علي الزعتري*
منح تأشيرات الدخول هو حق تمارسهُ الدول. و هناك العشرات من أشكال التأشيرات التي تصدرها الدول كافةً و لعشرات أغراض السفر من بلدٍ لبلد. و هناك من الدول من لا يشترط التأشيرة المسبقة قبل الوصول فتكون التأشيرة ختماً في المطار. و بغض النظر فإن أي مسافرٍ لبلدٍ غير موطنه مُطالبٌ بإبراز ما يثبت هويته، و التأشيرة إن كانت شرطاً مسبقا و إن لم تكن، ينوب عنها ختم جواز السفر ليدخل المسافر تلك البلد للزيارة أو العمل و هو ملتزمٌ بالقوانين المحلية التي سمحت بالعمل أو الزيارة.
لأشهر طويلة دارت مفاوضاتٌ بين الكويت والاتحاد الأوروبي لإعفاء الكويتيين من تأشيرة الشنغن الأوروبية. و الشنغن لم تكن صعبة المنال عموماً للكويتيين لكن إعفائهم منها سيعني سفراً سريعاً واختفاء إجراءاتٍ في السفارات الأوروبية. الفائدة متبادلة بالقطع و تنم عن عمق الصداقة. لكن القانون الكويتي لا يزال ينص على الحكم بالإعدام على مرتكبي بعض الجرائم. و من يعرف القانون يدرك أن صدور حكمٍ بالإعدام مسألةٌ ذات مسؤوليةٍ عالية مضنية و لا يكون إلا في فادح الجرائم و أن تنفيذ الحكم يتبع كذلك فترة انتظار فلربما يظهر ما يخفف الحكم. لكنه حكمٌ في النهاية عادلٌ وعندما يُنفذُ فهو جزاءٌ يساوي في شدتهِ قُبحَ الجرم و يواسي أهلَ الضحية و يعاقب المجرم و يردعُ القادم.. أتت الأخبار أن الاتحاد الأوروبي يوافق علي إعفاء الكويتيين من الشنغن و لكن بشرط إلغاء عقوبة الإعدام. و يقال، كذلك، بشرط التهاون مع الشواذ الذين تتعقب أفعالهم الردية السلطات الكويتية. شرطين مستفزين لبلدٍ يسمح للأوروبيين بدخول الكويت عبر تأشيرةٍ تُمنحُ بسهولة في مطار الكويت ولم تشترط الكويت لمنحها على الأوروبيين وقف دعمهم مثلاً للصهيونية و الشذوذ. فهي معاملةٌ ليست بالمثل و تحمل أوروبياً تلك النظرة المتعالية أنهم من سيقرر ما هو عدلٌ ببيوت غيرهم. لكنه نفاقٌ ظاهر لا يحتاج دليلاً.
وخلال عملي في سوريا ما بعد الأزمة كانت عقيرة الاحتجاج عاليةً بين المانحين و بعض موظفي الأمم المتحدة على رفض الحكومة السورية منح تأشيراتٍ لبعض الموظفين أو الوفود. و كان الموضوع هذا ماثلاً بيننا و بين الحكومة في لقاءاتنا لتجاوز الصعوبات و توضيح ماهية الطلبات و مهمات الموظفين و الوفود. و في الغالب كانت التأشيرات تُمنح و لو بعد وقت. لكن المانحون و بعض المؤيدون كانوا يطالبون الحكومة السورية برفع يدها عن قرار منح و رفض التأشيرات و السماح لمن يريد أن يدخل سوريا. رأيتُ في منطقهم هذا استهجاناً و استهانةً. استهانةٌ بسيادة دولة و استهجانٌ متعالي فكيف تتجرأ سوريا و هي المتلقية للمساعدات أن تعرقل عمل الأمم المتحدة. لم أكن بالطبع أتبنى هذه النظرة السقيمة و جادلتُ أن سيادة الدولة تقرر من يدخلها و من يبقى خارجها و أثْبَتنا عبر الأرقام أن نسبة الحصول على التأشيرات تزيد عن ٩٠٪ من الطلبات شهريا. و قلتُ كذلك أن سوريا ليست تحت الوصاية و هي مثل الدول الأخرى تمارس حقها السيادي و ليس من العرف أن نفرض عليها قراراً خاصةً و نحن نناقش مع مسؤوليها حلولاً و نصل لها. لكن هذا لم يُرضِ المانحين و لا الأمم المتحدة. و بقيتْ المسألة مثار شكوك و شكاوى تتردد في العواصم و داخل مجلس الأمن. و بالطبع كانت الملامةُ القاسية و الاتهامات تلاحق سوريا بشأنها و تلاحقنا حين اتهمنا البعض أننا لا نبذل الجهد الكافي لا لنيل كل التأشيرات و لا بانتقاد الحكومة السورية.
اليوم ترفض “إسرائيل” منح تأشيرات دخول لموظفي الأمم المتحدة لأنها تراهم معادين لها. فماذا فعل المانحون؟ و هذه البغيضة دأبت تهزأ من الأمم المتحدة وترفض قراراتها، فهل نسمعُ الانتقادات الجارحة و الشكوى في العواصم و مجلس الأمن؟ هل خرج مسؤولٌ كبيرٌ في الأمم المتحدة لينتقد و يطالب برفع اليد عن التأشيرات كما كانوا يطالبون سوريا؟ لا يجرؤون. للأسف أن اليد الباطشة المناصرة للصهيونية تقضي على الحاضر و المستقبل المهني لمن يتجرأ.
حكايةً رابعة. في بداية التسعينات تم تعيين الراحل الدكتور علي عتيقة أميناً عاماً مساعداً و رئيساً للمكتب الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نيويورك. الدكتور عتيقة كان ليبياً ورأس لسنوات المنظمة العربية للدول المصدرة للبترول (أوابك) و لم يكن له من علاقةٍ مع الحكم الليبي آنذاك. لكن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة المضيفة، لم تكن تسمح له بالتجوال خارج قطر خمسين كيلومتراً من مركز الأمم المتحدة و كلما أراد ذلك كان عليه أن يطلب الإذن المسبق و ينتظر قبوله أم رفضه و كان يُطلبُ منه كلما غادر أمريكا بمهمات للأمم المتحدة، و بمنصبه كانت كثيرةً، أن يتقدم بطلب تأشيرةِ دخول جديدة للولايات المتحدة و هو أمرٌ كان شاقاً و مِضياعاً للوقت و الجهد. لكنها الدولة المضيف و هي تمارس سيادتها و هي التي عادت ليبيا و عادت الليبيين رغم التزامها باحترام موظفي و زوار الأمم المتحدة حتى رعايا من تعاديهم من دول. و تكرر الأمر حينما لم تمنح التأشيرة لوزيرٍ ليبي تقني دعوناهُ لاجتماعٍ للمكتب العربي لنيويورك و ألغينا الاجتماع احتجاجا وخاطبنا الأمين العام بشكوانا. و كان حظر التجوال خارج دائرة الخمسين كيلومتراً سارياً علي رعايا دولِ مختلفة ومنهم موظفين عاديين في الأمم المتحدة. و لم تتوقف الشكاوي عن إيقاف بعض موظفي الأمم المتحدة لساعات في مطارات الوصول للتحقيق معهم، و لم تستطع الأمم المتحدة أن تفعل أكثر من إرسال مذكراتٍ دبلوماسية للحكومة الأمريكية تذكرها فيها بما التزمت به تجاه المنظمة وموظفيها. و كان من يوقف باستمرار سيدة أوروبية بمركز أمين عام مساعد و كان ذنبها أن زوجها فلسطيني كان ناشطا في الدعوة للحقوق الفلسطينية. و لليوم وللغد ستمارس الولايات المتحدة أسلوب الرفض لمنح التأشيرات أو منحها في اللحظات الأخيرة مما يعرقل سفر الوفود لحضور اجتماعاتٍ مرتبطةٍ بتوقيتٍ معين. كل هذا ينافي اتفاقية المقر كما هو معروف. فهل من معترضٍ؟
تُستخدمُ التأشيرات كوسيلةِ صداقة و منعها كوسيلة انتقام و تتفاوت في الحساسية بين حالةٍ و حالة. هي باختصار وسيلةٌ لغاية قد تكون سياحة و تجارة و لكنها لا تخلو أبداً من سياسة و في ظلالها نفاق يزيدان عنفاً و استخفافاً كلما تباينت القوى و المصالح. يكاد رفض منح التأشيرة لأحدٍ ما أن يجرح الكرامة. إنه يساوي الرفض الشخصي. و هو كذلك. الرفض مقصودٌ فيه الإيذاء الشخصي. كوصمة ذنب. شخصيا لن أذهب إلا لمن يقبلني دون تأشيرة. فالتأشيرة اليوم أصبحت مدعاة إذلال تبدأ من رصيف باب السفارة و تمر بالمقابلة التحقيقية و بالتحرِّي و الانتظار. و ما دام هناك من يقبلنا دون هذا العناء فلهُ نتوجه و لا لغيره، من دون نفاق.
*دبلوماسي أُممي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر