د. محمد علي صنوبري*
أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن تمديد الهدنة ليومين إضافيين سيكون بنفس الشروط السابقة. ونعتقد جازمين بأن سلطات الاحتلال وافقت على الهدنة في محاولة منها إلى التخفيف من الضغط الحاصل نتيجة المظاهرات الحاشدة في إسرائيل والتي تطالب حكومة نتنياهو بتسريع عملية التفاوض من أجل إطلاق سراح المحتجزين.
ويبدو بأنّ القيادات السياسية لحركة حماس كسبت المعركة الإعلامية والسياسية ضد سلطات الاحتلال فهي تدرك جيداً بأن كل كلمة تقال عبر وسائل الإعلام تجد طريقها إلى الفئات الشعبية المعترضة في إسرائيل. لعل أهم التصريحات في شأن عملية التبادل جاءت عبر خليل الحية عضو المكتب السياسي لحماس حين أكد بأن حماس كانت حريصة كل الحرص على أن يتم إعادة هذه الفئة من المحتجزين من النساء والأطفال ولذلك فقد كانت حماس إيجابية بشأن عملية التبادل وتمديد الهدنة.
إذا ما أردنا البحث في تصريحات خليل الحية علينا القول بأنّ هناك رسالة مبطنة هي أن عملية التبادل ما هي إلا لتوفير دخول المساعدات إلى قطاع غزة وتحرير عدد من الفلسطينيين المحتجزين ظلماً في سجون الاحتلال، وهذا يتبعه تمسك حركة حماس بالهدف الرئيسي من عملية طوفان الأقصى وهو تبييض السجون. إذ أن عملية التبادل الأصلية والمحورية التي تسعى لها حماس هي تبادل الجنود والضباط الإسرائيليين مقابل الإفراج عن جميع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
ومرة أخرى تستغل حركة حماس وقياداتها انشقاقات داخلية في صفوف الحكومة الإسرائيلية نفسها وتسعى إلى تعزيز هذه الانقسامات. ولذلك فتزايد عدد الهدن الإنسانية وصفقات التبادل يعني إزدياد الضغط على الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وتعني تحول الأهداف العسكرية الإسرائيلية إلى مجرد أوهام. وينتظر قادة المقاومة الفلسطينية اللحظة المناسبة للحديث عن صفقة تبادل الجنود والضباط وهي اللحظة الحاسمة للانقسام والجدال الكبير في إسرائيل والتي لن تبقى فيها الفئات الشعبية الإسرائيلية على الحياد خصوصاً بأن هذه الفئات كانت معترضة بالأصل على سياسات نتنياهو فيما يتعلق بالتعديلات القضائية أو إدارة ملف الصراع مع الفلسطينيين وهذا بالطبع قد يقود إلى المظاهرات الحاشدة التي قد ينتهي بها المطاف إلى إسقاط نتنياهو والمجيء بحكومة إسرائيلية سترث ميراث نتنياهو الصعب والمستعصي.
ولكن يبقى السؤال المهم هو ما هي مصادر التفوق الفلسطيني التي تعتمد عليها فصائل المقاومة سواء في التفاوض أو الحرب؟
اعتمدت حماس على مصادر قوة متنوعة منها ذاتية ومنها خارجية وقد تم صقل هذه المصادر عبر نضوج حركات المقاومة عبر سنوات من الصراع مع إسرائيل. نسفت حماس أسطورة النزهة الإسرائيلية إلى قطاع غزة. فعلى الرغم من الاعتماد على الأرض المحروقة وعمليات تسطيح المباني إلا أن خسائر العدو المعلنة كانت فادحة فخلال هذه الحرب دمرت المقاومة الفلسطينية أكثر 335 آلية عسكرية وقتلت نحو 72 جندي وضابط. وأما على المستوى الاقتصادي ففي أخر تصريح له أكد محافظ البنك المركزي الإسرائيلي بأن الحرب تكلف 10% من الناتج المحلي الإسرائيلي وتقدر هذه النسبة بنحو 54 مليار دولار وهي مرشحة للارتفاع. كما قالت وزارة العمل الإسرائيلية أن نحو 46 ألف عامل إسرائيلي تم تسريحهم من العمل بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب على قطاع غزة.
ونسفت حماس أيضاً الحملة الإعلامية الإسرائيلية التي روّجت لها إسرائيل على مدار أكثر من 50 يوماً من الحرب والتي تمثلت في أن السيطرة على شمال غزة واحتلال مستشفى الشفاء وتهجير أهالي قطاع غزة إلى الجنوب سيكون انتصاراً مهماً لإسرائيل، وأراد نتنياهو من خلال الحضور خلسة ووسط جيشه في ثالث أيام الهدنة في شمال قطاع غزة ارسال رسالة إلى الداخل والخارج الإسرائيلي بأنهم يسيطرون على الأرض وبأنهم انتصروا.
لم تنتظر حماس كثيراً للرد على سلطات الاحتلال ومجرمها الكبير نتنياهو حيث ظهرت قوات حماس بكامل العتاد العسكري في شمال قطاع غزة وسط احتفاء جماهيري كبير بهم. كما تؤكد وسائل الإعلام الإسرائيلية أن قادة المقاومة وعلى رأسهم يحيى السنوار أنزلوا كارثة بالإسرائيليين وبأن الاتصالات بين السنوار والقيادات في الخارج لم تنقطع ولو للحظة واحدة حتى خلال عمليات القصف الإسرائيلي. وأما عن التهجير فقد أشار المركز الفلسطيني للإحصاء إلى أن النسبة الأكبر من السكان شمال القطاع لم تغادر القطاع، وبقي فيه نحو 800 ألف ساكن.
وأما عن مصادر القوة الخارجية فهي تأتي من الحلفاء، فبالإضافة إلى إبقاء الجبهات السورية والعراقية واللبنانية مشتعلة في وجه الاحتلال الإسرائيلي وحليفته الولايات المتحدة، أثبت أنصار الله الحوثيون في اليمن هشاشة إسرائيل في المواجهات البحرية. فعلى الرغم من احتجاز السفينة التجارية “غالاكسي ليدر” المملوكة لإسرائيل وعلى الرغم من استهداف سفن إسرائيلية أخرى سواء في طريقها إلى الهند أو عبر تواجدها في مضيق باب المندب أو البحر الأحمر، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تفشلان تماماً في حماية السفن الإسرائيلية.
وإذا ما استمر اليمن (الذي أعاد للأمة العربية والإسلامية هيبتها وأحيا فيها روح العزة والغيرة والكرامة من جديد) على هذا المنوال فإنه سيقطع جميع طرق الإمداد والطرق البحرية الاقتصادية لإسرائيل مما سيتسبب في خسارة أسواق رئيسية لإسرائيل والحيلولة دون استيراد سلع حيوية مهمة لإسرائيل، وهذا يمثل تفوقاً أخراً للمقاومة الفلسطينية وفصلاً أخر في فصول الانتصار والقضاء على الاحتلال الإسرائيلي.
لا بد من التذكير ختاماً بأنّ فصول الانتصار الفلسطيني لم تنته ولا نزال ننتظر المفاجأت من فصائل المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بجميع مكوناته في القدس والضفة الغربية وفي الشتات هذا الصمود الذي سيكلل بعودة الحقوق والأرض المغتصبة وزيادة الوعي الجمعي للشعوب والحكومات حول العالم بأن الاحتلال إلى زوال.
*مدير ورئيس تحرير مركز الرؤية الجديدة للدراسات الاستراتيجية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر