نواف الزرو*
في اطار حربها الشاملة على الشعب العربي الفلسطيني، تبتدع سلطات الاحتلال دائما المزيد والمزيد من سياسات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين التي تشتمل من ضمن ما تشتمل عليه المحارق والمجازر الجماعية والتهجير-الترانسفير- الجماعي لاكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، إضافة الى التدمير الشامل للمكان الفلسطيني، كما يجري منذ اكثر من خمسة شهور في غزة، في الوقت الذي تشن فيه حرب ابادة سياسية ضد القضية والملفات والحقوق الفلسطينية، كي يتسنى لها في نهاية الامر الاجهاز عليها وتثبيت “اختراع وبقاء واستمرار ذلك الكيان لاطول مدة زمنية ممكنة.
وفي هذا الاطار والسياق التطهيري الابادي ابتدعت الدولة الصهيونية ما يمكن ان نطلق عليها “فلسفة أو نهج أو استراتيجية العقوبات والاعتقالات والمحاكمات الجماعية ” الرامية الى تفكيك وتهميش واضعاف صلابة جدران المجتمع الفلسطيني المقاوم.
وفي سياق هذه الفلسفة-الاستراتيجية أصدر نتنياهو أوامره بإعداد وتجهيز آلاف أماكن الاحتجاز في سجون الاحتلال الإسرائيلي لكي تستوعب المزيد من المعتقلين والأسرى الفلسطينيين، في ظل حملة الملاحقات المتصاعدة التي يشنها الاحتلال على الفلسطينيين في الضفة والقدس المحتلتين ومناطق الـ48، على خلفية الحرب على غزة-وكالات-10/03/2024 –”، وذكر البيان الصادر عن مكتب نتنياهو أن تقديرات الجيش الإسرائيلي والشاباك تشير إلى أنه “سيتم اعتقال آلاف الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية خلال العام 2024”. ولفت البيان إلى أنه “منذ اندلاع الحرب، تم اعتقال حوالي 4000 فلسطيني، معظمهم من قطاع غزة، وهناك حاجة ملحة للتحضير لاستقبال المزيد من المعتقلين والأسرى”، بينما جاء في تقارير فلسطينية إنّ “قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت عمليات الاعتقال الجماعي بحق الفلسطينيين، حيث ارتفعت حصيلة الاعتقالات الجماعية منذ بدء معركة “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى نحو 7530، وهذه الحصيلة تشمل من جرى اعتقالهم من المنازل، وعبر الحواجز العسكرية، ومن اضطروا لتسليم أنفسهم تحت الضغط، ومن احتجزوا كرهائن- رام الله- “القدس” دوت كوم= الإثنين 11 مارس 2024″.
في حين كان مركز فلسطين لدراسات الأسرى اكد بأنه رصد (30 ألف) حالة اعتقال لفلسطينيين من كافة الشرائح منذ اندلاع “هبة القدس” في الأول من أكتوبر لعام 2015 ، وقال الباحث “رياض الأشقر” مدير المركز أن الاعتقالات أضحت ظاهرة يومية يستخدمها الاحتلال كأداة من أدوات القمع، والعقاب الجماعي لمحاربة الشعب الفلسطيني، حيث لا يمر يوم إلا ويُسجل فيها حالات اعتقال في عملية استنزاف بَشرى متعمد، في حين اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 120 ألف فلسطيني منذ اندلاع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، في 28 أيلول/ سبتمبر عام 2000، بحسب ما أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية-: 28/09/2020″.
ووفق تقرير عن الاسرى الفلسطينيين، فانه لم تعد هناك عائلة فلسطينية إلا وتعرض أحد أو جميع أفرادها للاعتقال، وهناك من تكرر اعتقالهم مرات عديدة ، حتى أن ” الاعتقال والسجن والتعذيب ” أضحت من المفردات الثابتة في القاموس الفلسطيني، وجزء من الثقافة الفلسطينية .
تستهدف دولة الاحتلال من وراء الاعتقالات الجماعية التضييق علي المناضلين المقاومين والإنتقام منهم ومن شعبهم، ومحاولة اذلالهم وافراغهم من محتواهم الوطني والثوري وقتلهم ببطئ شديد نفسيا ومعنويا، وان أمكن جسديا أو توريثهم لبعض الأمراض لتبقى تلازمهم داخل الأسر أو لما بعد التحرر، وتحويلهم الى عالة على أسرهم ومجتمعهم .
وقد نظر أبرز قادة دولة الاحتلال أيضاً إلى العقوبات الجماعية المتنوعة الشاملة ضد الشعب العربي الفلسطيني ، وإلى الاعتقالات والمحاكمات بالجملة .. التي شملت كافة أبناء الشعب العربي الفلسطيني ، وذلك في إطار سياسة قمعية صريحة تستهدف النيل من مقومات وروحية الصمود والبقاء على الأرض لدى أبناء شعبنا وأهلنا هناك .
فمنذ البدايات الأولى للاحتلال الإسرائيلي أعلن موشيه ديان وزير الحرب آنذاك معقباً على انتهاج سياسة الاعتقالات والمحاكمات بالجملة : ” سوف تخرج السجون الإسرائيلية معاقين وعجزة يشكلون عبئاً على الشعب الفلسطيني ” ، وهي السياسة التي انتهجتها تلك الدولة بصورة مكثفة واسعة النطاق خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى 1987-1993 ، لدرجة أن الاعتقالات الجماعية طالت حسب المصادر الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء ما بين 750 – 850 ألف فلسطيني على مدى سنوات 1967-1987 ما دعا اسحق رابين وزير قمع الانتفاضة في حكومة اسحق شامير آنذاك إلى الإعلان أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية” أن الانتفاضة هي مواجهة بين كيانين ، ودليل ذلك هو العدد الكبير جداً من المعتقلين الفلسطينيين “، مشيراً إلى ” أن حل مثل هذا الصراع لن يكون إلا بواسطة سياسة عسكرية مشتركة “، مؤكداً في ختام كلمته على ” أنه طالما هناك انتفاضة سيبقى كتسيعوت “، مشيراً بذلك إلى معسكرات الاعتقالات الجماعية للفلسطينيين ، والتي كان من ابرزها معسكر كتسيعوت في صحراء النقب . الأمر الذي كشفت النقاب عن ابعاده مصادر إسرائيلية عديدة أشارت قائلة :” بدون مبالغة يمكن القول بأن الفئات الهامة من بين الطبقات الفاعلة في الانتفاضة الفلسطينية ، أو على الأقل الجزء الأكبر منها ، قد مرت عبر معسكر ” أنصار – 3 ” في النقب الذي تحول إلى فرن صهر وطني فلسطيني يصهر ويبلور الكوادر الحية للانتفاضة “.
فسياسة الاعتقالات والمحاكمات الجماعية ومعسكرات الاعتقال كانت إذن منذ البدايات الأولى للاحتلال جبهة مفتوحة ساخنة قمعية إرهابية ، أريد من ورائها القمع والقتل المعنوي والجسدي ، ودفن المناضلين الفلسطينيين وهم أحياء ، وقتل معنويات الشعب العربي الفلسطيني وشل حركته باعتقال قادته ونشطائه ومناضليه على أوسع نطاق ممكن ، وقد وصلت هذه السياسة الاعتقالية ذروتها خلال الانتفاضة الأولى، واستمرت خلال انتفاضة الاقصى،/2000، وتواصلت حلال انتفاضة السكاكين ثم خلال انتفاضة البيوابات الالكترونية المقدسية وما تزال متصلة حتى كتابة هذه السطور وليس من المنتظر أن تتوقف إطلاقاً طالما بقي الاحتلال ، فـ ” طالما هناك احتلال وقتل .. طالما هناك انتفاضة ومقاومة .. وطالما هناك بالتالي “كتسيعوت ” كما قال رابين”.
غير أن معاناة الشعب الفلسطيني لا تتوقف عند حدود الاعتقالات والمحاكمات الجماعية، واعتقال اكثر من مليون فلسطيني، وإنما تمتد إلى كافة مجالات الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية . فنحن نقرا الاجماع السياسي الاسرائيلي هناك وراء: الموت للعرب “، و”فليضرب السجناء القلسطيتيون حتى الموت”، و”لن يعالج اي سجين مضرب في المستشفيات الاسرائيلية “، ولنعود بالتالي الى بدهيات الصراع الموثقة على لسان رابين بانه “صراع بين كيانين”، ولذلك ايضا ليس غريبا حسب تصريح بالغ الاهمية للسفير البلجيكي-سابقا- لدى”اسرائيل” ولفريد جينز قال فيه:”حولت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة الى اكبر معسكر اعتقال في العالم”، وذلك بغية تحقيق اهم واخطر هدف لسياسة البلدوزر الصهيوني وهو “الابادة السياسية للشعب الفلسطيني”.
ولعلنا نثبت في ضوء كل هذه المعطيات حول فلسفة الاعتقالات الحماعية الاحتلالية وحول الحركة الأسيرة الفلسطينية ومسيرة النضال والدم والألم والمعاناة والبطولة للأسرى الفلسطينيين، وفي ضوء معطيات المشهد الفلسطيني كله على امتداد خريطة الأراضي المحتلة التي حولها الاحتلال إلى أضخم معسكر اعتقال على وجه الكرة الأرضية:” ان فلسطين تدق على جدران الصمت والعار والتطبيع العربي، وتعلن حاجتها الملحة والعاجلة جداً إلى أزمة ضمير وأخلاق ومواقف وطنية وقومية، وليس إلى بيانات واستعراضات، وتعلن حاجتها إلى من يتطلع إلى الحقول الخضراء في إنسان يحصد قمح حريته منذ أن حل الاحتلال ولم يتعب “..؟!!
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر