خالد شحام*
انشغلت طيلة الأسبوعين الماضيين بعدة فعاليات ثقافية وجامعية دون ان أفصل لكم أين ومتى فبلاد الله واسعة لكننا نضيقها ببعض الآثام، في معظم الفعاليات التي حضرتها يمكن لأي كان أن يتحسس معالم الفشل وشكله ويرى حتى بسماته وأذرعه وهي تحوط كل فعالية من هذه وسط قدر كبير من التصفيق والتهليل والبذلات الأنيقة والمصطلحات الرنانة بنفس حجم الفراغ الوجودي الذي تشغله الدولة العربية المعاصرة، احتفالات تخريج ومناسبات فكرية واستعراضات ثقافية تقدم في قالب من الضحك على الذات مع الكثير من ماكياج الفرح المزيف والانجازات المقاسة بوحدة الطبل والمزمار والوطنية المزيفة بامتياز، الكثير من بهارات الزيف تستخدم هنا وبإطراد كل مرة للتغطية على انكماش الانجازات المتواصل، الداروينية الفكرية والامثلة الفرويدية تتجلى هنا أكثر من تلك البيولوجية، معظم هذه الفعاليات تتخللها الفوضى والارتجال وسوء الاعداد وتشغلها توجهات مزيفة لا تمت للواقع بصلة، تم نفخ بالون الصغائر فيما لا وجود للكبائر وبالتالي تحولت كل مناسبة الى مسخرة وسخرية وسفاهة ثقافية بشهادة موثقة من الاعلام والفيسبوك وتويتر والصفحة الرسمية والفضائيات الفضائحية الفاضية، لقد وصلنا دون تعميم إلى مرحلة من عجائب الفشل بحيث نعجز حتى عن اقامة حفل أو مناسبة بطريقة تستحق أن تكون في مكانها، ليس الفشل السياسي والاخفاق الحضاري هو الذي يسري في شرايين الدولة العربية بل هنالك وزارات ومؤسسات حقيقية مقامة ومنشأة موكول لها مهمة صناعة الفشل ووضع منتوجاته وزرع بذوره في كل الدولايب من الفرد حتى المؤسسات الكبرى، يجب ويتوجب ان يتغلغل الفشل الى بيت كل عربي وكل مواطن وتتحول حياته الى كومة كبيرة من القش لكل موسم من الحصاد الخاسر.
جلست في مقعدي وأنا أتأمل شاردا في متاهة كبيرة وربما خطر في بالي بأنه يتوجب أن أضع مؤلفا كاملا حول صناعة الفشل وعلم الفشلوجيا العربي وكيفية زراعته في البويضات و الحيوانات المنوية للأفراد، طرقه، مذاهبه، أساليبه، رجالاته الكبار، حدقت بعيني في تفاصيل الحفل ولم تغب عني أخبار العالم، موجة الحر تقيم في كل المواقع التي زرتها ولكن هنالك موجة خاصة من الحر وربما عاصفة تجتاح قلبي دون أن أدري، عاصفة تلفح بالرمال كل أفكاري وصوري المشتتة الحائرة التي لم تعد تحتمل أن تنظر إلى نفسها، مع كل مصاب صغير أو كبير تتنقل هذه العاصفة بين الضلوع وتدفعني بعيدا في متاهات جديدة من الحزن والاصابة بالخيبة، مع كل خبر صغيروحدث وحفل واجتماع ومؤتمر واتفاق وكذلك مع كل صورة تذكارية للوجوه الاسرائيلية التي ترميها الشاشات في عيوننا تستعر هذه العاصفة وتكاد لا تمتلك لها من ناصية ولو أفلتت مني الكلمات الصحيحة لاندلعت مثل ألسنة النار في الهشيم .
تحفل أخبار المنطقة بجملة واسعة من الحركات والتحركات والايماءات، لا أحد بالضبط يعلم تفاصيل ما يتم الاعداد له ولا طريقة تكريسه وجعله واقعا مفروضا على الشعوب ولكننا لسنا بحاجة إلى نبؤات او تحليلات سياسية ماهرة، لقد تحولنا بالذكاء العاطفي إلى مقاييس حية ومجسات عالية الكشف للإحساس بوجود المزيد من الحبكات و المؤامرات وأصبحنا نستشعرها عن بعد ألوف الكيلومترات، ليست العجائب تقتصر على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، يمكن للمؤامرات أن تتخذ صيغة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وفي كل فترة تقفز عجائب المؤامرات على الشعوب العربية لتكون محاولة تلو الأخرى في سحق مستقبل هذه الشعوب وإذابة أية احتمالات للنجاة والإرتقاء، هل يجرؤ أحدكم على القول بأن الاستعمار قد رحل من بلادنا ؟ إنه لم يفعل وكما الطاقة لا تفنى ولا تستحدث فالاستعمار لا يفنى ولا يستحدث ولكنه يتبدل من شكل لاخر، كذلك المؤامرات على الشعوب العربية وشعب فلسطين لا تقف ولا تهدأ وتتفنن في الظهور بصيغ ومسميات ومشاريع يتم إلقاؤها من خلف السور الفاصل .
بموازاة اللعب السياسي والتنازلات الخارجية التي لا تنتهي في منطقتنا هنالك برامج مساندة لهذه القشرة الخارجية من الضعف تشتغل في تآكل وإضعاف الطبقة الداخلية من المجتمعات العربية، برامج متعلقة بالتحطيم الاقتصادي الممنهج، الانحلال وتفكيك الاسرة، تحوير الثوابت ورجم الاصول والتنازل عنها مقابل مستلزمات العيش، في الجلسات الداخلية في بعض العواصم يمكنني الاستماع لأنين لا ينتهي من التعب، تعب من الحياة والجري بلا توقف لتأمين الطعام والمعيشة بالحد الادنى، أحدهم وصف ببلاغة حقيقة حال المواطن العربي بأنه خُلِقَ ليحرث ولكي يكون بائسا محروما حتى النهاية مهما بدا أنه محاط بالحداثة والمقدرات الزائفة .
ad
زمان القرابين في الحقيقة لم ينته ولم يندثر، ذلك الذي تسمعون عنه في تاريخ الأمم البائدة، لقد تحور وتكيف وتمكن من التطور والنفاذ بمعية كل أشكال التطور والتحديث في هذه الحياة الدنيا، لقد أصبحت لدينا أنظمة متكاملة من القرابين البشرية على مستوى الشعوب بأكملها، شعوب تتعرض للإنتهاك والسرقة والتضحية والاستنزاف والموت تعبا كي تعيش حفنة قليلة من المجرمين واللصوص الثابتين في واجهة السنين، لدينا أجيال كاملة مكملة تولد وتعيش وتعمل وتشقى وتتعذب وتتلاشى في العدم والسراب وهي لا تعلم أنها بأكلمها قُدِمَت كقرابين وأضحِيات في الإقطاعية الجديدة المنتشرة في هذا العالم المظلم، نعم لقد تم الاستغناء عن الدم والهدر المباشر للقطعان الكبيرة ولكن الدم يستنزف بطرق وحيل مستحدثة ليكون استثمارا نافعا طيلة عمر هذه المخلوقات البائسة .
إن حياتنا كمواطنين عرب تتألف من يوميات مالحة وفي أوسطها طعم شديد المرارة وفي خواتمها طعم عديم الطعم، يوميات مؤلفة من فتات هزائم صغيرة وحصى مكوم فوق بعضه من احباطات ونكسات من هنا وهناك مصنوعة في البيت العربي والشارع العربي والدولة العربية، نحن الان نصل إلى نقطة من التاريخ نعجز فيها حتى عن تنظيم حفل بسيط والايحاء بالتقدم الحضاري سلوكا ووعيا وتنظيما وإبرازا للقدرة على القيام بأية مهمة بشكلها ووجهها الصحيح لأن الحكم العربي يريد ذلك، لقد وصلنا إلى النقطة الذروية من الانتصار في الهزائم بالاحتفال بتخريج فوج من طلاب أو فوز فريق كروي أو افتتاح دورة مياه جديدة لأحد المساجد أو المؤسسات العامة، لقد تحولت خطابات كبار المفكرين الى معلقات للبحث عن الذات العربية المفقودة في السجون الكبيرة المفتوحة والمغلقة .
لا أكتب لكم كل هذا لكي اقدم تحليلا سياسيا او اجتماعيا لأن المصاب اليوم يتعدى كل ذلك والعاصفة في قلبي لا تتكلم الكلمات، أكتب لكم كي لا نتهاوى في بحور اليأس ونتشرب القنوط الذي يتفشى مثل الوباء في جسد الأمة، وسط غيمة المخاوف هذه والشعور بالقلق من كل طوفان الفشل والتجريف والتحريف تبرز قناديل خاصة لا بد من استحضارها في الظلمة كي نتمكن من البقاء على قبض الجمر والثبات مع الأمل، لهذا استمعوا لي قليلا :
1-في العام 2021 ومع تصاعد موجات الاذلال لقيمة الانسان التي اجتاحت المجتمات العالمية والعربية بالذات في فترة اختبار كورونا أتذكر جيدا وعلى الرغم من مناعة النموذج بأنني كدت أصل حافة السقوط عن الامل رغما عني، كدت أغمض عيني عن أية بارقة في حدوث تغيير أو صعود لحالة الشعوب العربية التي تستمر في الانحدار المعيشي والسياسي والانساني والحضاري حتى جاءت معركة سيف القدس في آيار مثل شربة الماء في حر الصحراء وارتقت بروحي حتى السماء السابعة مثلي مثل كل الشعوب العربية والاسلامية، لقد كادت هذه المعركة حتى أن تتسبب في تغييرات سياسية عالمية لولا أن التف عليها حرس التلمود ودلقوا الماء البارد في وهجها، لقد قالت سيف القدس كلمة واحدة خالدة ورسالة واحدة باقية في أرواحنا حتى اللحظة بان هذه الأمة لن تنكسر وشعب فلسطين لا يمكن أن يندثر ويذهب مع الرماد الذي تصنعه الطائرات، إن عزيمة هذه الأمة لن يقهرها شيء ويستحيل أن تتمكنوا منها مهما فعلتم ومهما ابتكرتم من سبل الاحتيال والتدليس والاحاطة لهذه الروح المقيمة في قلوبنا، إن معركة سيف القدس مدرسة وُجِدَت لكي تبقى منارة لكل هذه الأمة وتحقن في دمائنا مصل المناعة الأزلية .
2- إن كل استراتيجات التشليح والإفقار الاقتصادي والتحريف الأخلاقي والوجداني التي طبقت على الشعوب العربية لم تنجح في تحييد روح الأمة ولا تطلعاتها ولا نهجها ولا ما تؤمن به، لا داعي لأن اعدد لكم الأسماء لأن اسما واحدا حاضرا حيا حتى اللحظة سيكفي لقول ما يراد قوله، خيري علقم البطل الفلسطيني الذي جاءهم من العدم دون أرضية ولا مرجعية وقال ما نريد قوله وبَرَّ والديه وشعبه وبلاده، هذه الروح التي يريدون الحرب عليها سأختصرها لكم بخبر صغير جاء من غــزَّة في معرض حفاظ القرآن الكريم ليوم الخميس الماضي حيث قدم قرابة 1500 حافظ وحافظة لهذا الكتاب تلاوة متواصلة للذكر الحكيم والذي يمثل المحور الحقيقي والجذري للمعركة بيننا وبينهم هذا في الوقت الذي يُحيي فيه الفنان عمرو دياب حفله الفن في بيروت تحت حراسة المئات من الجيش اللبناني واستنفار كافة مقومات الدولة لاقامة ( شعائر) الصلوات المعاكسة والكتاب المعاكس، إنها رسالة صغيرة جدا بأنكم لن تمسحوا ولن تتمكنوا من مرجعية الأمة العربية مهما طال الزمان .
3- لا يمكن لجرعات مكثفة من الرقص والطرب والمهرجانات والاعياد المزيفة والانجازات الكرتونية أن تمنحنا السعادة أوالطمأنينة الزائفة، لا يمكن لمزيد من العبيد أن يمنحوا الحرية لشعوب غارقة في العبودية، لا يمكن لمزيد من الضحك على الشعوب والتاريخ أن يمنح السكينة والأمان للطغاة والخونة والمجرمين، لا يمكن لثلاثية الافقار – التجهيل – الترذيل أن تمنحكم البقاء ولا يمكنها أن تمنحنا الفناء .
من اللعب بالخبز في تونس الى معركة باربي الزهرية في عواصم العبث وانتهاءا بالقتل اليومي في فلسطين وبانتظار الموجة الجديدة من التنازلات والمؤامرات والحيل والالاعيب، الاشياء الوحيدة التي تمنحنا الأمل والبشرى هي ثوابت هذه الأمة ورجال هذه الأمة الحقيقيون، الانجازات الحقيقية هي التي تمنحنا الأمل، العلم والعمل يمنحان الأمل، شباب ونساء فلسطين الذين يتمسكون بالأرض والهوية هم من سيمنحنون كل هذه الأمة هويتها ومصيرها ومعنى بقائها وإن غدا لناظره لقريب .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر