د. حامد أبو العز*
وصل عبداللهيان وزير الخارجية الإيراني إلى لبنان مساء أمس وسط تكهنات بحمله مجموعة من المقترحات والمبادرات لتحسين الوضع في لبنان. ولعل أهم ما قاله عبداللهيان خلال الجلسات الافتتاحية لزيارته بالأمس هو أن رفاه لبنان من رفاه إيران، مما يعني بأن إيران تلزم نفسها بسلوك نهج إيجابي وبنّاء تجاه لبنان يدفع نحو الاستقرار السياسي والرفاه الاقتصادي للخروج من الأزمة العميقة التي يعيشها لبنان.
منذ بداية ظهور التوافقات السياسية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران ثم توافقات المملكة مع سوريا، تفاءلت مجموعات لبنانية عديدة بأن يكون لبنان على رأس هذه المفاوضات. ولكن في الوقت ذاته ظهرت مقاومة عجيبة من حلفاء الرياض (السابقين) حيث أكدوا على رفضهم للواقع الجديد الذي يحكم الشرق الأوسط.
في لقاء عجيب أجراه الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية في مع قناة الجديد، اتبع الدكتور سمير لهجة تصعيدية غير مسبوقة تجاه الداخل اللبناني والخارج الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد اللبناني أكد جعجع رفضه ترشيح زعيم تيار المردة “سليمان فرنجية” هذا الرفض الذي يعزز الانقسام الداخلي ويجعل ملف ترشيح رئيس للبلاد أمر مؤجل إلى حين. وهذا ما انعكس على موقف الرئيس نبيه بري المتشائم من قرب نهاية ملف الاستحقاق الرئاسي إذ أن التعنت القواتي دفع بري إلى التراجع عن دعوة البرلمان للمرة الثانية عشرة لانتخاب رئيس للجمهورية. في الملف الداخلي يبدو بأن بات يدرك السبب المباشر في جمود ملف الرئاسة اللبنانية خصوصا إذا ما علمنا بأن فرنسا تدعم ملف فرنجية بشكل واضح وبأن السعودية لا تخالف مبدئياً انتخاب فرنجية لشغل هذا المنصب. وقد ظهرت علامات الغضب على السيد جعجع عند مهاجمته لفرنسا بشكل غير مسبوق، فرنسا نفسها التي كانت الحليف التقليدي للقوات اللبنانية. حيث اتهمها الأول بعقد صفقات اقتصادية مع حزب الله تتعلق بالطاقة وميناء طرابلس.
تتجاهل بعض الأطراف اللبنانية حقيقة أن التوافقات التي تقودها كل من المملكة وإيران هي توافقات تاريخية وستغير من المشهد السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط كله. وتظهر هذه الرغبة الانكارية في خطاب جعجع الذي قلل من أهمية التوافق السعودي-الإيراني وحصر أثره على ملف أمن الخليج وملف اليمن. ولكن وعن قصد تجاهل هذه المرة كذلك بأن ارتدادات المصالحة انعكست بشكل مباشر على الملف السوري كذلك وأنتجت عنه تمايل سعودي غير مسبوق في إعادة العلاقات مع سوريا وقيادة السعودية لجهود مكثفة لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية ومحيطها العربي.
بالطبع لقد انشغلت سوريا بأزمتها الداخلية على مدار 12 عاماً ولكن ما يحدث اليوم على المستوى السياسي سيدفع نحو عودة الدور الإقليمي السوري خصوصا على الساحة اللبنانية وقد يكون لهذا الدور الكلمة الحاسمة في حسم بعض الملفات العالقة.
وأما عن زيارة عبداللهيان إلى بيروت فهي زيارة مهمة للغاية وينتظر أن ينتج عنها حلحلة في بعض الملفات. لقد أرسل وزير الخارجية الإيراني من خلال جدول أعمال زيارته إلى لبنان رسائل سياسية هامة للداخل اللبناني. فأجندة عمل الوزير خلال الأيامن الثلاثة التي سيقضيها في لبنان تتضمن اجتماعات ثنائية ومتعددة مع جميع الأطراف في لبنان باستثناء حزب القوات اللبنانية، وقد جاءت هذه المعلومات بناء على إعلان صادر عن السفارة الايرانية في لبنان تتحدث فيه عن تنظيم السفارة لقاء لوزير الخارجية الايراني مع ٢٥ نائبا يمثلون مختلف الكتل النيابية من الاشتراكي الى التغيريين والمستقلين باستثناء كتلة القوات اللبنانية التي لم تشملها الدعوة، رغم انها الحليف الاول للرياض، واكدت معظم الكتل على الحضور، ويعقد الاجتماع مساء الخميس بعد لقاءات عبد اللهيان مع بري وميقاتي وعبدالله بو حبيب.
ختاماً، إن رسالة عبداللهيان إلى لبنان وساسته واضحة للغاية وهي بأن المواقف والتحركات الجديدة كلها مبنية على المصالحة التاريخية مع الرياض فالمناخات الإقليمية ما قبل المصالحة ليس كما بعدها وللتفصيل فهذا يعني بأن على لبنان أن يستفيد من هذه الأجواء الإيجابية لتحصيل أكبر قدر ممكن من المساعدات الاقتصادية خصوصا بأن هناك رغبة إقليمية بتجاهل كل ما ترغب به الولايات المتحدة. وأما على المستوى السياسي فينبغي على الأطراف والفرقاء في لبنان أن يتحلوا بالواقعية السياسية وأن يتخلوا عن أوهامهم بالتحالفات السابقة وعليهم أن ينخرطوا في العملية السياسية بشكل إيجابي لحلحلة الملفات السياسية العالقة، وقد تعتبر هذه فرصتهم الأخيرة للاقتراب من مصادر الحل والاستفادة منها.
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر