر بعيدا عن صورة قديمة من مدن الأندلس قبل ألف سنة حيث زمن أمراء الطوائف الغارقين في الملذات وجحيم التنافرات ، ولو نزلنا في أجندات التاريخ ألفا أخرى أكثر نحو حالة القبائل العربية قبل دخولها الإسلام فالمشهد أيضا لا يختلف كثيرا ، ولو قمنا بعقد مقارنة بين الوضع الراهن وأمراء الطوائف والقبائل ما قبل الإسلام سنجد أن صورة المشهد المعاصر ستفوز بجائزة أسوء حال عربي لا منافس ولا منازع له حيث لدينا باقات متكاملة من السوء في كل شيء.
حينما كان ملوك الطوائف يعقدون اجتماعا هزليا يضمهم جميعا في محاولة لإصلاح أو مهادنة أو إنقاذ الوضع المزري ومحاولة وقف التقاتل والنزاع اللامنتهي بين سخمان و هزلان وسفهان ، كان نفس السيناريو الجيني القديم يتكامل من أسفل التاريخ صعودا نحو الواقع الجيني المستحدث، كان ابن الافطس يحضر الاجتماع نكاية ومجاكرة وتحديا لإبن عباد ، وكان ابن ذي النون يحضر (القمة ) من أجل أن يكون جاسوسا لصالح فرناندو ابن سانشو وكي يضمن إفشال التلاحم وفقا للأجندة المطلوبة منه، كان أمير الصقالبة الخصي خيران يحضر ( القمة ) طمعا في بعض ( المساعدات ) او العمولات الجانبية التي يدفعها والي غرناطة أو قرطبة ليضمن ولاءه ويشتري صوته وتأييده ، كان ابن عباد يتعمد الغياب عن الاجتماع ليرسل رسالة إلى الاخرين بأنهم لا قيمة لهم ولا فرصة لنجاح هذه الاجتماعات بدونه ، وكان ابن هود يقاطع الاجتماعات كي يستقي الكلمة المناسبة في خطبة الجمعة ويقذف في وجه جمهوره الكلمات النارية حول فشل المهرجين الاخرين ويظهر قوة نباهته وفطنته وحنكته في إدارة عالمه الخاص وأتباعه المحكوم عليهم بالمؤبد في عبادته وصغارتهم امام ألفونسو السادس الذي كان يرغمهم جميعا على الجزية ، إنه عالم مصغر من الإنحطاط والخوف المقيم بأقصى آلامه والمغلف بمتعة الحرير والنساء والغناء ولذة السلطان والمكان !
إنها صورة قديمة ملتقطة بكاميرا التاريخ المتجددة تؤكد بعث نفس الجينات في نسل ممتد أكثر حداثة ووسائط رقمية اكثر تطورا لتنقل وقائع الهزيمة والاعتداد بالذل ، إنه مستقبل ضائع يكشفه واقع لا ريب فيه لمسرحيات هزلية يرويها التاريخ وصدقت نفسها أكثر من اللزوم وطال عليها الهزل حتى ماتت ضحكا ، في نهاية المطاف يبدو أن التاريخ مسرح مهجور يعيد تكرار نفس المهزلة الإنسانية بأثواب وزكارش مختلفة دفعا للملل عن نفوس الناظرين والمشاهدين والذين لا يتعلمون الدرس أبدا .
كنا نتمنى كعرب ومواطنين مسخمين أن تتعلم قمم اليوم من قمم الماضي السحيق المكررة للمرة المليون ، كنا نتمنى لو أن جينات الحاضر تحورت وطرأ بعض الارتقاء على مادتها الوراثية كي تتجنب المصير الأسود المرسوم بحكمة ، كنا نتمنى ونرجو أن نلمس منتجات توقف تدهور هذه الشعوب المسحوقة والمغلوبة على امرها سنة تلو السنة .
هنالك تشبيه واحد يقود إلى فهم عميق لكل القمم العربية ، في بعض مقاطع اليوتيوب وإذا كنت من مهووسي الطاقة المجانية يعرض عليك أحدهم بأنك إذا وضعت حجر القداحة وضغطته قرب فيش كهربائي لعدة مرات فسوف تحصل على كهرباء مجانية مدى الحياة ويمكنك مثلا إضاءة مصباح بهذه الطريقة وتحت هذا المقطع ستجد ملايين اللايكات وكثير التأييدات والتصفيقات وعشرات المناقشات والحوارات حول مادة ملفقة يعلم الكل أنها كذلك ، في الحقيقة فإن اجتماعات القمم العربية لاتختلف عن مقاطع اليوتيوب المريعة هذه في منح أوهام من المقياس الضخم من اجل جمع اللايكات والعائدات وتجديد البيعات بوهم يستمر إلى الأبد في الوقت الذي يلتهم فيه ألفونسو الثامن بعد المائة في التهام الكعكة العربية مع كثير من كريما الضحك والسخرية ولعق اطراف الأصابع .
نحن نعاني منذ أمد بعيد من فقدان البوصلة الأخلاقية المعيارية في ضمير النفوذ العربي ، هذا الفقدان هو المسؤول بالمطلق عن حالة التيه الشعوبي وتقلص الوعي والسلوك المرافق له إلى حجم وعي السعدان ، هذا الفقدان هو سبب الخسارات الكلية بمجملها من الريادة الحضارية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية ، هذا الفقدان هو سبب بؤس وشقاء وجحيم المعيش في بلاد العرب مهما أظهرت من النعيم الزائف ، هذا الفقدان هو سبب الهزيمة العسكرية والفكرية والانتاجية والحضارية بكل مقاساتها وسبب جرياننا وراء الصين أو روسيا أو أي كان لتعويضه ، هذا الفقدان اللحوح هو الذي أنتج مجتمعات السعادين التي نعاصرها اليوم بكل انحطاطها ومصائبها وتخشى من مستقبلها أكثر مما تخاف حاضرها المريع وتشكل خطرا على نفسها اكثر مما يشكل أعداؤها عليها من خطر.
نحن كشعوب عربية نواجه الان حروبا شاملة معلنة وخفية ، حقيقية ومعنوية ، نحن الان نواجه معركة غسيل الدماغ العربي على مستوى الأمة كلها كي نتحور ، نحن الان نواجه معركة تحجيم وتقليص ديموغرافي حقيقي ، نواجه معركة قادمة حول الغذاء والماء والزراعة والطاقة قادمة بفعل تغيرات كوكبية وكونية وعالمية مندفعة بقوة لا مهرب منها ، نواجه معركة الإذابة التلقائية للمعنى الحضاري للوجود العربي بسب هذا التراجع …فماذا هي فاعلة كل هذه القمم التي تعيد نفس الشعارات التي لا تجد لها محلا من تطبيق أو تنفيذ كل مرة ؟ أليست هذه هي القمة الحادية والثلاثون ؟ ما هي منتجات ثلاثين قمة قبل ذلك ؟
ندرك عميقا في قرارة أنفسنا وجود قيادات عربية صادقة وملهمة مثل القيادة الجزائرية التي تحاول إنقاذ المركبة الغارقة وندرك أيضا أن هنالك غيرها ونثق تماما ان الخير باق في هذه الأمة وشعوبها إلى يوم الدين لكن التعويق هو من يحكم مسارات اليوم .
في عودة إلى امراء الطوائف وبعدما أفلست كل اجتماعاتهم وحيلهم وأمانيهم توصل من بقي منهم على قيد الوعي إلى قرار إنقاذي وحيد وهو الاستنجاد بالمنقذ يوسف بن تاشفين العظيم الذي استجاب وعبر بجيش المرابطين البحر وصنع تاريخا جديدا لبلاد الأندلس في معركة سهل الزلاقة حيث هزم ألفونسو وهزم جيش الأوروبيين شر هزيمة ، ثم ما لبث يوسف أن اكتشف أن استمرار الحل يقضي بضرورة إزالة ومسح كل هؤلاء الأمراء .
لا نعلم بالضبط متى وكيف سيكون ذلك ولكن بحكم الثقل الرتيب المحتوم لنفس دورات الزمن نعلم علم اليقين بأن هنالك قمة ما ستعقد في الزمان المحتوم للخروج بقرار واحد وحيد وبيان ختامي لا ريب فيه وهو استدعاء يوسف بن تاشفين الجديد لإنقاذ ما تبقى من العروبة وقضايا العرب التي فشلوا في حلها ومؤازرتها ومن تبقى منهم على قيد الحياة أو ربما ….من هو يوسف الجديد وكيف سيأتي من عدم الحياة العربية ؟ إنها المعجزة التي ننتظرها جميعا لأننا أفلسنا من كل شيء !
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر