الجمعة , مارس 27 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / بزشكيان ليس خطرا..!

بزشكيان ليس خطرا..!

طالب الحسني*
في المئة عام الأخيرة أمكن رؤية ثلاثة اتجاهات متباينة متقاربة بنسب متفاوتة واحيانا متباعدة إلى حد كبير في التعامل مع التحديث والتطور المستمر في كل الجوانب المتصلة بالانسان بما يجعل مرور من 3 إلى 4 عقود كافية لتشكيل نسختين مختلفتين من الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والسياسي والعسكري ، وبالتالي تشكيل جيلين مختلفين .
لقد نشأت هذه الاتجاهات الثلاثة من الكيفية التي تعاملت بها وخصوصا إزاء ما يتعارض مع القيم والمبادئ والهويات الدينية والأخلاقة وصولا إلى الأعراف والأسلاف والتقاليد والموروثات الاجتماعية
مع إيقاع التحديث السريع تستمر ولادة عشرات الظواهر الجديدة .
التيار الأول: ولربما أصبح السائد الآن ترك الأمور على ماهي عليه وحاول تطويع أو خلق قوانين تتوافق مع الظواهر التي ينتجها التحديث ، مع تركه مسألة الدين والتدين جزءا من المشهد وليس كله ، على أنه غيّر وبدّل واجتز أجزاء كبيرة خصوصا في التشريعات المختلفة وما يسمى بالقوانين المدنية .
الاتجاه الثاني: حاول الجمع بين التعايش وتقبل التحديث المستمر وتطويعه من خلال تقنينه وضبطه بما لا يتعارض مع القيم الدينية والنظم الأخلاقية بهدف التمسك بقداسة الدين وشموليته على كل القوانين .
الاتجاه الثالث: اختار الصدام دون تقديم طريقة للتعامل مع التغير القسري.
عندما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني ، ألغت الثورة فورا نظرية الانصهار والتغريب التي انتهجها نظام شاه ايران محمد بهلوي ، لصالح تثبيت نظاما إسلاميا يتعامل مع صور الحداثة المتجددة ولكن منظور ديني أخلاقي وقيمي محافظ .
لقد وجهت هذه الخطوة حينها ضربة قاسية للفكر الشيوعي الذي اعتبر الاديان والتدين متعارض مع التقدم والحداثة والتطور وقدمت كل الأديان كجزء من التخلف غير القابل لمواكبة الحداثة .
أعادت الثورة الاسلامية في ايران تقديم الإسلام كمشروع حضاري أكمل من شبه الحضارات التي تتكون في اوروبا وأمريكا غربا ودول الاتحاد السوفيتي والصين شرقا .
لم يكن ذلك مجرد تنظير مثلما يحدث في البلاد العربية التي لا تملك مشروع حتى الآن رغم إسلامية شعوبها . بل خطط واستراتيجية عملية جعلت ايران واحدة من القوى الفاعلة والمؤثرة في المنطقة والعالم ، متجاوزة الحصار والعداء الغربي وبعض الاسيوي وحتى العربي.
وهي تتجه نحو إتمام نصف قرن لا تزال الثورة الاسلامية في إيران تواجه الانصهار في التحديث المفتوح والتغريب عبر التخلي عن المبادئ والقيم الدينية والاخلاقية تحت عنوان ” الحريات ” وهو السلاح الأخطر الذي تستخدمه الولايات المتحدة والدول الغربية ضمن مشروع إسقاط الثورة أو تغيير سلوكها وهو مشروع تجاهر به الولايات المتحدة الأمريكية وتعمل على تقويته بكل الوسائل .
إن العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية لا تستهدف الاقتصاد الإيراني ومنع طهران من التطور الاقتصادي و العسكري والتكنولوجي وتحاول إيقاف نشاطها في المنطقة فحسب وإنما أيضا تهدف إلى تثوير الشعب الايراني ضد الثورة .
هذه معركة مفتوحة منذ عقود ، وهي واحدة من أطول الحروب الباردة وبدأت تتجاوز الحرب الباردة الأمريكية مع الاتحاد الروسي التي استمرت نحو 45 عاما .
ومثلما أن الجمهورية الإسلامية نفسَها طويل وعصامية ولم تستسلم حتى الآن وهي تقطع العقد الخامس من عمرها ، أيضا خصومها يعملون بنفس طويل ويستخدمون كل الاسلحة ضدها ، والأخطر أن رهانهم الأكبر على هزيمتها من الداخل .
صحيح أن ” الحركة الخضراء ” ( جنبش سبز ) في العام 2009 وهي أخطر أزمة واجهتها الثورة الاسلامية في إيران سقطت ، لكن رموزها ومشروعها وروحها لا تزال موجودة وتعبر عن نفسها بأشكال متعددة ، وكانت نتاج سنوات من التكوين المباشر وغير المباشر ، لأنها لم تكن وليدة اللحظة وردة فعل تجاه فوز أحمدي نجاد على حسين أمير موسوي .
عندما خرجت الثورة الايرانية من حرب الثمانية أعوام نهاية ثمانينات القرن الماضي وتغلبت على محاولة إسقاطها باستخدام القوة والحرب بالنيابة ، كان الطبيعي أن تتجه نحو القطيعة الكاملة مع خصومها والتركيز فقط على هزيمة العقويات والعزل من خلال الاعتماد على نفسها ومواردها وحيويتها ، وهذه كانت ولا تزال رؤية السيد علي خامنئي الذي انتقل حينها من الرئاسة إلى قيادة الثورة بعد وفاة الامام الخميني
وفي الحقيقة هذا ما حدث ، بفعل مركزية الثورة وتأثيرها القوي .
لكن وبالتزامن مع ذلك أسس الرئيس محمد خاتمي وقبله هاشمي رفسنجاني وهو على رأس السلطة أول خطوات مفارقة الثورة التي خرج من رحمها
أعني هنا التيار الإصلاحي عندما نادى بالانفتاح والحوار مع الغرب .
لاحقا أبدا خاتمي تنازلا كبيرا عن المبادئ والقيم الاسلامية والأخلاقية التي جاءت الثورة الاسلامية لتثبيتها كجزء من هويتها .
تدريجيا أسس التيار لنفسه خطا أبرز سماته أنه في كل مرة وفي كل معركة انتخابية يقدم تنازلات جديدة عن أهداف الثورة لكسب اصوات وأرقام تمنحه البقاء أو الوصول إلى السلطة.
إن الاعتدال الذي يطلق على التيار مقابل التيار الأصولي هو من شكّل مشروعه وعقيدته السياسية وكل ذلك قائم على مزيد من النحت في الهوية الاسلامية المحافظة للثورة الاسلامية ، وخلال الحركة ” الخضراء ” ظهرت دعوات تنادي بإسقاط ولاية الفقيه، مركز الإجماع .
يعتقد جزء كبير من مفكري التيار ومثقفيه وحتى بعض رموزه أن هذا المسار الذي ينتهجه مهم لاحتواء الاجيال الشبابية المتطلعة للانفتاح والعصرنة ومواكبة التحديث ، وبالتالي سحب هذا السلاح من خصوم الثورة ،
لكن الواقع يقول أن التيار يدعم ما يهدم الجمهورية الإسلامية ويشجع ما يتعارض مع هويتها وهذا تحديدا ما يريده خصوم إيران وليس العكس ، فبقاء الثورة متماسكة والإلتفاف الشعبي حول مشروعها التحرري هو ما يجعل أعداء الثورة دون أداة داخلية.
من الواضح أن الجمهورية الاسلامية خسرت تحولا كان قد بدأ بوصول الرئيس الراحل السيد ابراهيم رئيسي إلى رئاسة السلطة كمحافظ اصولي له شعبية واسعة ومرشح لخلافة السيد علي خامنئي بعد 8 سنوات جدلية من رئاسة روحاني ، ولا يزال من الصعب تعويض هذه الخسارة التي كان يمكن أن يقلل من تداعياتها فوز سعيد جليلي كمحافظ وواحد من أهم الاصوليين المقربين من السيد الخامنئي، وبالتالي أضيف إلى خسارة رئيسي العودة القوية للتيار الإصلاحي مجددا في توقيت ليس جيدا
وحتما ليست الإشكالية في الرئيس المنتخب مسعود بزشكيان الذي تعهد بالعمل تحت قيادة الإمام الخامنئي وانما الخطورة في المسار السياسي الذي ينتهجه التيار وهو يبتعد مع كل رئيس جديد يصعد منه عن الثورة الإسلامية خطوات خاصة أن التيار يدرك أن الطريقة التي كسب بها أصوات اضافية لهزيمة الأصوليين مرتبطة ارتباطا وثيقا بتجريد الثورة من ثوريتها والجمهورية من هويتها الإسلامية وهذا نقيض الثورة تماما .
*نقلا عن رأي اليوم

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثلاث سيناريوهات ستحدد مستقبل لبنان؟

  د. اماني سعد ياسين* من يظن أنّ هذه المعركة انتهت هو واهمٌ بالكامل! هذه …