الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / انتخابات امريكا والأقل ضرراً!

انتخابات امريكا والأقل ضرراً!

د. رجب السقيري*
كتبت في الآونة الأخيرة عدة مقالات حول انتخابات الرئاسة الأمريكية كان آخرها المقال الذي نشر بتاريخ 2024/08/23 بعنوان “أيها الأمريكيون العرب…انتخبوا أهون الشرين…كمالا هاريس” ، بينت فيه الأسباب التي تدعو إلى التصويت لصالح نائبة الرئيس الأمريكي ومرشحة الحزب الديمقراطي كمالا هاريس وذلك رغم أن موقفها من حرب إسرائيل على غزة متحيز لصالح إسرائيل وأنها كغيرها من السياسيين الأمريكيين والغربيين الذين يرددون في كل مناسبة ، تبريراً لجرائم الحرب وحرب الإبادة الإسرائيلية ، أن “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها” ، كما أن هاريس قد صرحت أكثر من مرة أنها إذا فازت في الانتخابات ستستمر في اتباع سياسة بايدن بتزويد إسرائيل بكل ما تحتاجه من أسلحة وبدون قيود ، وأن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن إسرائيل . أما الحدث الذي استفزّ الجالية العربية والإسلامية فهو رفض كمالا هاريس السماح لمتحدث فلسطيني بإلقاء كلمة في مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عقد خلال الشهر الماضي في مدينة شيكاغو وذلك أسوة ً بالمتحدثين الإسرائيليين الذين سمح لهم بمخاطبة المؤتمر .
لكن من ناحية أخرى نجد أن كمالا هاريس قد أكدت عدة مرات إيمانها بالحاجة الملحة إلى وقف إطلاق النار وإبرام صفقة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية لإطلاق سراح الرهائن ، كما أكدت في أكثر من مناسبة على “حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره” وهذه العبارة الأخيرة جديدة ولا تتردد كثيراً على ألسنة السياسيين في أمريكا. ثمة حدث آخر أعطى هاريس بعض الرضى من الجاليتين العربية والإسلامية وهو تغيبها بحجةٍ واهية جداً عن حضور خطاب نتنياهو في الكونغرس.
هذه الأمور تضع كمالا هاريس في نفس المسار الذي سار عليه الرؤساء الأمريكيون خلال العقود الماضية وبذلك تجعلها أهون الشرين ، ولمن يعتقد أن كلا المرشحين (هاريس وترامب) في غاية السوء ولا فرق بينهما ، وأن فوز أيٍ منهما سيلحق الضرر بالقضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى ، أقول أن تصويت العرب الأمريكيين ، لا سيما في الولايات المتأرجحة ، لصالح مرشح الحزب الجمهوري ، دونالد ترامب ، أو التصويت لصالح أيٍ من المرشحين المستقلين الذين لا يملكون أية فرصة للفوز ، أو حتى الامتناع عن المشاركة في التصويت عقاباً لكمالا هاريس على انحيازها لإسرائيل سيكون كارثياً بالنسبة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى لأن ذلك يعني فوز دونالد ترامب وعودته إلى البيت الأبيض الأمر الذي يعيد المنطقة مجدداً إلى صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية بما في ذلك ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل وتهجير سكانهما ، بالإضافة إلى توسيع حدود إسرائيل لتضم أراضٍ من الدول العربية المجاورة بما فيها الأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق والسعودية بغية تحقيق الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة “إسرائيل الكبرى” .
فرص الفوز لكلٍ من المرشحين
قد يقول قائل أيضاً أن فرص فوز كمالا هاريس ضعيفة وأن ترامب سيفوز على أية حال سواءً بأصوات العرب أو بدونها ، حيث أن الوقت مازال مبكراً كي تحكم الولايات المتحدة امرأة . هنا لابد أن نحتكم إلى
آخر استطلاعات الرأي التي تشير إلى تقدم ، ولو طفيف حتى الآن ، لكمالا هاريس يقابله تراجع الأصوات المؤيدة لترامب عدة نقاط . هذا بشكل عام ، ولكن إذا نظرنا إلى الوضع بدقة سيتبين لنا أن معظم الولايات أمرها شبه محسوم بالنسبة لكلٍ من المرشحَين ، وعليه فإن المنافسة تنحصر في ست ولايات يطلق عليها الولايات المتأرجحة ، ثلاثٌ منها في الشمال وهي : ويسكونسن وميتشيغان وبنسلفانيا ، وثلاث في الجنوب وهي: جورجيا وأريزونا ونيڤادا ، والبعض يضيف إلى الولايات الست المتأرجحة ولاية سابعة هي نورث كارولاينا .
وبما أن الانتخابات الأمريكية لا تتم عن طريق التصويت المباشر لمرشحي الرئاسة بل عن طريق ما يسمى المجمع الانتخابي electoral college بحيث يتم تخصيص عدد محدد من الأصوات لكل ولاية يتناسب مع عدد سكان الولاية ويتغير في كل موسم انتخابي حسب الزيادة أو النقص في عدد سكان الولاية ، على ألا يزيد المجموع الكلي للأصوات الموزعة على الولايات عن 538 وهذا الرقم هو حاصل مجموع عدد أعضاء مجلس النواب (435) يضاف إليه عدد أعضاء مجلس الشيوخ (100) كما يضاف إليه الأصوات الثلاثة المخصصة للعاصمة واشنطن Washington DC التابعة لمقاطعة كولومبيا والتي لا تتبع لأيٍ من الولايات الخمسين ، يصبح العدد 538 وعليه فمن يفوز بأغلبية الأصوات في أي ولاية تحسب له جميع الأصوات المخصصة للولاية . ومن يحصل من المرشحين على نصف المجموع الكلي زائد واحد يفوز بالانتخابات الرئاسية ، أي أن الفائز هو من يحصل على 270 صوتاً أو أكثر من أصوات المجمع الانتخابي .
في ضوء ما تقدم ما هي فرص كمالا هاريس بالفوز ؟
قبل انسحاب بايدن من السباق الرئاسي لم يكن الرئيس الأمريكي لديه أية فرصة للفوز ، لا سيما بعد أدائه الضعيف في المناظرة التلفزيونية بينه وبين ترامب ، وبعد احتجاجات الشباب في الجامعات الأمريكية والتحول الذي بدأ يشهده المجتمع الأمريكي لا سيما من الفئة العمرية التي ستشارك في الانتخابات لأول مرة ، حيث تم تحميل بايدن مسؤولية الإبادة الجماعية في غزة . ولكن ترشيح كمالا هاريس بديلاً عنه قد عدل الميزان قليلاً وقلص الفوارق بينها وبين ترامب ثم استمر هذا التحسن في فرص مرشحة الحزب الديمقراطي إلى أن أصبحت هاريس متفوقة بعدة نقاط على ترامب .
تشير معظم استطلاعات الرأي أن هاريس لديها الآن حوالي 226 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي في الولايات المحسوم أمرها، بينما لدى ترامب 219 صوتاً . أما في الولايات الست (أوالسبع) المتأرجحة فتشير الاستطلاعات أن هاريس متقدمة بنقطتين في كلٍ من تلك الولايات . كما تشير بعض التوقعات المتفائلة أن هاريس يمكن أن تفوز في السباق الرئاسي إذا فازت بالولايات الشمالية الثلاث فقط . ولكن هذه الأرقام ستظل قابلة للتغيير حتى يوم الاقتراع في الخامس من نوفمبر القادم . إضافة إلى أن فرصة هاريس بالفوز تتأثر بعدة عوامل لعل أهمها هو أداؤها في المناظرة التلفزيونية القادمة مع ترامب والمقرر أن تتم في العاشر من الشهر الجاري . كذلك فالتوقعات بأن تحصل هاريس على أغلبية من أصوات النساء وأصوات السود وجيل الشباب والمواطنين من أصول لاتينية ليست ثابتة ولا محسومة .
خلاصة القول
أعيد بإيجاز ولكن بكل تأكيد وبكل أمانة أنه ليس أمام العرب الأمريكيين في هذه الإنتخابات الرئاسية الأمريكية سوى تجنب كل ما يمكن أن يعطي ترامب صوتاً واحداً إضافياً إلى رصيده الشعبوي الكبير في الولايات المتحدة ويمكن أن يوصله مرة أخرى إلى البيت الأبيض . ولنعلم أن ما يمكن أن يفعله ترامب هذه المرة لتصفية القضية الفلسطينية وتوسيع حدود إسرائيل على حساب جيرانها العرب إضافة إلى أضرار أخرى لا يمكن إصلاحها بعد انتهاء عهده حتى لو جاء بعده رئيس أمريكي من أصول عربية أو حتى من أصول فلسطينية ، إذ أن أي رئيس أمريكي هو شريك في السلطة وليس الحاكم بأمره . وعندما يكون شريكه الآخر (أي الكونغرس) أكثر منه دعماً لإسرائيل وإنكاراً لحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وذلك بإجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، فلا فائدة ترجى من مقولة أن ولاية الرئيس تمتد لأربع سنوات فقط وأن كلا المرشحين دونالد ترامب وكمالا هاريس معادٍ للقضية الفلسطينية وقضايا أمتنا العربية . وعليه فإن الخيار الأسلم لجاليتنا العربية ومؤيديها هو التصويت لصالح كمالا هاريس وتجنب التصويت لدونالد ترامب وتجنب عدم المشاركة في التصويت ، بل وتجنب التصويت لأي مرشح مستقل ليس له فرصة في الفوز . كمالا هاريس رغم كل مساوئها فهي الأقل ضرراً ، وهي أهون الشرين
والله من وراء القصد
*باحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تفك اوربا ارتباطها بالولايات المتحدة؟

د. محسن القزويني* تمتد العلاقات الانجلوامريكية الى عهد الاحتلال البريطاني للولايات المتحدة والتي تعززت باللغة …