د. عادل جميل*
يروي رئيس وزراء الكيان الأسبق أسحق شامير أنه في إحدى ليالي حرب الخليج الثانيه عام 1991 ما نصه: “أيقضني الرئيس بوش (الأب) بعد منتصف الليل وخاطبني بأسلوب يخلو من اللياقه الدبلوماسيه المعهودة قائلا أيزاك عليك ان لا ترد على الهجمات الصاروخية العراقية وأغلق التلفون ولم يعطيني اية فرصه حتى لمناقشة الأمر. وأمتثلت لما طلب.” (هذه المداخله منشوره وموثقه بالصوت والصوره) وبالتأكيد ما أدلى به بوش الأب كان أمرا وليس نصيحه, ولم يترك بوش لقادة الكيان انذاك اي خيار سوى تنفيذ ما أمر به دون نقاش. ورغم الخسائر التي سببتها صواريخ غراد العراقيه للكيان, جائت الأوامر حاسمه لكون تدخل الكيان بالحرب يضر بمصالح امريكا ويسبب الأحراج للحلفاء العرب الذين دعموا وشاركوا في عاصفة الصحراء التي شنتها الولايات المتحده وحليفاتها لأخراج الجيش العراقي من الكويت, وهذا هو المعتاد في تعامل أمريكا مع الكيان. عندما تتهدد المصالح الأمريكيه تصدر الأوامر. اما اليوم فالأمر يبدو مختلفا لغير العارفين. فقد صرح بايدن مرارا أنه ينصح فقط ولم يأمر بأيقاف القصف الهمجي رغم ماسببه من قتل وأصابة وتشريد مئات الألاف جلهم من النساء والأطفال وكبار السن . وزادت الأداره الأمريكيه ولغها بالمحضور عندما أكدت على لسان الرئيس ووزير خارجيته ومستشار الأمن القومي بأنها تقف علانية ضد وقف أطلاق النار وتقدم بسخاء الأسلحه والأعتده التي تضمن تحقيق أهداف تل أبيب متجاهلة المجازر البشعه التي استنكرتها كافة شعوب العالم ورفضتها اكثر من مائة وخمسين دوله بضمنها الدول العربيه والأسلاميه كافه. وكأن دماء الأطفال الأبرياء و صراخ الأمهات ومناظر الدمار والقتل العشوائي لم تحرك بعد مشاعر سيد البيت الأبيض. وهذا الموقف الأمريكي النشاز متوقع وترسمه مصالح أمريكا الأستراتيجيه وحسابات الأنتخابات الرئاسيه القادمه:
المصالح الأمريكيه : أن خلق دولة أسرائيل فوق أرض فلسطين جاء ليخدم هدفين ستراتجيين للعالم الغربي ككل. أحداهما التخلص من العبأ الذي كانت تشكله الكنتونات اليهوديه المنعزله والمضطهده على الحكومات الأوربيه ومن ثم أمريكا. وهذا الهدف تقاطع مع هدف ستراتيجي أخر هو خلق دوله وظيفيه وجعلها قاعده متقدمه لحماية مصالح العالم الغربي في منطقه الشرق الأوسط. وحماية الكيان تعد من صلب واجبات الرئيس الأمريكي, ولم يتجرأ أي رئيس التغريد خارج السرب, ديمقراطيا كان أم جمهوريا. وفي النهايه ما الرئيس الامريكي سوى موظفا أعلى في البيت الأبيض ينفذ بأسلوبه الخاص سياسات ستراتيجيه وضعت له ولغيره منذ أمد بعيد. أما القول أن الصهاينه يقودو أمريكا فهو محض هراء. فالمتحكم بحبال اللعبه هو الأداره الأمريكيه وليس العكس. وما أسرائيل سوى بيدق متقدم أنتشى بما قدم له من رعايه وأمتيازات وأصبح الأبن المدلل الذي لايرد له طلب شريطة أن تتماها طلباته مع الأهداف الأستراتيجيه للراعي الأكبر. وسيستمر الغرب بقيادة الولايات المتحده الدفاع عن أسرائيل ظالمه اومظلومه طالما أن بقائها يخدم مصالحهم في المنطقه. ولن يتركو الكيان وحيدا ألا في حالة أنتفاء الحاجه لخدماته واضراره بمصالحهم وعندها سيترك يواجه مصيره المحتوم.
الأنتخابات الرئاسيه: لا يخفى على أحد الصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين للفوز بكرسي الرئاسه عام 2024. وأخذ السباق الرئاسي هذه المره منحى غير مسبوق نتيجة للعداء الشخصي الحاد بين الرئيس جو بايدن وسلفه الرئيس دونالد ترمب. وكما يعرف المتابعون للشأن الأمريكي الأثنان بايدن وترمب مهددان بعقوبات قضائيه لا مفر منها في حالة الفشل. ولو أن حالة ترمب أكثر تعقيدا بسبب عشرات القضايا المرفوعه ضده, لكن بايدن ليس بمنئى عن المسائله القانونيه في حال فشله بسبب دعاوي الفساد ضد أبنه هنتر. وفي حالة فوزترمب كما تشير كافة أستطلاعات الرأي (سيجرجر) بايدن ألى المحاكم وسيسقيه من نفس الكأس. وللخروج من المأزق يعمل الرئيس بايدن بأستماته لكسب أصوات الناخبين وبأي ثمن خصوصا أصوات الأقليات اليهوديه والأفريقيه واللاتينيه والعربيه التي ستخلق الفارق في الأنتخابات الرئاسيه. لذا لم يأت تأييد بايدن المطلق لأسرائيل لدوافع دينيه او عنصريه بل لحسابات أنتخابيه ومصالح استراتيجيه بحته لا علاقه لها بالدين أو العنصر. سيسعى بايدن لكسب أصوات اليهود على حساب العرب والمسلمين, فالحسابات الرقميه ( 3.7 مليون مسلم امريكي مقابل 5.9 مليون يهودي امريكي) ترجح أفضلية كسب أصوات اليهود لما يتمتع به يهود أمريكا من أغلبيه عدديه ونفوذ مؤثر في عالم المال والأعمال والأعلام, المرئي والمسموع والمقروء مقارنة بالأخرين. ومسك العصا من الوسط في الصراع القائم بين العرب واليهود لن يخدم هدف الفوز بكرسي الرئاسه. أما العداله وحقوق الأنسان فتلك مشغلة البسطاء والفقراء. ولن يتغير تأييد أمريكا المطلق لأسرائيل الا في حال أدت الحرب الى الأضرار بمصالح أمريكا. ويبدو أن الحرب المستعره بدأت تسبب أضرار محسوسه للمصالح الأمريكيه لذا أزف وقت التغيير في المواقف وسوف يصدر بايدن الأوامر وليس النصائح قريبا لتل أبيب لأيقاف الحرب. وبالمقارنه مع بايدن, يحظى ترمب بتأييد لايتزحزح من قبل الأغلبيه البيضاء التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض, ودون شك نجحت خطاباته الشعبويه في خلق جيل من المتعصبين الأمريكان داعم ومناصر له لأخر مدى للفوز بكرسي الرئاسه ثانية. ولا يهم ترمب شأن ألأقليات الأخرى التي تصوت أغلبها تقليديا الى الحزب الديموقراطي, ويكفيه أن كافة الأستطلاعات ترجح فوزه المريح على خصمه اللدود جو بايدن. أما حرب غزه فهي ليست من أهتماماته.
وخلاصة القول أن واشنطن قادره ومقتدره على أصدار الأوامر لأيقاف الحرب في أي وقت تشاء ولكن الأمور كما يبدو لم تصل حد الخلاف بين الداعم والمدعوم .هناك أجتهادات متباينه لم تصل بعد حد الخلافات. وربما التباينات المعلنه تدخل في باب أرضاء دعاة السلام وأنصار القضيه الفلسطينيه في الولايات المتحده تحديدا. وقادة الكيان على يقين مطلق بأن تجاهل أوامر واشنطن سوف يسبب لهم المتاعب ومن ثم خسران الحرب. فبدون دعم واشنطن المادي واللوجستي والأستخباري لا يستطيع الكيان لوحده الصمود لأيام معدوده بوجه المقاومه الأسطوريه للشعب الفلسطيني. أضافة لما تقدم حين ترفع واشنطن الغطاء عن تل أبيب سوف يتبخر كل الدعم والتأييد الأوربي للحمله الهمجيه ضد غزه ويحل محله الحديث عن العداله وحقوق الأنسان وحق الفلسطينيين المغيب في دولة مستقله.
*أكاديمي وكاتب عربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر