(الصين إمبراطورية لها تاريخها الحافل وتُعلم العالم الصبر واتخاذ القرارات بهدوء)
فيصل مكرم*
▪يقول مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: إن الصين لا يمكن أن تكون وسيطًا لوقف الحرب في أوكرانيا لأنها بكل بساطة منحازة لروسيا، ثم قال في نفس التصريح -ونفس اليوم- وفي ذات السياق بأنه يمكن للصين أن تلعب دور الوسيط لتحقيق السلام مع روسيا، وقبل أيام صرح الرئيس الأوكراني زيلينسكي بأنه يدعو الرئيس الصيني تشي جيانغ لزيارة كييف لبحث تفاصيل «الوساطة الصينية لوقف الحرب» التي كان الرئيس الصيني وضعها على طاولة المحادثات مع الرئيس بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو والتي أثارت اتفاقيات التعاون والشراكة التي أبرمتها بكين مع موسكو قلق واشنطن مع حلفائها الغربيين في مثل هذا التوقيت الذي لا تخفي فيه الدولتان توافقهما على استراتيجية سياسية واقتصادية عالمية تنهي هيمنة واشنطن والغرب على العالم من خلال تعدد الأقطاب، ورغم تشدد الاتحاد الأوروبي لجهة التعاطي مع أي دور للصين في إنهاء الحرب في أوكرانيا إلا أنه يعتبر الصين شريكًا اقتصاديًا كبيرًا ومهمًا لأوروبا ولا يمكن الاستغناء عنه، وبالتالي لا يستبعد المراقبون الغربيون قيام الصين بدور محوري في تحقيق السلام مع موسكو أقله إعادة قنوات التواصل بين الأوروبيين وموسكو وتخفيف لهجة التهديد والتصعيد بينهما على المدى المنظور.
▪واشنطن والغرب يحتاجون إلى الصين وفي نفس الوقت يخشون هذا التنين الذي لم يتمكنوا إلى اليوم من سبر أغواره ففي حين أعلن رئيس وزراء إسبانيا بأنه شجع الرئيس الصيني على التحدث مع زيلينسكي، سيقوم الرئيس الفرنسي ماكرون بزيارة إلى الصين لا لينقل إلى نظيره الصيني تحذير فرنسا من الإقدام على تزويد موسكو بالسلاح في حربها على أوكرانيا كما صرح الإليزيه، ولكن هدف الزيارة بحث تفاصيل المبادرة الصينية للسلام بين موسكو وكييف خاصة أن التصعيد العسكري في أوروبا ألقى بظلاله السلبية على عديد عواصم أوروبية بينها باريس ولندن وبرلين وكلها تشهد إضرابات مستمرة لقطاع الخدمات وتظاهرات تزايدت بشكل ملحوظ وخطير، تطالب بزيادة الأجور وإلغاء قوانين تتعلق بزيادة سِن التقاعد ما جعل الكثير من المراقبين يصفون هذه التطورات بأنها دليل على أن أوروبا تعاني مشاكل اقتصادية حقيقية قد تمنعها من التعافي على المدى القريب، كما أن كبريات الدول الأوروبية الصناعية ستصبح غير قادرة على تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، ولا ضخّ ملياراتها نحو كييف إلى ما لا نهاية وعلى حساب احتياجات اقتصادها ومتطلبات مواطنيها، ومن المؤكد أن ماكرون سيذهب إلى ما ذهب إليه رئيس وزراء إسبانيا، وقد تأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى بكين قبل زيارة ماكرون أو بعدها ومن غير المستبعد أن يتم خلالها الاتفاق على عقد قمة بين تشي وبايدن، وحتى إيلون ماسك أشهر أثرياء العالم سيزور الصين قريبًا لأنه يعلم تمامًا ماذا تعني الصين للعالم حاضرًا ومستقبلًا.
▪الصين إمبراطورية لها تاريخها العظيم والحافل بكل أساطير الإبداع والحروب، وهي تُعلم العالم أهمية الصبر وكيف تتخذ قراراتها بهدوء ورويّة ودون انفعال أو غرور أو صخب وهي اليوم تمتلك من النفوذ الاقتصادي ما يجعل دورها محوريًا في العديد من الملفات الساخنة وفق مصالحها وفي التوقيت الذي يناسبها، ونجاحها في وساطتها بين الرياض وطهران قبل بضعة أسابيع لم يأت بالصدفة، وإنما لكونها تمكنت من تقديم ضمانات مقنعة للبلدين للمضي قدمًا في إعادة العلاقات بينهما وإنهاء التوتر في منطقة تخضع للنفوذ الأمريكي، وبالتالي سيكون لها أجندة مطالب تتعلق بمصالحها وتحد من التصعيد الأمريكي في تايوان والباسيفيك، في مقابل القيام بدور قد ينهي الحرب ويوقف استنزاف كل الأطراف في أوكرانيا، ويمنع التلويح باندلاع حرب كونية لا أحد يريد لها أن تحدث، وربما ينتهي الأمر بتسوية شاملة تراعي مصالح الجميع يكون أقرب إلى نظام متعدد الأقطاب وإما حرب باردة ثانية، أو حرب كونية ثالثة، وكلها خيارات مريرة لواشنطن والغرب ولكن -باستثناء عالم متعدد الأقطاب- عواقبها ستكون كارثية على البشرية وعلى مصالح واستقرار العالم.
*نقلا عن جريدة الراية
fmukaram@gmail.com
تويتر @fmukaram
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر