د.طارق ليساوي*
نعلم علم اليقين أن القوة لا تحدها إلا القوة ، لذلك فإن هذا الميثاق الأممي المعتل والأعرج، لن يعدل إلا بعد حرب تتغير بموجبها موازين القوة ، و لعل حرب طوفان الأقصى ستكون الحرب الفاصلة التي ستغير النظام الدولي القائم ، و تغير بالتبعية بنود الميثاق الأممي القاصر والعاجز عن إقامة العدل و إنفاذ مبادئ القانون الدولي المعطل إلى حين..
والواقع أن ما يحدث بغزة فاق كل الجرائم، لدرجة أن مصطلحات الإبادة الجماعية و جرائم الحرب و التطهير العرقي ، لم تعد كافية للتعبير عن حقيقة الوضع و فظاعة الجرم الممارس في حق شعب ، لا ذنب له إلا سعيه نحو التحرر من الاحتلال الصهيوني ، و فك الحصار البري و البحري و الجوي المفروض على قطاع غزة منذ 2006..و حلول شهر رمضان الفضيل توفي طفلان فلسطينيان، بسبب سوء التغذية ونقص الإمدادات الطبية في شمالي قطاع غزة، ما يرفع حصيلة ضحايا الجوع في القطاع إلى 27 في أول أيام شهر رمضان…
مشهد التجويع الممنهج و المخطط لشعب غزة، تم التعبير عنه بسخرية فاضحة و عنصرية في صحيفة “ليبراسيون” اليسارية في فرنسا، و التي نشرت رسما كاريكاتوريا عنصريا حول شهر رمضان في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب إسرائيلية مدمرة منذ 7 أكتوبر، في خطوة أثارت انتقادات واسع…الرسم الكاريكاتوري الذي رسمته كورين ري، يتناول كيفية بدء شهر رمضان في غزة التي تشهد مأساة إنسانية ومجاعة جراء الحصار الإسرائيلي.
ويظهر في الرسم الذي يحمل اسم “رمضان في غزة” امرأة وبجانبها طفل وقد تدلى لسانه، ويد إنسان عالق تحت الأنقاض، ورجل غاضب وقد سال لعاب فمه، إلى جانب فئران ينتشرون يمنة ويسرة وفي أفواههم قطع من العظم.
الرجل الغاضب الذي يسيل لعابه يظهر في الرسم وهو يطرد الفئران لالتقاط قطع العظم، فيما تظهر المرأة وهي تقول للرجل: “لا يمكن ذلك قبل غروب الشمس!”.
والواقع أن الرسم محزن جدا، و معبر عن مأساة إنسانية و أخلاقية ، يعبر عن سقوط الإنسانية في بئر العنصرية و إزدواجية المعايير ، لكن لن ألوم الغرب و العالم الصهيو صليبي!! سأوجه اللوم إلى أمة المليارين التي تنفق الثروات القارونية في اللهو و الطرب و دراما رمضان، و ما لذ وطاب على موائد الإفطار بينما غزة التي تدافع عن شرف الأمة و مقدساتها يتضور أهلها جوعا ..
وأتوجه بشكل خاص إلى دول الطوق و الجوار الجغرافي لغزة، وخاصة مصر والأردن، كيف لشعب مصر أن يقبل بغلق معبر رفح؟ خاصة و أن قوافل الإغاثة على أبواب معبر رفح، قادرة على إغراق غزة بالطعام و الإحتياجات الأساسية، بينما السلطات المصرية تستمر في إغلاق المعبر وبشهادة الكيان الصهيوني وأمام محكمة العدل الدولية !!
على الشعب المصري الشهم أن يقوم بدوره التاريخي والإنساني والعقدي في نجدة غزة، وعلى الأمة أن تبادر بتقديم كل الدعم لأهل غزة و المساهمة بكثافة في إعمارها و فك الحصار عنها، إننا على يقين أن في هذه الأمة خير ، لكن السؤال الذي يحيرني لماذا يغلق “نظام السيسي” معبر رفح؟! إذا كان يخشى الدخول في مواجهة عسكرية مع الصهاينة، فإننا على يقين أن الكيان الصهيوني يخشى مصر و تحديدا شعب مصر العظيم ، العصي عن كل مخططات التطبيع والتفقير والتجويع.. نقولها وبصراحة شديدة نظام السيسي يعمق معاناة إخوتنا في غزة ..
أما جرائم الصهاينة والحلف الصهيو -صليبي ومخططاتهم السوداء، واضحة ومعلومة، وما يحدث في غزة إمتداد طبيعي لحقد متجذر على الإسلام و أهله ، و يكفي العودة للتاريخ القريب لفهم هذا الحقد و الإجرام البنيوي، و سأكتفي بسرد كرونولوجي لأحداث قريبة، تفسر لنا السير العام للأحداث، فجرد مآسي وجراح الأمة في قرن تقريبا، يعطي صورة واضحة أن الحرب في جوهرها على العقيدة، و إن كانت هناك عوامل اقتصادية و جيو- استراتيجية لا ينبغي استبعادها، إلا أن المستهدف هو الإسلام، ومن يستهجن هذا الكلام ويحاول إنكاره فلينظر في هذه الأحداث:
1917 كان وعد بلفور الذي أعطى فلسطين لليهود، وأنشأ وضعا جديدا على أساس أن لليهود حق تاريخي في أرض بلا شعب و شعب بلا أرض، فقد مر اليوم قرن على معاناة الشعب الفلسطيني الذي فقد دفع من أرضه و عرضه و دمه الكثير و لازال يعاني..
1948 مذابح “دير ياسين” وغيرها ضد الشعب الفلسطيني، من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.. ونفس العدو قام بمذبحة “صابرا و شاتيلا” بلبنان عام 1982، وفي نفس العام نفذ نظام حافظ الأسد مذبحة حماة التي راح ضحيتها حوالي 30000 مسلم.. كما شهدت الجزائر في مطلع التسعينات مذابح دموية، بعد الانقلاب على شرعية صناديق الاقتراع، و رفض صعود جبهة الإنقاذ الإسلامي للحكم، وقد تم الانقلاب بمباركة من الغرب المسيحي، ودخلت الجزائر عشرية دموية ذهب ضحيتها الآلاف من المدنيين…
1992 بداية مأساة “البوسنة و الهرسك” و التي امتدت إلى حدود 1995، مذابح ضد المسلمين على يد الصرب الأرثوذكس، و لم يكد نزيف دم البوسنيين يتوقف ، حتى شهد إقليم “الشيشان” المجاور نفس الأحداث سنة 1996، فقد استكثرت روسيا على هذا الإقليم المسلم حصوله على الاستقلال، وهي التي أعطت عن طواعية استقلالا مماثلا لأزيد من عشر دول كانت تابعة للاتحاد السوفيتي المنهار، لكن في الشيشان قامت بتدمير”غروزني”وتشريد وتهجير مئات الآلاف من مسلمي الشيشان …
1997-2000 شهدت إفريقيا الوسطى مذابح عرقية ضد المسلمين في ظل صمت دولي مريب، و لازال عملية التصفية تتم في مالي و غيرها بمباركة من المحتل السابق، المسيحي الكاثوليكي طبعا..
2011 كان تاريخ انطلاق ثورات الربيع العربي التي كانت في بدايتها سلمية، لكن بمجرد استرجاع الشعوب لإرادتها الحرة و سعيها إلى بناء و التأسيس لنظم حكم حرة ومعبرة عن إرادة الناس، تم الانقلاب على هذه الإرادة بتحالف أسود و دموي بين الغرب، و فلول أنظمة الاستبدادية و معهم بعض حكام الخليج، الذين وظفوا موارد البيترودولار، في وأد الانتقال الديمقراطي في مصر و تونس و ليبيا و سوريا و اليمن، و فضلوا لون الدم على أن تملك هذه الشعوب حرية الاختيار..
هذا باختصار شديد ملخص لجراح الأمة الإسلامية والعربية، التي لازال بعضها ينزف بحدة، بل اتسعت دائرة الجرح جغرافيا، لتصل إلى شبه الجزيرة الهندية و على مشارف حدود الصين، و تحديدا مجازر بورما التي تتم ضد مسلمي الرويهنجيا، و الممارسات القمعية التي يتعرض لها شعب الإيغور..
الواقع أن الغرب “يكيل بمكيالين” و يتعامل مع الشعوب الغير منتمية لحضارة الرجل الأبيض بنوع من الاستعلاء و الأستاذية، فهو يفرض وصاية على إختيارات هذه الشعوب، و حتى عندما يدعو إلى الاحتكام لصناديق الاقتراع فهو يحدد سلفا نوعية النتائج التي يؤيدها و يقبل بها، فإذا جاء الإسلاميين أو الوطنيين على غرار “محمد مصدق” الذي لم يكن محسويا على تيار الإسلام السياسي، فهؤلاء غير مرحب بهم .. و لا حرج حينئذ من الانقلاب على نتائج صناديق الاقتراع ، و هذا المنهج رأيناه يتكرر في ثورات الربيع العربي، فنجاح الثورات المضادة في إفشال ثورات الشعوب، ما كان ليتحقق لولا دعم الغرب ووسائل إعلامه المتمرسة في شيطنة الأعداء ..
و في الختام ، رحم الله شهداء غزة و أسكنهم فسيح جناته و الصبر و السلوان لذويهم ، و الشفاء العاجل للجرحى و المصابين .. حفظ الله غزة و أهلها و حفظ كل أقطارنا العربية و الإسلامية من فيروس سرطاني إسمه “الصهيونية” ..ونسأل الله تعالى أن يمن بالحرية على الأسرى وأن يعيدهم لأهاليهم سالمين غانمين، وعاشت فلسطين من بحرها إلى نهرها عربية إسلامية درتها المسجد الأقصى المبارك، و في الختام رسالة خاصة لأهل الرباط بغزة الأبية وبعموم فلسطين لا تنسونا من صالح دعواتكم في هذه الأيام المباركة.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
*كاتب وأكاديمي مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر