بقلم/ فيصل مكرم*
▪︎يتوقع المتفائلون والمرحبون بقرارات محكمة العدل الدولية، بأن إسرائيل باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى في موقع المُتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وفقًا لقرار المحكمة الإجرائي الاحترازي، وقبولها الدعوى التي تقدمت بها دولة جنوب إفريقيا -بهذا الشأن- ولو لم تجد المحكمة في حيثيات الدعوى -ما يستلزمها قانونيًا القبول بها بحكم اختصاصها- لكانت رفضتها كما كانت إسرائيل وواشنطن تطالبانها منذ البداية، وبالرغم من أن محكمة العدل الدولية طلبت -الجمعة- من حكومة الحرب الإسرائيلية الالتزام باتخاذ حزمة من التدابير، التي تمنع التحريض على ارتكاب جرائم إبادة جماعية، وتحسين الوضع الإنساني لسكان غزة، وألزمت إسرائيل بتقديم تقرير خلال شهر حول تنفيذ هذه المطالب التي تبدو -في مضمونها وأبعادها- إنجازًا تاريخيًا للقضية الفلسطينية وتقريب حل الدولتين، وفي ظاهرها تحمل الكثير من التساؤلات حول طبيعة الضغوط السياسية لحلفاء إسرائيل على المحكمة الدولية -كما يعتقد المُتشائمون- من قرارات المحكمة الاحترازية لأنها لم تتضمن نصًا واضحًا ومُلزمًا لإسرائيل بوقف الحرب مادامت لدى المحكمة مؤشرات على ارتكابها جرائم إبادة جماعية جعلتها تقبلُ النظر في دعوى جنوب إفريقيا فلماذا لم تقرر وقفَ الحرب، واكتفت بمطالبة إسرائيل بالالتزام بجملة التدابير التي قررتها وتركت لها تقديم حيثيات التزامها خلال شهر، وتلك التدابير لم تتطرق إلى إلزام إسرائيل بتمكين النازحين في قطاع غزة بالعودة إلى منازلهم ووقف كل الإجراءات التي تحول دون ذلك، وعدم تجريف الأراضي السكنية، والتوقف عن هدم المنازل والمنشآت الخدمية والمستشفيات والمدارس، للحد من معاناة السكان، وبالطبع سارع نتنياهو بوصم المحكمة الدولية بالعار، واتهمها وزيرٌ متطرف بمعاداة السامية، ومع ذلك اعتبر نتنياهو القرارات بأنها -ضمنيًا- تعترف بحق إسرائيل بالدفاع عن النفس رغم الطعن في اختصاصها، ▪︎وما يثير الكثير من التساؤلات أن المحكمة ألزمت المتهم «إسرائيل» بالحفاظ على جميع الأدلة التي تحتاجها في هذه القضية. وفي الوقت الذي كانت فيه محكمة العدل الدولية تصدر قراراتها الاحترازية التي بلا شك يتطلب تنفيذها وقف الحرب، كانت واشنطن تستعد لإرسال المزيد من الطائرات الحربية والذخائر والقنابل والمعدات العسكرية إلى الجيش الإسرائيلي لكي يتمكن من الاستمرار في حربه الهمجية وجرائم الإبادة في غزة وهذا لايُبشر بحدوث اختراق قريب من قبل الوسطاء إضافة إلى عدم فاعلية الضغوط القانونية والدولية، لجهة وقف الحرب على المدى المنظور، خاصة أن حكومة الحرب الإسرائيلية تحاول إفشال جهود الوساطة القطرية والمصرية برعاية أمريكية، بجر الوسيطين -القطري والمصري- إلى دائرة خلافات وتجاذبات معها بأساليب مستفزة، تربك تلك الجهود وتهدف إلى إفشالها، وتربك حسابات الرئيس الأمريكي وإدارته في التعاطي مع التطورات في المنطقة، وعدم توقف نتنياهو عن محاولاته توسيع الصراع في الشرق الأوسط وجرّ الولايات المتحدة إلى أَتُونِهِ في وقت يحتم على الرئيس بايدن التفرغ لمعركته الانتخابية المُغلفة بالكثير من التحديات الداخلية والسياسية، التي قد تطيح به من البيت الأبيض وتأتي بغريمه اللدود والناقم ترامب مرة أخرى إلى المكتب البيضاوي.
▪︎وفي تصوّري أن واشنطن تشعر عمليًا بأن نتنياهو نجح إلى الآن في تمديد زمن الحرب على غزة وبالتالي: التمديد لنفسه أكبر وقت ممكن في رئاسة الحكومة المُتطرفة التي تحتمي بستار الولايات المتحدة، لكن نتنياهو رغم رهانه على حليفه الأمريكي، لابد أنه وكل دوائر الحكم والسياسة في إسرائيل يسودُها القلق من دخول إسرائيل لأول مرة في تاريخها دائرة الاتهام بارتكاب جرائم إبادة جماعية أسقطت القناع عن وجهها القبيح ولا تستبعد أن تضيق الدائرة عليها حتى وإن استمرت محاكمتها بارتكاب هذه الجرائم.
*نقلا عن جريدة الراية
fmukaram@gmail.com
@fmukaram
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر