السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / بعض العرب والذيلية التاريخية وإسرائيل!

بعض العرب والذيلية التاريخية وإسرائيل!

د.صالح الطائي*
مخطئ من يعتقد أن العرب غادروا الغساسنية والمناذرية، وتحرروا من عقدة موروثها، ومخطئ من يرى أن تحالف بعض الدول العربية اليوم مع أعداء الأمة، ضد دول عربية أخرى يُعد أمرا طارئا لم يعرفه العرب والعالم الإسلامي من قبل، وهذا خطأ شائع له أسبابه ومسبباته. والصحيح أن السياسيين العرب ومنذ فجر وجودهم، بعد أن تمكنت السياسة من حشرهم في عجلتها وهذبت همجيتهم القبائلية، كانوا قد وطدوا لأركان ملكهم بمثل هذه الأعمال والتحالفات المشبوهة؛ التي سكت التاريخ عن بعضها، وأشار لبعضها الآخر همسا من طرف خفي، بدوافع سياسية بحتة، ولكنه سيتحدث عن الأخرى المعاصرة بصراخ وزعيق يصم الآذان، ذلك لأن الأولى منها حدثت في عصور لم تكن الحضارة فيها قد نضجت، مع أن عقول السياسيين كانت ناضجة، أما الحديثة فهي وقعت في أكثر عصور التاريخ تحضرا وتقدما وانفتاحا، في وقت خملت فيه عقول السياسيين العرب.
ومن تلك التي سكتوا عنها على سبيل المثال، كان تحالف قبائل عربية مع الفرس والروم لحماية حدود الدولتين ضد هجمات وتهديد العرب الآخرين، وقد خاضت القبائل المنضوية تحت أجنحة الفرس والروم معارك ضارية ضد أبناء جلدتها وأولاد عمومتها دفاعا عن الآخر، كالمناذرة الذين تحالفوا مع الفرس ضد أبناء عمومتهم الغساسنة الذين كانوا قد تحالفوا مع الروم، وقد قتل في تلك المعارك الكثير من العرب على يد العرب، وبالسيف العربي.
وفي فتوح العراق، ومع تقدم خالد بن الوليد باتجاه الحدود الشامية العراقية، اتحدت القبائل العربية المتنصرة مثل إياد وتغلب والنمر وبكر وتنوخ مع نصارى الروم، لمحاربة أخوتهم العرب المسلمين الفاتحين المحررين.
أما تلك التحالفات التي همسوا بشأنها همسا، وحاولوا طمس آثارها، فمنها أخبار تعاون والي الشام معاوية بن أبي سفيان مع الروم الذين كانوا على تخوم دمشق، ومن ثم تحالفه معهم ضد خليفة المسلمين علي بن أبي طالب، فدفع لهم آلاف الدنانير الذهبية، قيل: إنها كانت مائة ألف دينار سنويا، لتساعده بيزنطة في تثبيته أركان الحكم، وتدعمه أثناء انشغاله بالحرب مع علي. وتشير كتب التاريخ إلى مفاوضات جرت بين معاوية والروم وأسفر الاتفاق عن دفع جزية مالية لهم مقابل موادعتهم أثناء انشغاله بالمواجهة مع خليفة المسلمين علي بن أبي طالب.
ومنها أيضا قيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بالتفاوض مع جيرانه الروم أيضا، فدفع لهم مبالغ مالية طائلة مقابل امتناعهم عن مهاجمة دولته أثناء انشغاله بقتال الثائرين في العراق، وقد أشارت كتب التاريخ إلى الوقائع الأولى، أما الواقعتين الثانية والثالثة (المعاويية والمروانية) فقد أشار لها كل من: الدكتور أحمد عبد الونيس شتا، في كتابه “الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام؛ دراسة في تحليل أهم أدوات العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية”، المعهد العالي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1417هـ ـ 1996م، ص17، ووهبة الزحيلي، في كتابه “المفاوضات في الإسلام بين الأصالة والمعاصرة”، دار المكتبي، دمشق، ص17ـ20، ودكتور مجيد خدوري، في كتابه “الحرب والسلم في شرعة الإسلام”، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1973، ص288، والكثير من المصادر التاريخية الأخرى. أما في زمن الإمبراطورية العباسية فقد وقعت عشرات الحالات المماثلة سببها النزاعات البينية الداخلية أو الصراع على السلطة.
أما التي سيشير لها التاريخ صارخا، فهي لا تحصى ولا تعد، وتكاد تحالفاتهم المعاصرة أن تكون أنموذجا واضحا للإرث التاريخي للأمة. فالتحالفات اليوم قسمت الأمة إلى معسكرات تابعة خانعة ذليلة لهذه القوة أو تلك، لمجرد أن تحصل الأطراف المتنازعة على حماية من دول قوية توفر للحكام فرصة البقاء على كراسيهم، أو مساعدتهم في التنفيس عن عقد النقص في شخصيتهم.
إن مناقشة وتحليل الوضع العربي الراهن، بمعزل عن عوامل السلطة الزمكانية، لا يمكن أن تعطي تصورا واضحا تُستقرأ من خلاله نتائج تخدم الحقيقة، لكن من ينجح في متابعة الحركة السوسيوتاريخية لتطور العرب من قبائل متناحرة إلى أمة، ومن ثم انكفائهم وتشرذمهم، سيلحظ أن ولاءات الأمة العربية غير الثابتة هي التي دفعتها إلى التشرذم والتشظي وعدم الحفاظ على كينونتها، فالأمة كانت تتخلى غالبا عن تحضرها، لتعود إلى قبائليتها كلما سنحت لها الفرصة، أو كلما تعرضت إلى امتحان حقيقي، فالحكام والسياسيون العرب ـ على مر تاريخهم ـ كانوا يفضلون الهروب إلى الأمام والتخلي عن المواجهة الحقيقية، لأن العقلية المناذرية والغساسنية، عقلية التحالف مع الأجنبي ضد الأخ والقريب هي التي كانت ولا زالت تطغى على طرائق تفكيرهم، والأمة كانت ولا زالت إذا استشعرت خطرا ما لا تتصدى له، ولا تعمل على التعاون فيما بين مجاميعها لمجابهته، بينما نجدها تملك إرادة الاتكاء على هذا الجانب الأجنبي أو ذاك، لتكتفي بالعواء وتترك لهم العض. والظاهر أن مرجعية العرب القبائلية التاريخية بخصائصها وموروثهم التاريخي جعلتهم على استعداد للتحالف مع الشيطان ضد أبناء جلدتهم، وقد بات هذا النكوص سمة بارزة للواقع العربي المتهرئ وبصورة لا تخفى على نبيه مثلما كان في أزمانهم القديمة، فهو ليس ولادة الراهن المتهرئ. ولذا لا أستغرب من تحالفات العرب المعاصرة مع القوى الأخرى ضد القوى العربية، لكني أستغرب كثيرا من ارتمائهم في حضن إسرائيل بهذا الشكل المهين في الوقت الذي تحارب فيه حكوماتهم شعوبا عربية في سوريا واليمن وليبيا والسودان علنا، وشعوبا أخرى في العراق والجزائر وتونس ومصر في الخفاء بسبب عقدة النقص والدونية التي يشعرون بها.
*كاتب جزائري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …