خالد شـحام*
مع عودة مسلسل القصف والقتل تتكشف كل يوم فداحة الجريمة الأمريكية – الصهيونية داخل قطاع غزة ، ليست الأعداد فقط هي الصادمة لأننا بالتأكيد و حتى اللحظة لم نستوعب الرقم ولا الاحصاءات ولا زلنا نحتاج شهورا للتأمل في هذا العدد من كل الزوايا ونفهم معانيه ونتفاوض مع الأرواح فيه ، بل هنالك أيضا التفرد في النوع والكيف الذي حدثت فيه الجريمة ، وحشية وإصرار في الجريمة بمباركة من الأحزاب أعلنه الثعبان بلينكن بالأمس ، إصابات وأنواع من الجروح ومظاهر هدم وتدمير غير مسبوقة في زمن قياسي ، خبراء الطب والممرضون يقدمون لكم تفاصيل حول أشكال القطوع الجسدية والحروق من درجة رابعة وربما خامسة التي لم يسبق أن تعامل معها الطب ، مستويات من فنون تدمير البنايات وكيماويات وأسلحة سرية وتقنيات إلكترونية غاية في التطور لعبت لعبة الموت في حرب غزة وسوف تفضحها العدالة خلال أشهر قليلة بعد التفرغ الدقيق لها ولهذا السبب كان لا بد من حرق المشافي وتدمير الأدلة والمشاهدين والشهود ، إنه زمن الإبادة الأمريكية التي أخذت على عاتقها تخفيض عدد سكان هذه الأرض ، إنه البرنامج التكنولوجي الأمريكي في القتل الذي تشتغل عليه الولايات المتحدة بإغداق غير مسبوق وكميات مهولة من الأموال المنهوبة من العالم أجمع .
آن الأوان مع إلتقاط الأنفاس المتعبة أن نقوم بجمع قصاصات الصور التي لم نلحق عليها حزنا أو دموعا لأن الدموع لا تفنى ولا تستحدث بل تَحفظ وَعدَها ومَوعِدها ،إنها هبة الحياة لإعادة منح الإنسانية والألم فهمهما الكافي ، والألم كفيل بصناعة كل شيء من القمح حتى الصاروخ ، آلاف الصور التي تحكي كل منها حكاية الألم الفلسطيني وابن الأرض وكيف تحول جسده إلى الأرض بذاتها ، صور مروعة لأكثر من ستة آلاف طفل وأجسادهم الممدة قرب أربعة آلاف صورة من الأم الشهيدة الممزقة ، وجوه صغيرة واجمة تجمدت معالم الحياة في وجهها لحظة اخترقت الشظايا الجسد الغضَّ وانكمشت الأيدي في حركة لا إرادية لتسلم الروح إلى بارئها ، طفل استشهد ربما كان جائعا أو ضاحكا أو مذعورا من صوت القذيفة ، أطفال ابصروا الحياة لأيام قلائل أو ليوم واحد أو ساعات ، عروس فلسطينية كانت تنتظر يوما للفرح وام مسكينة فقيرة كانت تعد الوجبة الأخيرة لكل العائلة التي رحلت معا ، كل هذه البراءة الملائكية تحولت إلى سجل من الضحايا برقبة بني صهيون والأمريكان المجرمين ، غزاة التاريخ المارقون ، اختاروا أية صورة وسوف تكفي لتشرح لكم مقالتي هذه ولتحكي لكم ما لم تستطع هذه الكلمات المتفحمة أن تقوله ، هيا تشجعوا ومدوا أيديكم وأغمضوا أعينكم وابتسموا ثم انتقوا صورة واحدة من صندوق الألم الفلسطيني ، خذوا صورة الشابة الفلسطينية الجميلة التي تحتضن الجثمان الصغير في الكفن الأبيض المربوط بالختم العربي وفوقه ختم المعبرالوضيع ، صورة الجد الذي يودع روح الروح ، صورة العجوز الذي كسروا قلبه بتبخر كل شبابه ، صور تحكي عن شيء اسمه الألم الأقصى والفجيعة الأكبر ، القهر الصاعد من أعتى عواصف القلب البشري ، الألم المسكوب من نار الفقدان والوداع الأخير لمن أحبه القلب وتعلقت به الروح ، صور تحكي كل الحكاية الفلسطينية المغمسة بالشقاء والحرمان والضنك المعيشي لأقصى ما يمكن أن تجود به حكايا الأرض والتاريخ من الضنك .
هل تعتقدون ان هذه الصور ستمر في بلعوم التاريخ بسلام وطي النسيان دون أن تجرح أو تترك شيئا ؟ …. لا لن يحدث ذلك أبدا ! فمثل هذه الصور تدخل في وعي الكون مثل قط شرودنجر داخل الصندوق لا هي بميتة ولا هي حية ثم تتحول إلى طاقة كامنة يتم تخزينها في مستودع خاص لتذخير الانفجار الأعظم تماما كما حصل مع هذا الكون العجيب ، هذه الصور التي تروي الجريمة تشاركها أيضا البنايات والبيوت المهدمة التي نطقت وتكلم فيها الحجرليحكي الذكريات ويروي قصة التين والزيتون والشاطىء والبحر والحب الكبير تتحول أيصا إلى طاقة خارقة لا قِبل للبشر بها ويتم استيداعها في خزان اللانسيان كي تتحضر وتترجم نفسها إلى أشياء كثيرة لا يعلمها إلا الخالق ، أشياء لها القدرة على الإبادة الربانية من مثل الطوفان أو الأعاصير او الريح الصرر العاتية او مقاتلين جبارين مؤمنين باللاغفران وبعقيدة قائمة على التطهير الذي لايرحم .
حيال فداحة الجريمة الممتدة بكل التشعبات وبكل التفرعات يقف المعتدي الصهيوني في كل مكان ليمارس الاستعلاء والكيدية والكذب وإثارة التحريض على القتل ، لا يريدون لأحد أن يتفوه بكلمة ولا لأحد أن يأتي بأية مشاعر مع الضحية ، حتى فرحة تحرر الأسير محرمة ويجب أن تُسرق ، يريدون من كل وسيلة إعلام أن تعيد نفس الاسطوانة العالقة منذ حضروا إلى هذا العالم وتحولت عباراتهم إلى أكياس نفايات سوداء تملأ في أراضي المحطات الإعلامية والفضائية والمتلفزة ومواقع التواصل ( حق الدفاع عن النفس – إدانة حماس واعتبارها إرهابية – إنهم يريدون قتلنا وطردنا من أورشليم -معاداة السامية – حماس الداعشية -كراهية اليهود….)
برأيكم ما الذي دفع شباب غـزة لشق أنفاق وممرات سرية تحت الأرض طيلة عشرات السنين ؟ أليس هو التجويع والحصار والعقاب المؤبد لهؤلاء ؟ ما الذي أجبر حماس أن تصنع صاروخا ثم تحوله إلى اداة للمطالبة بالكرامة ؟ أليس هو الإجرام والتجبر الصهيوني في مقدسات أمتنا و قتل واعتقال شبابنا و الاعتداء على نسائنا واستيطان أراضينا في الضفة مع العملاء والخونة ؟ ما الذي دفع بشباب من غزة الى ارتداء حزام الشرف ليصنع من جسده نيزكا متوهجا في جيوب العدو ؟ أليس هو القهر والإذلال حتى الشعور بالانفجار؟ ما الذي دفع غزة كي تفقد صوابها وتثور ثائرتها أليست أفعال أولئك الحيوانات الذين تسمونهم مستوطنين ؟
أما السؤال الذي ستخصص له جائزة العشرين الف شهيد فهو: ما الذي ستدفع به جريمتكم في غزة ؟ ما الذي خلقته أيديكم وأفعالكم في ظاهر الغيب وكيف أعيد ترتيب النجوم ؟ ما نوع الغضب وكم تبلغ درجة حرارته الذي يتولد في الظلال داخل بقايا الأحياء الذين لم يكونوا يوما مقاتلين أو مقاومين؟ ما نوع الانتقام الذي نشأ في جينات الصغار الذين نجوا من طائراتكم ودباباتكم المجرمة ؟ هل تعرفون ما الذي تنتجه صور قتل الأطفال ؟ إنها تنتج اللاغفران واللاتسامح واللانسيان وتصنع خطا رفيعا للغاية بين جهنم والحياة!
يؤسفنا أن نقول لكم أيها المجرمون ان الكون وقوانين الفيزياء وكيمياء الحياة تقول بأنه سيتوجب عليكم التعامل مع جيل جديد من أبناء فلسطين والمقاومة وحتى الاجيال العربية لم يمكن لكم تصور التعامل معه ، جيل سيأتي لكم بمضاد للطائرات أولا كي لا يكرر الخطأ السابق ، جيل سيأتي لكم بالصاروخ والقذيفة الاشد شراسة والأعلى زئيرا والأشد كفرا ، جيل سيهجز لكم الهجمات الالكترونية والاعلام المدروس والفكرة الثاقبة ، جيل سيدفعه اليأس والشعور بالعدمية إلى جلب القنبلة الذرية التي وعدتم غزة بها ولوحتم باستخدامها لكي يمكن إشباع رغبة الوجع الكوني الذي تسببتم به في غزة وفي العراق وفي اليمن وفي سوريا وليبيا وأفغانستان وحتى فيتنام ، هذا هو ما ينتظركم شئنا أم أبينا، ضحكنا أم بكينا!
لقد خدعتم شعوب العالم وتباكيتم مائة سنة تحت ذريعة الجريمة النازية ، أطلقتم أكبر إدعائية اسمها معاداة السامية وقبضتم من ورائها على كنوز الأرض وأحكمتم رقاب العباد، لعبتم دور الضحية الأزلية التي لا ينتهي مفعول الذنب المقترف بحقها وأذللتم اوروبا عن كاملها وتحولت ألمانيا إلى أراجوز أكثر هزلا من جمهورية الموز الأسطورية، زعمتم بان فلسطين أرضكم الموعودة وأنكم ( شعب الله المختار)، زعمتم بأنكم أرقى من باقي (الحيوانات) العربية والغربية وقدستم القتل والذبح وأحللتم دماءنا بلا قيد ولا شرط ، هل هذا ما يجود به دينكم المختار وشعبكم المختار من الله ؟ لمادا تكرهكم كل شعوب الأرض؟ هل هذا القتل يمكن ان يأتي من (شعب ) تعرض للقتل والذبح كما تزعمون ؟ هل ادعاؤكم بالسامية يتطلب إبادة أبناء سام وحام ويافث ؟ من هو الذي تحترمونه أو تعصمون دمه أيها المجرمون ؟ هل أنتم مواطنون مدنيون أم مجرد حفنة من القتلة المسلحين؟
فليكن لكم ما ترغبون ، كونوا ( شعب الله المختار ) وسوف تختار لكم الأجيال القادمة الطريقة الصحيحة والصاروخ الصحيح والذي لا نعلم ما نوع الشحنة التي سيحملها ولا نعلم من أين سيأتيكم من اليمن ام لبنان أم ايران أم العراق أم الضفة أم غزة ، كونوا المساكين والمستضعفين والذين تم حرقهم في أفران الغاز لأن في هذه المرة سيعيد أحدهم بالتأكيد إشعال الفرن بحق الذي يليق بمن قتلوا عشرين ألفا في أقل من شهرين ، كونوا أصحاب الأرض التي بلا شعب واسرحوا وامرحوا مع زعرنات بن حقير ويائيير وزفتريتش وابن البيتش فوق أرض الميعاد لأن لكم موعدا لن تخلفوه أبدا على يد الجيل القادم الذي بإزالتكم سوف يعش ! .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر