السبت , مارس 28 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / حرب غزّة وأفول أصنام العصر الحديث!

حرب غزّة وأفول أصنام العصر الحديث!

د. أنور بنيعيش*
وقف العالم حائراً ومندهشاً أمام ما يقع في غزة منذ العمليات التي أنجزتها المقاومة الفلسطينية حماس في السابع من شهر أكتوبر المنصرم وتداعياتها عبر التقتيل الجماعي والهمجي الذي قاده المحتل بدواعي الانتقام المفرط، والذي طال البشر والشجر والحجر، والمدنيين الأبرياء وعلى رأسهم الأطفال بنسبة تفوق الأربعين بالمائة من الشهداء الذين ارتقوا بأشرس الأسلحة وأعنفها وأكثرها تدميراً المُحرّمة منها عسكريا كالفسفور الحارق وغيرها على مدار ما يربو على أربعين يوما دون أن تكون هناك بوادر توقف أو نهاية لهذا الكابوس الإنساني الذي يعيشه الغَزِّيُّون على مرأى ومسمع من العالم أجمع وبمشاركة فعالة للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وتواطؤ بالشعارات العاجزة عن التنزيل من دول عربية ومسلمة.
وقد أدى كل ذلك إلى انكشاف واقع عالمي غير إنساني، ولا صلة له بما يَروج من مبادئ مثالية عن حقوق الإنسان والعدل والديموقراطية والمساواة الإنسانية لدى معظم الدول والحكومات باستثناءات قليلة كما هو الأمر في بعض دول أمريكا اللاتينية التي كانت منسجمة مع قناعتها عندما أدانت الكيان الصهيوني الغاصب واتخذت قرارات جريئة بطرد سفرائه من دولها في خطوة نادرة لتلاقي الإرادتيْن معاً: إرادة الشعوب وإرادة الحكومات بقطع العلاقات مع إسرائيل كبوليفيا وكولومبيا والشيلي… بينما سبق انسحاب السفيرين الإسرائيليين من الأردن والبحرين لدواعي أمنية ما جاء على لسان ممثلي البلدين من سحب السفراء في حين أن القناة الإسرائيلية 24 أشارت في موقعها أن العلاقات مع الدول المطبعة معها في إطار اتفاق أبراها ما زالت قائمة ووطيدة رغم الحرب.
إن وضعاً شديد التناقض بين القيم المروج لها خاصة من طرف غربية مركزية تصر على أن تفرض على العالم زاوية نظرها بقوى ناعمة عبر الغزو الثقافي والاقتصادي، وبين ما وقع ويقع بالفعل في غزة من جرائم حرب تجاوزت حدود الخيال في بشاعتها وفي استهدافها المستضعفين من الأطفال والشيوخ والنساء وباقي المدنيين العزل خلق فصاماً رهيباً في شخصية الإنسان المعاصر عربيا ومسلماً كان أو غير ذلك؛ فمشاهد الأشلاء المبتورة والجثث المتناثرة وقصف المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس وإمطار مساحة صغيرة شديدة الاكتظاظ كغزة بالقنابل التي فاقت في حجم الدمار الذي أحدثته ما تم إسقاطه على هيروشيما وناكازكي في الحرب العالمية الثانية زعزعت الكثير من معتقدات الإنسان المعاصر وإيمانه المفرط في القيم التي ما فتئ الغرب يروج لها، وأفول أصنام طالما تحكمت في المشهد العالمي وطغت في بروباغاندا مبالغ فيها للترويج للغربيِّ النموذج في الحضارة والإنسانية.
ورغم أن هذه الأصنام كانت قد بدأت تهتز بعض الشيء في المقاربات التي خلقتها الحرب الروسية الأوكرانية، فإن ما يقع في غزة منذ أكثر من شهر أدى إلى تحطيمها بالمرة وأحدث شرخاً أخلاقيا يصعب لملمته بين الواقع المؤلم والنظريات الزائفة التي تم ترويجها عمداً للسيطرة على الشعوب، وترسيخ مبادئ المركزية القطبية، والتفوق الغربي المزعوم أخلاقياً وفكرياً واقتصادياً قبل تفوقه العسكري عبر أكذوبة ممنهجة كالمؤسسات الدولية ومفاهيم الديمقراطية، والانسجام المثالي بين الشعوب والنخب الحاكمة…
فبالنسبة للمؤسسات الدولية، عرَّت الحرب على غزة هشاشتها ولا جدواها، لثبت مرة أخرى فشلها الذريع في أوقات مسيس الحاجة إليها في إيجاد حلول إنسانية تخدم أهدافاً سطرتها في ديباجات رددتها لعقود منذ إنشائها؛ فوقفت مع المعتدي وضمنت له غطاءً دولياً بدعوى “حق الدفاع عن النفس”، وغضَّت بصرها متعمدة عن جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل منذ أكثر من شهر شأن الاتحاد الأوروبي، وعجزت أخرى كمجلس الأمن ومنظمة الأمم بسبب هيكلتها الجائرة وحق دول بعينها في الفيتو عن اتخاذ موقف حازم لإيقاف عملية الإبادة الجماعية وإنفاذ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. بينما أبانت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والقمم العربية والإسلامية عن كونها ظواهر صوتية لا تصدر عنها أفعال، وكشفت ضعف تأثيرها على أرض الواقع لأسباب أبعد عن أن تكون نابعة عن ضعف الدول الممثلة لها من حيث الوزن الاقتصادي والسياسي.
كما انهارت الغاية الإنسانية من مفاهيم تشدق بها الغرب وأتباعه في العصر الحديث كالمساواة والديموقراطية، حيث كشفت الحرب على غزة نظرة الحكام إلى الشعوب بمكاييل مختلفة تصنف الناس والشعوب إلى بشر يمتلكون حق الدفاع عن النفس، وكائنات تستحق الإبادة بدعوى محاربة الإرهاب. وهذا ما كشفته مواقف مختلف الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل لدرجة أن بعض المسؤولين لم يألوا جهداً في التضييق على الحريات الأساسية وفرض عقوبات قاسية على من يظهر تعاطفاً مع الضحايا في غزة كما فعلت فرنسا وبريطانيا وألمانيا بمحاولة منع مظاهرات التضامن مع غزة بطرق قمعية لا تمت إلى الديموقراطية بصلة، وتطرح التساؤل المُلِحّ حول ما إذا كانت هذه الحكومات الغربية تمثل فعلا تمثيلا شعوبها التي يفترض أنها انتخبتها، وخروج المظاهرات في مختلف مدن الدول الغربية خير دليل على هذا الشرخ الحقيقي بين الشعوب التي تحمل في ذاتها القيم الإنسانية المشتركة والنخب القابضة على زمام تدبير شؤونها العامة والتي تتخذ قرارات لا إنسانية في أكثر اللحظات حاجة إليها.
ومع انهيار هذه الأصنام التي طالما شكلت أطراً للترويج للمركزية الغربية الحاملة للقيم الإنسانية كُشفت عورات العالم المتقدم، وبرزت الأنياب والمخالب خلف الابتسامات والبدل وأربطة العنق، وتداعت معها أيضا أصنامنا المفاهيمية كالوحدة العربية والتضامن الإسلامي، ولم يعد للجسم العربي والإسلامي أي أثر فاعل في الحاضر وربما في المستقبل أيضاً وهو يشهد محاولة لإبادة شعب غزة تحت القصف والحصار دون أن يبدي مواقف عملية سوى اللغة الإنشائية المعتادة التي أضحت محفوظة للكل ومبتذلة من كثرة تردادها دون فعل.
ورغم أن غزة تدفع ثمناً غالياً من أبنائها وهم يسقطون تحت القصف أمام أنظار المشارك والمتواطئ والعاجز، فإنها استطاعت أن تخلد لحظات بطولة ومقاومة واستماتة في الدفاع عن الوطن في التاريخ الإنسانيِّ الذي يكتبه الآن الصامدون والمنتصرون لقضيتهم العادلة لا المستقوون بالأسلحة والآليات الثقيلة والتحالفات والتواطآت من المحتلين الصهاينة وشركائهم ومن تبعهم المنهزمون أخلاقياً وإنسانياً حيث تنتظرهم أظلم المساحات وألعنها في ذاكرة الشعوب في العصر الحديث.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثلاث سيناريوهات ستحدد مستقبل لبنان؟

  د. اماني سعد ياسين* من يظن أنّ هذه المعركة انتهت هو واهمٌ بالكامل! هذه …