الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / ذكريات حرب اكتوبر المجيدة!

ذكريات حرب اكتوبر المجيدة!

د.محيي الدين عميمور*
أعود بكل حنين وشوق لاستذكار الأحداث المرتبطة بأهم حرب منتصرة خاضتها القوات العربية في العصر الحديث، وأستذكر الكثير من أحداث لا تُنسى، بخلفية أساسية هي التذكير الدائم بأن قوة العرب هي في تضامنهم ووحدة صفوفهم، والتنبيه الدائم بأن الأمة التي يحكمها ملوك طوائف ستتآكل كما حدث في الأندلس، وأعتذر إذا كنت أكرر بعض ما سبق أن تناولته في السنوات الماضية.
وأنا أقصر حديثي على استعراض بعض ما أعرفه عن دور الجزائر تاركا للأشقاء التفضل باستعراض ما يعرفونه عن المساهمات العربية الأخرى، وهو واجب على كل من عاش تلك الأيام الخالدة يمكنه أن يرفع من معنويات من يواجهون وضعية الردة التي ترزح الأمة اليوم تحت أثقالها.
ولست أدري لماذا ينسى البعض في المشرق أن تضامن الجزائر مع مصر لم يبدأ في الستينيات، بل يعود إلى تاريخ كاد يهمله التاريخ، لأن المُكلفين بالتاريخ لم يعودوا يهتمون بالتاريخ.
وعلى وجه المثال، قام مصطفى باشا “داي” الجزائر في 1798 بقطع العلاقات مع فرنسا، احتجاجا على غزو مصر من قبل نابليون بونابرت، أول من عمل على إقامة إسرائيل، وتناسي هذا الموقف التاريخي هو إنكار لتضحيات الرجال لا يرتكبه إلا أشباه الرجال.
ولست في حاجة للتذكير بتضامن الأسطول الجزائري مع الأسطول المصري في معركة نوارين البحرية عام 1827، والتي يجرؤ البعض على التشكيك في أهم عناصرها.
ولا يعرف كثيرين أنه كانت هناك مصاهرة تاريخية بين مصر والجزائر، حيث كان الملك الجزائري يوبا الثاني (يوبا الثاني 52 ق.م – 23 م) متزوجا من كليوباترا سيلليني، إبنة كليوباترا من مارك أنطونيو، وبنى لها عند وفاتها بناء هرميا هو الهرم الوحيد المستدير في التاريخ، وسبق بذلك “تاج محل” في الهند.
إما في مرحلة النكسة، فبغض النظر عن كل صور التضامن العسكري والسياسي والديبلوماسي كان هناك تسجيل الموقف الذي اتخذه الرئيس بو مدين بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الدقيقة التي أبلغ فيها السفير الأمريكي في القاهرة بقطع العلاقات الديبلوماسية، وبنفس الطريقة.
ولعل هذه الذكريات كانت تتردد في ذاكرة رجل رياضي الجسم ذي ملامح صلبة والطائرة تتجه به إلى العاصمة الجزائرية في يوم الأحد 16 سبتمبر 1973، ولم يكن قد قرأ كتاب زير الدفاع الجزائري خالد نزار الذي لم يكن قد صدر بعد، لكنه كان بالتأكيد يعرف محتواه وأكثر.
في الكتاب يتحدث نزار عن بعض الأخطاء التي أدت إلى هزيمة 1967 فيقول : “دعينا لمشاهدة مناورة كانت تجري في سيناء، حضرها اللواء (المشير) عبد الحكيم عامر (..) وكان عرضا ضخما، وأصيبت أهداف الدبابات كلها (..) وعرفتُ فيما بعد بأن الأمر كان مسرحية هزيلة، حيث أخفيت براميل من الوقود خلف أهداف الدبابات، وكانت جميع الرميات محددة ومهيأة سلفا، وكان الهدف الوحيد كسب رضا المشير”.
ويتناول كتاب خالد نزار، وببعض التفصيل للمرة الأولى، مساهمة الجزائر في الستينيات، فيقول أنه بالإضافة إلى القوات البرية أرسلت دبابات من طراز “تي 55″ ومحركات آلية من نوع ” SU 100″ كما أرسل سربان من طائرات “ميغ 17” بالإضافة إلى 15 طائرة من طراز “ميغ 21″، تولى مصريون قيادتها، وكان من بينها الطائرة الجزائرية التي أسقطت فوق تل أبيب، حيث أن الطيار المصري البطل لم يتردد في إسقاط طائرته على طريقة الكاميكاز (الطائرات الانتحارية) فوق عاصمة الدولة العبرية.
ومعذرة للاستطراد الذي فرضته الذاكرة، وأعود إلى السياق، حيث نزل الزائر من السلم الأمامي للطائرة بخطوات رياضية شامخة، ووجد في استقباله العقيد قاصدي مرباح، مدير الأمن العسكري الجزائري، الذي اصطحبه من أرضية المطار مباشرة في سيارة رسمية إلى مقر الرئاسة، حيث يستقبله الرئيس هواري بومدين في مكتبه، وليس في قاعة الاستقبالات كما جرت العادة مع كبار الضيوف.
كان الرجل هو الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية.
وكانت مهمته إخطار الرئيس الجزائري بأن عملية العد التنازلي ابتداء من رقم 90 قد بدأت، وباتفاق مشترك بين القيادة السياسية في كل من مصر وسوريا (وبتعبير أكثر وضوحا: أن الحرب ستندلع خلال فترة زمنية لن تتجاوز الثلاثة أشهر).
كانت هذه هي التعليمات التي تلقاها القائد العسكري المصري من الرئيس أنور السادات، ونتيجة للاتفاق الذي تم في الزيارة السابقة التي قام بها الفريق للجزائر.
وكان على القيادة الجزائرية أن تستعد فورا للوفاء بالتزاماتها، ولتضمن وصول القوات الجزائرية إلى الجبهة، في الوقت المناسب، طبقا للحل الذي يستفيد من تجربة الستينيات، عندما بقيت القوات الجزائرية فترة طويلة بدون عمل عسكري، مما دفع الجزائر فيما بعد إلى سحبها حرصا على معنويات القوات، مع الاحتفاظ بعدد محدود يتم استبداله دوريا.
وكان التركير في البداية على ترتيب الدعم الجويّ، حيث أن طائرات الميغ مثلا، هي طائرات مقاتلة محدودة المدى، ولا يمكن لها أن تقطع المسافة بين الجزائر ومصر بدون توقف… وكان لابد، من جهة، مراعاة وصول الطائرات إلى مصر في الوقت المناسب، ومن جهة أخرى، مراعاة احترام عملية التمويه والخداع التي اقتضتها ضرورة مباغتة العدو، والتي قامت بها القوات المصرية بكل ذكاء، بحيث انطلت على إسرائيل، وكادت، إلى حد ما، تجوز على الأصدقاء…
******
وعندما اندلعت العمليات العسكرية، بعد أقل من شهر من لقاء الرئيس الجزائري بمهندس العبور، كانت طائرات الجزائر ميغ 21 من أول الطائرات العربية التي وصلت إلى سماء مصر، لأن القيادة الجزائرية بادرت بوضع المجموعة الأولى من الطائرات في أقرب مكان ممكن من الأرض المصرية.
وفي نفس اليوم الذي غادرت فيه هذه المجموعة من طائرات الميغ الجزائرية مطار بنغازي الليبي، كانت قد وصلت إليه المجموعة الثانية واستعدت للإقلاع نحو الأهداف المحددة لها، ثم تبعتها المجموعة الثالثة… وهكذا كان للجزائر في سماء المعركة، بالتعبير العسكري، سرب ميغ 21، وسرب سوخرى وسرب ميغ 17…أي في حدود 50 طائرة.
وما يشعرني بالكثير من القصور والتقصير هو أن المصادر الجزائرية لم تعطِ أي تفاصيل عن المساهمة الجزائرية في مواجهة الصراع العربي الإسرائيلي وذلك بتأثير عقدة متحكمة في أخلاقيات الجزائري نتجت عن عملية المنّ المتواصلة التي نسمعها منذ استرجاع الاستقلال.
والمصادر المأذونة، غير الجزائرية، تؤكد أن الجزائر كانت ثاني دولة بعد العراق من حيث الدعم خلال حرب 1973، فشاركت بفيلقها المدرع الثامن للمشاة الميكانيكية بمشاركة 2115 جندي و812 صف ضباط و192 ضابط جزائري.
وامدت الجزائر مصر بـ 96 دبابة و32 آلية مجنزرة و12 مدفع ميدان و16 مدفع مضاد للطيران وما يزيد عن 50 طائرة حديثة من طراز ميج 21 وميج 17 وسوخوي 7، (تصريحات للمستشار علي محمود محمد رئيس المكتب الاعلامي المصري بالجزائر في الاحتفال الذي أقيم في السفارة المصرية بالجزائر احتفالا بنصر اكتوبر)
وقال الرئيس أنور السادات إن جزء كبيرا من الفضل في الانتصار الذي حققته مصر في حرب أكتوبر، بعد الله عز وجل، يعود لرجلين اثنين هما الملك فيصل بن عبد العزيز عاهل السعودية والرئيس الجزائري هواري بومدين، ( تصريحات للسيدة كاميليا ابنة الرئيس السادات، في قناة الحياة الفضائية المصرية).
ويقول خالد نزار: (فيما بعد) أثناء وجودي بالمدرسة الحربية بباريس حظيتُ بدراسة حرب أكتوبر 1973، انطلاقا من المعطيات المصرية والإسرائيلية، وأثبتت قدرة المصريين على التنفيذ المحكم لما تمّ التخطيط له مسبقا (..) وأثبت واقع العمليات بأن الجيشين المصري والسوري حققا نجاحا كاملا في هجومهما ضد حواجز طبيعية وقوات أمنية كانت تعتبر مُحصّنة”.
ولعلي أذكرُ هنا وأنا أختتم حديثي عن كتاب خالد نزار بالقول أنه لم يحدث أن أذاعت السلطات الجزائرية في السنوات السابقة كل هذه المعلومات أو حتى بعضها، بل إن قائمة الشهداء والجرحى خلال المواجهات مع العدو الصهيوني بين 1967 و 1973 لم تنشر في الصحف الجزائرية على الإطلاق، ربما تفاديا لما يمكن أن يعتبر منّا على الأشقاء الذين لا ننسى وقفتهم بجانبنا خلال كفاحنا التحريري، وكان التعتيم خطأ أكده هيكل فيما بعد.
وأعتذر عن التذكير ببعض الواجب الذي قمنا به إلى جانب بقية الرفقاء، فقد مللت من عمليات التطاول على الجزائر والتقليل من دورها واستصغار مواقفها مما أصبحنا نعيشه في الزمن الرديء .
والمؤكد أنه ما زال هناك كثير يجب أن يُقال، تخليدا لروح الشهداء الذين أعطوا الأمة العربية نصرا خالدا عبرت به هزيمة 1967، وتقديرا لتضحيات الشعب الذي تحمل الكثير الكثير من أجل يوم النصر.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تفك اوربا ارتباطها بالولايات المتحدة؟

د. محسن القزويني* تمتد العلاقات الانجلوامريكية الى عهد الاحتلال البريطاني للولايات المتحدة والتي تعززت باللغة …