عبد السلام بنعيسي*
حدث تضخُّمٌ كبيرٌ في استعمال عبارة: “جنُّبُ استهداف المدنيين” من الطرفين معا، في الحرب التي تشنها الدولة العبرية على الشعب الفلسطيني منذ ما يفوق 70 يوما. وزراء خارجية الدول العربية كانوا سبّاقين لاستعمال العبارة في أول بيانِ أصدروه عقب اللقاء الذي جمعهم بالقاهرة إثر اندلاع الحرب، وسار لاحقا، على منوالهم، في استعمال ذات العبارة، نظراؤهم وزراء خارجية فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وأمريكا، وراجت هذه العبارة، بوفرة كبيرة، وإفراط شديد في وسائل الإعلام، في محاولة لفرضها على الرأي العام العالمي، وجعلها مُسلَّمةً بديهية لا تقبل النقاش، ويتعين على الجميع بلعُها كما هي رائجة…
لا نفهم المقصود بكلمة “”مدني” إسرائيلي، وما هو محتواها العملي في فلسطين المحتلة؟ فهل المستوطن الوافد إلى الديار الفلسطينية، مثلا من بولندا، أو بلغاريا، أو روسيا، والذي يطرد الفلسطيني من قطعة من أرضه التي ورثها عن أجداده، يطرده وأبناءه منها، ويرميه إلى الشارع، وربما خارج فلسطين، ويستولي المستوطن على هذه الأرض، وينشئ فوقها مشروعا تجاريا، أو صناعيا، أو يجعل منها ضيعةً فلاحية، ويستثمر فيها، وينتج منها ما يشاء من الخضر والفواكه، والبضائع المصنعة، ويبيعها في السوق الإسرائيلية، ويُصدِّرُ ما يفيض عن هذه السوق إلى الخارج، ليعيش متنعما من خيراتها، دون أن يكون لصاحب الأرض الأصلي، حقُّ، حتى الاقتراب منها، هل مستوطن من هذا القبيل يعتبر كائنا “مدنيا” فعلا، بالمعنى الذي يفيد أنه منزهٌ من المتابعة، والمساءلة، والمحاسبة، بكل أشكالها، من جانب الفلسطينيين، وأن عليهم النظر إليه باعتباره إنسانا مسالما، وأنه في وضعية طبيعية في أرضهم التي انتزعها منهم، بقوة الحديد والنار، ويعيش، أمام أنظارهم، مسيطرا عليها؟
الإسرائيلي “المدني” في فلسطين، يتعين أن يكون هو الإسرائيلي البريء من أي فعلٍ إجرامي ضد الفلسطينيين، وأنه لا يعتدي عليهم، ولا يأخذ منهم حقوقهم، ف “مدنية” الإسرائيلي يفترض أن تكون مرتبطة ببراءته تجاه الفلسطيني، والحال أننا أمام وضعية جد معقدة على هذا المستوى. الشعب الفلسطيني وقع اجتثاثه في معظمه من أرضه، وتهجيره، بالمجازر والمذابح الجماعية المقترفة ضده من جانب الإسرائيليين، ورميه في الملاجئ البعيدة عن وطنه فلسطين، وجيء بأناسٍ من دول عديدة كانت أوطانا لهم، ويحملون جنسياتها، ووقع توطينهم في فلسطين، على حساب سكانها الأصليين، وبات هؤلاء الوافدون، نتيجة لذلك، في وضعية المعتدين على أصحاب الأرض الفعليين.
من البديهي بالنسبة للفلسطينيين أن يروا الإسرائيليين الوافدين إلى فلسطين، مذنبين، بسبب وجودهم القسري في فلسطين على حساب ذويها المهجرين. وحتى الجزء المتبقي من أبناء الشعب الفلسطيني والذي لم يُهَجّر، يعيش في مواطنية من الدرجة العاشرة، ويعاني من كل أشكال الاضطهاد والعنصرية، وهو محروم من كافة الحقوق التي يتمتع بها بنو البشر، فكيف يمكن لفلسطيني يعيش في هذه الوضعية المزرية أن ينظر للإسرائيلي نظرة طبيعية ومحايدة، وخالية من المشاعر غير العدائية؟ وكيف يمكن للفلسطيني التمييز بين من هو البريء والمذنب من الإسرائيليين في حقه؟ ومن هو المدني ومن هو العسكري منهم؟ ومن منهم يحارب هذا الفلسطيني ويقتله وأبناءه، ومن لا يقوم بذلك؟؟؟
والمشكل العويص والذي يتفاقم مع مرِّ الأيام هو أن الحكومات الإسرائيلية التي باتت تصل إلى دفة الجهاز التنفيذي، عبر الانتخابات، صارت كلها حكومات يمينية متطرفة وعنصرية، ولا تقبل بقرارات الشرعية الدولية، وتَنْكُرُ، عمليا، وجود الشعب الفلسطيني، وتوغل في قمعه، وفي سفك دمه، والاعتداء على ممتلكاته، وتجريده منها، لدفعه للهجرة من وطنه. هذه الحكومات المتطرفة العنصرية، منتخبة من طرف الجمهور الإسرائيلي، إنها نتاج لخيار هذا الجمهور، الذي يتحمل المسؤولية، عما تقترفه من جرائم في أرض فلسطين، بالنسبة لشعبها الفلسطيني.
لقد أطلقت هذه الحكومة أيدي المستوطنين بالجملة وحررتهم من كل متابعة، وزودتهم بالأسلحة، وأباحت لهم أن يفعلوا ما يشاؤون في فلسطين، وهي تحميهم وتشجعهم على جرائمهم المقترفة ضد الفلسطينيين، والغالبية الساحقة من الإسرائيليين لا تستنكر ما يقع، ولا تعمل من أجل وقفه، حتى أن الغرب، بقيادة أمريكا، الداعم الرئيسي للكيان الصهيوني، ضجَّ من جرائم المستوطنين الفاضحة، ولكنه حين أراد الردَّ على أفعالهم المنكرة هذه، اكتفى باتخاذ قرار عدم منح البعض منهم تأشيرات الدخول إلى أرضه، وكأن هذا هو العقاب المستحق لهؤلاء على جرائمهم الفظيعة.
فمقابل عدم منح المستوطنين تأشيرات الدخول إلى أوروبا وأمريكا، ظل الغرب طوال ما يربو على العشرين سنة يلجأ إلى الصمت، ويعطي موافقته الضمنية أو الصريحة سواء بسواء، على استمرار فرض حصارٍ إسرائيلي نازي خانق على مليونين ونصف المليون من سكان قطاع غزة، وحرمانهم من الغذاء والدواء، والعيش بشكل طبيعي ككل الناس، وهم تحت الاحتلال.
والطامة الكبرى تكمن في أنه عندما انتفض الشعب الفلسطيني في عملية طوفان الأقصى ضد هذا الواقع الظالم، ساعيا إلى لفت انتباه العالم إلى خطورته، فإن 1200 قتيل إسرائيلي، الكثير منهم جنود، أثاروا استفظاع الغرب، وتفجُّعه، ولطمه الخدود، أكثر بكثير من استشهاد 20 ألف من الضحايا الفلسطينيين، ثلثاهم من الأطفال والنساء والشيوخ، مع تدمير شبه كلي لمساكنهم، ومدارس أبنائهم، ومستشفياتهم، ومساجدهم، وكنائسهم، وأسواقهم، ومقرات جميع مؤسساتهم، وتشريدهم في العراء في هذا الفصل القارس البرد..
لقد شاهد العالم أجمع كيف كان المقامون الفلسطينيون يتعاملون مع أسراهم، فلقد أجادوا إيواءهم، وعاملوهم بالرفق وبالحسنى، وحين أطلقوا سراحهم، كانوا يرافقونهم باحترام، وبلطف، إلى مكان تسليمهم لعناصر الصليب الأحمر الدولي، وكانوا يستودعونهم والابتسامات تعلو وجوه الأسرى، عنوانا على طيب المعاملة التي تلقوها لحظة الأسر، في حين عاين العالم، كيف كانت القوات الإسرائيلية، تجرد مواطنين فلسطينيين مسالمين من ملابسهم، لحظة اعتقالهم تعسفا، وتقوم بتصويرهم، وعرض صورهم شبه عراة على أنظار العموم، كناية في التشفي فيهم، ودوسا على كل القوانين والأعراف والقيم الإنسانية المتعارف عليها..
فكيف في ظل هذه المعطيات يمكن لنا أن نطلب من الفلسطينيين التمييز بين الإسرائيليين؟ من منهم المدني ومن منهم العسكري؟ وعلى أي أساس يمكن إحداث التمييز المفترض؟ الحديث عن ضرورة التمييز بين بين المدنيين الإسرائيليين من جانب الفلسطينيين، يوحي وكأننا في حربٍ يتواجه فيها جيشان متكافئان عُدَّةً وعتادا وجنودا، والحال أننا أمام حربٍ وحشية مُشنة، من طرف جيشٍ مُجهّزٍ بأحدث الأسلحة الغربية، ويحظى بالدعم الشامل والكامل من طرف أمريكا، على شعب محاصر في بقعة جغرافية ضيقة جدا، ومحرومٍ من أي دعم، ويقاوم دفاعا عن حقه في الحرية، والاستقلال، والبقاء على قيد الحياة..
لكن ألا يكون العديدون من الذين يرددون أمامنا عبارة “ تجنب استهداف المدنيين” من الطرفين، يوظفون هذه العبارة وينطقون بها، ليس لتحييد المدنيين حقا خلال القتال، وإنما لأنهم يريدون إخفاء الماء الموجود في أفواههم، وأنهم يسعون بواسطتها، لتغليف الحقيقة بالكذب، ولقلب الوقائع وتحريفها، إن لم نقل إنهم يحاولون التذاكي، لتفادي الإعلان الصريح والسافر عن تأييدهم، لما تفعله القوات الإسرائيلية من قتلٍ، وتدميرٍ، وتهجيرٍ في أبناء الشعب الفلسطيني، والاصطفاف إلى جانبها؟؟
*صحافي وكاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر