السفير. محمد محمد السادة*
تدرك واشنطن أكثر من غيرها ثبات موقف صنعاء المساند للقضية الفلسطينية وأنه موقف يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية، فصنعاء في إعلانها مساندة القضية العادلة للشعب الفلسطيني ،و وقف جرائم وحصار كيان العدو الإسرائيلي على غزة تنطلق من الواجب الديني والإلتزام الأخلاقي والإنساني، كما أن تحركها يُعبر عن الإرادة الشعبية الحرة ، وحالة الإجماع للشعب اليمني التي وصفها سماحة قائد الثورة اليمنية السيد عبدالملك الحوثي بأنها فاقت الإجماع على مواجهة العدوان على اليمن.
لذا، لاغرابة أن تتصدر صنعاء المواقف المساندة لفلسطين،ولو كلف الأمر خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة الأمر الذي أكده قائد الثورة إدراكاً منه أن لا نصر إلا بمعركة تخوضها الأمة دفاعاً عن قضاياها العادلة، وتُقدم في سبيلها التضحيات الجليلة، فقد قدمت صنعاء فلسفة في صمودها الإسطوري أمام العدوان، وكسرت قواتها المعادلات العسكرية في معركتها مع تحالف العدوان على اليمن الذي ضم أكثر من 15 دولة، وسخر كل الإمكانات المادية والعسكرية والبشرية الهائلة والكافية لحسم المعركة والسيطرة على اليمن أرضاً وإنساناً، لكنه فشل، ولم يكن السبب في أن اليمن لديه إمكانات مادية وعسكرية تفوق ما حشدوا له، بل كان في ما يمتلكه أبنائه من قيم ومبادئ دينية وإنتماء أصيل للإسلام والعروبة ترفض الإستسلام والوصاية، وهم اليوم يعلنون في مسيراتهم المليونية عن تطلعهم لخوض المعركة مع التحالف الأمريكي-البريطاني-الصهيوني.
تجدر الإشارة هنا إلى أن موقف صنعاء المساند لفلسطين هو موقف تتضمنه مبادئ ثورة 21 أيلول/سبتمبر 2014 ، وسبق إعلانه من قبل السيد عبدالملك الحوثي الذي أكد أن اليمن سيكون حاضراً في أي حرب تُشن على فلسطين أو محور المقاومة، وبالتالي فهو موقف سابق لعملية طوفان الأقصى، و يُعد موقف متقدم في إطار محور المقاومة، كما يُعبر عن خصوصيته كموقف لايرتبط في جوهره بتلك التحليلات والإدعاءات التي تحاول تجييره أو إلصاقه بإيران وسياستها الخارجية تجاه المنطقة، مع إحتفاظ إيران بحقها في التوظيف المشروع للنجاحات والمكاسب التي يُحققها محور المقاومة، الأمر الذي ينطبق على بقية أطراف المحور.
يلاحظ على موقف صنعاء تجاه تطورات الوضع في غزة أنه جاء بشكل تصاعدي مدروس، حيث كان يُعول على منح فرصة لتدخل المجتمع الدولي والأمم المتحدة من أجل إلزام كيان العدو الإسرائيلي بوقف جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق أبناء غزة، و وجوب إمتثاله للقوانين الدولية، لكن عجز المجتمع الدولي، وإصرار الولايات المتحدة على تقديم كافة أشكال الدعم لاسيما العسكري لكيان العدو الإسرائيلي من أجل إستمراره في جرائمه، مع إستخدامها المستمر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد كل مشاريع القرارات التي تدعو للوقف الفوري لإطلاق النار في غزة ، هنا بدأ اليمن وبما ينسجم مع توجهاته المُعلنة، ويتوافق مع الإجماع الدولي المُطالب بوقف العدوان والحصار على غزة في تنفيذ عدد من الخيارات العسكرية بشكل تصعيدي ، من خلال شن عدد من العمليات العسكرية بالصواريخ البالستية والطيران المسير التي إستهدفت كيان العدو الإسرائيلي ، ثم الإنتقال إلى مرحلة إستهدافه اقتصادياً من خلال فرض حصار بحري بشكل تدريجي، من خلال تحريم مرور سفن الكيان في البحرين الأحمر والعربي، ومن ثم الإنتقال لمرحلة منع مرور السفن ذات الصلة بالكيان أو المتوجهة نحو المؤانئ الفلسطينية المحتلة.
أظهرت صنعاء قدرات سياسية من خلال دقة التوقيت في توظيف معطيات الوضع على مستوى الداخل الفلسطيني، وكذا على المستويين الإقليمي والدولي والقيام بعمليات عسكرية وحصار بحري يستهدف كيان العدو الإسرائيلي،مع تأكيداتها المستمره للمجتمع الدولي أن الهدف من عملياتها العسكرية البحرية محصور فقط على الكيان الإسرائيلي ومصالحه، وأن تلك العمليات تنتهي بوقف العدوان والحصار على غزة، بالإضافة لطمئنة المجتمع الدولي بحرص صنعاء، وإلتزامها بسلامة وحرية الملاحة الدولية في مياة المنطقة، وأنها رغم ماتعرضت له على مدار 8 سنوات من عدوان وحصار بحري غير مشروع إلا أنها أظهرت قدرة عالية في ممارسة سياسة ضبط النفس .
في مواجهتها لموقف صنعاء دفاعاً عن كيان العدو الإسرائيلي تدرجت واشنطن في موقفها بدءاً من حالة الإنكار والتقليل من شأن عمليات صنعاء العسكرية، ومن ثم إعلانها ما اسمته إحتفاظها بحق الرد، ومحاولة تأليب المجتمع الدولي ضد صنعاء بدعوى تهديدها للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وصولاً إلى تشكيلها تحالف دولي بحري ، وإعتدائها على القوات البحرية اليمنية.
بالقدر الذي بدت فيه الولايات المتحدة معزوله دبلوماسياً وسياسياً على المستوى الدولي بسبب دعمها لجرائم الكيان الإسرائيلي، ورفضها للإجماع الدولي بوقف إطلاق النار في غزة، بدت أيضاً معزولة عسكرياً،حيث فشلت في توجيه رسالة ردع لصنعاء من خلال تشكيل تحالف دولي بحري لحماية مصالح الكيان الإسرائيلي ، فقد قوبل هذا التحالف بالرفض من قبل دول كُبرى كالصين و روسيا، ودول المنطقة، كما تباينت مواقف ومساهمات الدول المنضمة للتحالف الأمريكي ما بين المشاركة الرمزية بعدد من الضباط لدول كالبحرين وسيشل والدنمارك وإستراليا، و رفض دول العمل تحت قيادة الولايات المتحدة كأسبانيا وفرنسا وإيطاليا،وبالتالي تكون الولايات المتحدة قد فشلت في خلق إجماع دولي مؤيد لدعواتها الزائفه بحماية الملاحة الدولية، إلى جانب فقدان تحالفها للشرعية الدولية.
إقدام الولايات المتحدة على إستهداف 3 زوارق عسكرية يمنية وما نجم عنه من إستشهاد لعدد 10 من أبطال القوات البحرية، يجعل صنعاء تحتفظ بحق الرد بمعزل عن عملياتها العسكرية البحرية التي تستهدف فرض حصار على كيان العدو الإسرائيلي، حيث أصبح الوجود العسكري للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة أهداف مشروعة للقوات اليمنية التي ستستهدف القوات الأمريكية بتكتيات وأساليب جديدة، بالإضافة إلى ذلك فالتصعيد الأمريكي-البريطاني من شأنه توسيع دائرة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وتحالفها البحري مع القوات اليمنية الأمر الذي سيؤدي إلى وقف حركة الملاحة الدولية كلياً أو جزئياً في مضيق باب المندب، وبالتالي وقف إمدادات الطاقة العالمية عبر المضيق، مما يترتب عليه إرتفاع كبير في أسعار الطاقة والسلع، وإحداث أزمة عالمية.
لاتزال العمليات العسكرية التي يشنها محور المقاومة على كيان العدو الإسرائيلي، والقواعد الأمريكية ضمن قواعد الإشتباك المحدود، غير أن التصعيد الأمريكي-الصهيوني المتمثل في العدوان على اليمن، وإغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحماس الشهيد صالح العاروري في الضاحية الجنوبية للبنان، بالإضافة لإستهداف مقرات الحشد الشعبي في العراق وقياداته، ومحاولة زعزعة أمن وإستقرار إيران من خلال بعض الأعمال تفجيري مدينة كرمان، من شأن ذلك إنتقال المنطقة لمرحلة أكبر من المواجهة العسكرية التي قد تُشعل المنطقة وتهدد الأمن والإستقرار الدوليين.
ختاماً، لاشك أن عملية طوفان الأقصى، والحضور اليمني فيها كشف للعالم مزيد من ملامح الوجه القبيح للولايات المتحدة وشعارات حقوق الإنسان، وإزدواجية المعايير والتناقض في الموقف الأمريكي الداعي لعدم توسع الحرب وفي ذات الوقت يقدم كل أشكال الدعم لكيان العدو الإسرائيلي ، كما يمنع وقف إطلاق النار في غزة، ويتجه نحو عسكرة البحر الأحمر بما يهدد الملاحة الدولية، ويزعزع الأمن والإستقرار الدوليين.
الموقف المتقدم لصنعاء رسمياً وشعبياً لمساندة فلسطين أنعش آمال وإيمان الشعوب العربية والإسلامية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني بحتمية الإنتصار لقضيته، وكل القضايا العادلة للأمة، كما شكل دعماً سياسياً للمواقف والتحركات السياسية العربية والإسلامية على المستوى الدولي، وفي إطار الأمم المتحدة ، وكان مُلهماً لتطور بعض المواقف الدولية منها الموقف الماليزي الذي أعلن منع رسو سفن الكيان الإسرائيلي في الموانئ الماليزية، وبالمحصلة فإن تحرك صنعاء ومايُفرزه من معطيات جديدة على مستوى المنطقة والعالم يُنبئ عن حضور اليمن كقوة إقليمية ناشئه، وجزء من معادلة الأمن والإستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
عن راي اليوم
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر