عبد السلام بنعيسي*
حين كانت الدول العربية تهرول الواحدة تلو الأخرى، أو جماعات، للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وحين فتحت أبواب عواصمها للوزراء الصهاينة لزيارتها بشكلٍ رسمي وعلني، وعقْد جلسات عملٍ معهم، والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية في المساجد وفي أفخم الفنادق العربية، وتصويرها وبثها في اليوتيوب، في تجرُّؤٍ وقح، وتحدٍّ سافر للمشاعر العربية، وحين انطلق التخطيط لإنجاز المشروع الذي يربط ما بين الهند وأوروبا ودول الخليج والشرق الأوسط، بما فيه الكيان الصهيوني في ميناء حيفا، ليجعل من الجميع، منظومة، اقتصادية، وتجارية، وعسكرية، وأمنية، وثقافية… منظومة واحدة ومندمجة، كان ذلك يعني أن القائمين الدوليين على هذه المشاريع، عربٌ وعجمٌ، قرروا شطب الشعب الفلسطيني وإلغاءه من الساحة، والتصرف على أساس، أنه لم يعد موجودا، واستبداله بالكيان الصهيوني.
الحكام العرب تخلوا عن كل التعهدات التي كانوا قد قطعوها على أنفسهم، بما فيها التمسك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنشاء دولته المستقلة، ووقع عمليا اختصار هذا الشعب في مجموعة من السكان الذين سيتمُّ تشغيل البعض منهم، كعمالة رخيصة، في المشاريع المزمع إنشاؤها، وسيقع تهميش الباقين، واعتبارهم يد عاملة فائضة عن الحاجة، يمكن التصدق عليها ببعض المساعدات التي تسدُّ رمقها من الجوع، وستكون إبانها إسرائيل هي المتوجة بالتطبيع، وبالاستفادة المادية والسياسية، من هذه المشاريع، وستستولي على كامل الأرض الفلسطينية، وسيصبح فعلا الإسرائيليون هم شعب الله المختار وأصحاب الأرض الحقيقيين، وسيصير الفلسطينيون هم الغرباء والطارئين على فلسطين التاريخية، وستستمر الحياة على إيقاعها العادي والرتيب…
وبالموازاة مع ذلك كانت بلدان عربية، مثل العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، وحتى لبنان، تعاني، خدمةً للمصلحة الإسرائيلية، من التدمير الممنهج، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وتواجه بشكلِ شبه يومي، التفجيرات العشوائية والقتل الجماعي، وتتعرض لأنواع مختلفة من الحصارات، ولم يكن هناك أمل يلوح في الأفق لخروجها من هذه الدوامة الجهنمية، وكان الشعب الفلسطيني يتعرض للبطش والاضطهاد، وللطرد الجماعي من أرضه، وللإبادة، بينما كانت إسرائيل تتقدم الصفوف، ويتمشى قادتها متبخترين في ممرات ومنابر الخطابة في المؤسسات الدولية، وتعتبر نفسها أنها تمكنت من تحقيق مطامحها في المنطقة، وصار يبدو لها أنها نجحت في تصفية القضية الفلسطينية، وأن الحكام العرب صاروا يخافون من هراوتها، وانصاعوا لإرادتها، وأنها، ستتحول إلى مُصدّرة للأوامر لهم، وأنهم لن يملكوا إلا تنفيذها….
في هذه اللحظة الفارقة، انطلق بشكل مفاجئ، صوت القيادي محمد الضيف، من مكان ما تحت الأرض، في غزة المحاصرة من طرف الأشقاء قبل الأعداء، وأعلن بصوت قوي وواثق ورزين، عن انطلاق عملية طوفان الأقصى، بإطلاق 5000 صاروخ على الكيان الصهيوني، وفي مشاهد تكاد الأعين لا تصدقها، رأى العالم، عشرات المقاتلين الفلسطينيين يجتازون، بسهولة لا نظير لها، ومن أماكن متفرقة، الجدار الفاصل الذي كانت تتباهى به القيادة الصهيونية، وتعتبره ذرة عبقرياتها، ويقتحمون المستوطنات الإسرائيلية والمواقع العسكرية، ويستولون عليها، ويقضون على حراسها وقوات أمنها، ويخرجون قادة عسكريين، بثيابهم الداخلية، من أسرَّتهم حيث كانوا نياما، ويقودونهم، أسرى إلى غزة، رفقة مستوطنين كثر ومستوطنات كثيرات.. وكانت الصدمة الإسرائيلية والأمريكية والغربية كبيرة ولا حدود لهولها. فهذه ضربة قاسمة للجيش الصهيوني ولدولته الحامية للمصالح الغربية، ومن الصعب عليهما الخروج من تبعاتها.
بقيادة محمد الضيف، لم تخدع المقاومةُ الفلسطينية المخابرات الإسرائيلية فحسب، وتتمكن من التمويه عليها، وتنويمها، قبل الانقضاض على المستوطنين والقوات العسكرية الإسرائيلية التي كانت تحميهم في غلاف غزة، لقد تمكنت هذه المقاومة من خداع حتى المخابرات الأمريكية والغربية وحتى العربية المتعاونة مع نظيرتها الإسرائيلية، إذ من المعروف، أن التعاون جارٍ على قدم وساق بين هذه الأجهزة الاستخباراتية مجتمعة لحماية إسرائيل، وصون أمنها، ولم تكن تلكم المخابرات تتردد في إشعار تل أبيب بتحركات المقاومة الفلسطينية، قبل اقتحامها الجدار، لو كان قد وصل إليها علمٌ بما يجري.
في قيادته لعملية الاقتحام، وفي التمويه الذي صاحبها، تمكن محمد الضيف وصحبُهُ من خداع كل المخابرات العالمية المعادية، وكل قادة الناتو وجنرالاته، ورؤساء أجهزته الاستخبارية، وحقق المبادأة والمباغتة للكيان الصهيوني، وكانت تلك هي المقدمة الناجحة التي أدت إلى النتائج المبهرة التي تحققت في الميدان على أيدي مقاتليه البواسل في غلاف غزة.
ما وقع للكيان الصهيوني مع عملية طوفان الأقصى يذكرنا بما وقع للعرب في هزيمة 1967. فكما قال الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر حينئذ، بعد تدمير أسطول الطيران الحربي المصري الرابض في المطارات المصرية: انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب. هذه المرة، ولمكر التاريخ، حدث العكس.
كان الصهاينة يتوقعون أن تأتيهم الضربة من الشمال، وعبر الأنفاق، على أيدي مقاتلي حزب الله، لكنها أتتهم، بتخطيط وقيادة محمد الضيف، من الجنوب على أيدي المقاتلين الفلسطينيين، أتتهم، من غزة المحاصرة، من برها، وبحرها، وسمائها، وعلى غير ما كانوا يتوقعون، فكانت بذلك الهزيمة المدوية والمذلة للجيش الذي ظلوا ينعتونه بكونه جيشا لا يقهر. مهما تطرفت القوات الإسرائيلية في اقتراف المجازر في سكان غزة المدنيين، فإنها لن تفلح في مسح عار الهزيمة التي ألحقتها بها المقاومة الفلسطينية في هذه الجولة من المعارك.
ليس في الأمر مغالاة، إذا قلنا إن محمد الضيف لا يستحق لقب جنرال فحسب. إنه، بالانتصار الذي حققه بإمكانياته المتواضعة، قياسا بالترسانة الضخمة للأسلحة التي لدى العدو، أهلٌ للقب مارشال فما فوق. كيفما كان المصير النهائي للقتال الدائر حاليا، ومهما وقع لمحمد الضيف، سواء استشهد أو ظل حيا، فإن التاريخ سجّل اسمه كواحدٍ من القادة العسكريين العباقرة.
مساعدوه ومقاتلوه الذين اقتحموا غزة، وألحقوا هذه الهزيمة التاريخية وغير المسبوقة والنكراء بجيش دولة الاحتلال، قاموا بخلط الأوراق في وجه العالم برمته، ليُحمّلوه مسؤولياته إزاء ما يجري من تدمير وقتل وتهجير في المنطقة العربية بأكملها، ووضعوا القضية الفلسطينية بقوة على الطاولة من جديد، وأعلنوا أن الفلسطينيين هم الرقم الصعب الذي يستحيل القفز فوقه، إزاء أي مشاريع تطبخ للمنطقة، سواء كانت تطبيعا، أو شراكات استثمارية، هؤلاء المقاومون، أهلٌ للقب جنرالات، بكل استحقاقٍ وجدارة..
*صحافي وكاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر