الإثنين , مارس 16 2026
الرئيسية / اراء / من خيمة القذافي الى خيمة بن سلمان!

من خيمة القذافي الى خيمة بن سلمان!

علي الزعتري*
صرنا نستقرأ الأحداث من الصور. في بعضها عٍبَرٌ نتخيلها. في بعضها رسائل ووسائل مقصودة. في بعضها تجسس وتفحص واستنتاج. من مناظرةِ جون كينيدي و ريتشارد نيكسون الرئاسية وإلى إضافةِ فلان و حذف علان من صورةٍ في التاريخ الحديث والعتيق رأى الناس ملامح لأحداثٍ تبلورت أمام أعينهم. هذا غيضٌ من فيضٌ.
في تلك المناظرة التلفزيونية بين كينيدي و نيكسون لَعِبَ فريق كينيدي على وسامة الرجل و طولِ قامتهِ مقابل تواضع هيئةِ نيكسون و قِصَرَ قامتهِ وراهنوا على أصوات المعجبات بهذا البوسطوني ذو العرق العريق و العائلةِ الثرية وبطولته في الحرب العالمية الثانية. كانت من أوائل المناظرات في التاريخ الانتخابي الأمريكي حيث الصورة هي الحاكم، وحكمت الصورة فعلاً لصالح كينيدي. لم تكن تلك الصورة هي الوحيدة في صالح كينيدي الذي بَزَّ نيكيتا خروتشوف القصير السمين و كاسترو ذو الذقن المشوشرة و حصدَ الإعجاب حول العالم. قُتِلَ كينيدي وبقيت صورة الاغتيال شاهداً على عصرٍ دسائسي. أما نيكسون فقد خرج من السياسة بعد فضيحةِ ووترغيت وبقيت في تاريخهِ صورتين، لهُ في مغادرتهِ الأخيرة من البيت الأبيض بطائرةِ الهليكوبتر الرئاسية و لمتسلقي السلم للوصول لطائرةِ هليكوبتر تنقل آخر الهاربين الأمريكيين و عملاءهم من سايغون من سطح السفارة الأمريكية. خروتشوف يُذكرُ بصورته و هو يطرق منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة احتجاجاً بحذائه! و كاسترو وسيجارهِ المعبر عن راحته في تحدي أمريكا في عديدِ الصور.
قيلَ أن دوائرَ المخابرات كانت تُلاحقُ صورَ العقيد القذافي لتحلل نفسيتهِ من خلال نظرةِ عينيهِ و لذلك كان غالباً ما يرتدي نظارةً سوداء. حتى مع ازدياد تقنية الاستخبارات قالوا نفس الشيء عن صدام حسين و ياسر عرفات. يقولون اليوم ذاته عن أبو عبيدة وكيف يتفحصون كل صورةٍ له ليستقرأوا ما وراء العينين. في إحدى الدول العربية الكبيرة زوَّرت هيئةٌ إعلاميةٌ بدون خجل صورةً لتضع رئيس الدولة في مقدمة رؤساء آخرين بينما الحقيقة أنه كان في الصفوف الخلفية. دونالد ترمپ في أحد الاجتماعات في أوروپا جذب رئيساً لجمهوريةٍ صغيرة للخلف لكي يتصدر هو الصورة و هو كان و يزال يتصدر الصورة. وفي إحدى الدول العربية الثورية أُخِذَ صاحب محل بقالة للتحقيق حين لاحظ أمنيٌّ أن الرجل وضع إفطاره المتواضع على صفحةِ جريدةٍ كان لازماً أن تتصدرها يومياً صورة الرئيس فكان الصحن فوق الرئيس!
الصورة في غزة مدعاةً للقتل الصهيوني. “إسرائيل” تقتل الصحفي الناقل للصورة عن إجرامها. وتخفي الصهيونية الصورة عن العالم عندما تسيطر على الإعلام العالمي ووسائل الاتصال الحديثة. لم يعد يكفي قتل الصحفي الفلسطيني بل أن نشر صورةٍ عن إرهاب الصهاينة صار ممنوعاً يؤدي لحجب ولوجك لما اعتدت عليه من وسيلةِ اتصال. قديماً قالوا الصورة عن ألف كلمة. صورةَ تلك الفتاة الطفلة الڤيتنامية عارية الجسد الهاربة من القصف الأمريكي حرَّكت جامعات أمريكا لوقف الحرب. صورة الرُضَّع الشهداء الفلسطينيين تفعل الشيئ نفسه.
زارَ وفدٌ أمريكيٌّ نيابيٌّ يعني بالأمن القومي و الاستخبارات السعوديةَ فالتقاهُ ولي العهد في مخيمهِ الصحراوي و جلس معهم جلسةً عربيةً. قالوا أنه أراد أن يُرسلَ رسالةً لهم. لا أدري ما هي الرسالة غير أن صورةَ اللقاء نَمَّتْ عن أُلْفةٍ و حميمية. العربي يلتقي ضيوفَهُ القريبين بهذا الشكل. هل تريد السعودية أن تقول نحن لا نزال أحباء. لا أدري. ثم التقي ولي العهد بالوزير بلينكين في نفس المخيم و تصورا مبتسمين لكن بلينكين الذي كان بالبدلة الداكنة خلع ربطة عنقه. في الرسميات يُعَدُ خلع ربطة العنق خلعاً لبعض الرسميات. رسالةٌ ثانية؟ القذافي كان يلتقي ضيوفه بالمخيم البدوي الذي التقى فيه مع صديقته كوندوليزا رايس وكان يأخذه معه حيثما يسافر حتى أنه نصبهُ في پاريس. لم يشفع له عمود الخيمة حين سقط في عصرِ هيلاري كلينتون وبقيت الصور بينما هو اندثر. عمودك شعبك كما في “حكمت فعدلت فأمنت فنمت”.
في الدوحة التقى الأمير بأنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي الذي أتى بالبدلة الداكنة و الحذاء الأسود. التقاهُ الأمير لابساً الدشداشة و البشت و النعال. النعال وليس الحذاء! هل ترى في هذا رسالة؟ عندما شاهدتُ الصورة قفزت الذاكرة لرامي الهاون الفلسطيني في غزة الذي كان يرتدي الببوج و هو نعالٌ رخيصٌ غالباً انه صُنِع في الصين لكنه فعَّالٌ في مرمغةِ الصهاينة و تقديمهم لملكِ الموت. هل أراد الأمير بنعالهِ مقاربةً مع الببوج؟ لا أدري. لكنها الصورة. في الصين و روسيا كان المغضوب عليهم ممن كانوا قادةً يُمْحَوْنَ من الصور. فوتوشوپ سياسي. في إحدى البلاد الإقليمية إن لم تحترم صورة القادة المؤسسين تتبهدل.
“فبصركَ اليوم حديد”. قيل عند النزع يرى المرء ما لم يكن يستطيع رؤيتهُ. قيلَ أنها صورٌ سريعةٌ من ماضيهِ تُذَكِّرُهُ بما فعل، وقيلَ أن بصره يتسع ليرى أينَ و كيف سيكون بعد الممات. لكنها الصورة كيفما كان التفسير فلم يعد من تلك اللحظة أحدٌ ليقول بما رآه البصر. الصورة تُفرحُ وتُبكي وتشي وتُخفي حتى في اللحظات الأخيرات.
الصورةُ التي تعيش معنا و تعود لنا هي صورتين: المقاوم بتصميم و المُنكسرُ الصهيوني غصباً. غيرهما عبث.
*كاتب اردني ودبلوماسي أُممي سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أزمة قيادة فلسطينية غير مسبوقة!

د. إبراهيم ابراش* في بداية مارس 2016، كتبنا مقالاً بعنوان: (الخوف على السلطة من السلطة)، …