د. لينا الطبال*
تلك الدبابات التي كانت رمزا للقوة الإسرائيلية، تتحول الآن إلى مجرد حطام تحت أقدام المقاومين… لم تعد الدبابات الاسرائيلية سوى ألعاب أطفال متكسرة، يدوسها أبطال المقاومة، فالجيش الذي كان يعتبر نفسه لا يقهر، يجد نفسه عاجزا عن تحقيق أي تقدم يذكر على الحدود اللبنانية… بالفعل، لقد ضبطت المقاومة الميدان برؤية واضحة، كما لخصها الشيخ نعيم قاسم بقوله: “المقاومة لن تُهزم لأنها صاحبة الأرض”.
هنا، تبرز إشكالية العلاقة بين الجغرافيا والأيديولوجيا: أيهما يفرض سلطته في نهاية المطاف؟
الجغرافيا، بطبيعتها الثابتة والمستدامة تتفوق على الأيديولوجيا المتغيرة التي تتكيف حسب السياقات التاريخية والسياسية. فالأرض، بواقعها، تساهم في تشكيل الأيديولوجيات. من هنا مقولة “إذا غاب منا سيد، يأتي سيد آخر”، حيث يتناوب الأبطال والتنظيمات في مراحل المقاومة. فكلما غاب قائد أو انحلت قوة، ظهر خلفه من يستمد صلابته وقوته من إرث من سبقوه.
الجغرافيا هي القوة الصامتة، وهي المنصة التي تدور عليها الصراعات، حيث تتشكل هوية الأمم وتتحدد مصائر الشعوب. والوطن ليس مجرد مساحة جغرافية او حدود مرسومة على الخرائط، بل هو رمز لهويتنا ولانتمائنا… فالجغرافيا لا ترضخ للاحتلال ولا تنحني أمام الطغاة.
هل رأيتم أرضا احتُلت إلى الأبد؟
الأرض صابرة، ولكنها ثائرة. ستنتظر حتى يأتي يوم الحرية. لذلك فالجغرافيا هي الحاضنة الطبيعية للمقاومة، هي القوة التي تدفع الشعوب للصمود والمواجهة في وجه الظلم والعدوان …هي التي تحتضن المقاومين، وتوفر لهم الامن، وتمنحهم المعرفة بالطرق والمسارات التي تعزز جهادهم …. هنا، تتجسد أجمل علاقة حب بين المقاوم وأرضه، علاقة تتجاوز الزمان والمكان… فالمقاوم لا يقاتل من اجل ارض فقط، بل من اجل جزء من روحه.
تعكس القضية الفلسطينية بوضوح هذه الفكرة، فقد استمر النضال من أجل الأرض على الرغم من تغير الأيديولوجيات التي تبنتها الحركات المختلفة عبر العقود، بدءًا من حركة فتح، مرورا بالجبهتين الشعبية والديمقراطية، وصولا إلى حركة حماس. ورغم اختلاف هذه الحركات في توجهاتها، سواء كانت قائمة على القومية العربية او الكفاح المسلح او الإسلام السياسي، تظل فلسطين هي الجوهر، الأرض التي تتجاوز كل هذه الأيديولوجيات، والتي تدافع عنها الشعوب بكل ما أوتيت من قوة وإيمان.
لم تشهد عملية عسكرية مثل هذا الزخم الإعلامي التي شهدته عملية “طوفان الأقصى”. واستغلته اسرائيل لتشن حربا شاملة على كافة الجبهات، متسلحة بتضامن دولي غير مسبوق ضد بقعة صغيرة تكاد لا تُرى على خريطة العالم بالعين المجردة. ورغم محدودية حجمها الجغرافي، فإن غزة باتت رمزا للصمود والنضال، تستقطب تضامنا شعبيا عالمياً يتجاوز ايضا حجمها بكثير.
لقد بدأ العالم المتحضر حملته ضد غزة بسؤال واحد: “هل تدين حركة حماس؟”
وكأن هذا السؤال بات الشرط المسبق لأي حوار أو تعاطف مع قضيتنا. إنه سؤال يريد فرض أجندة احادية، تتجاهل اسباب هذا الصراع.
واليوم، هل يعتقد الإسرائيليون أن استشهاد “يحيى السنوار” والسيد “حسن نصر الله” وغيابهما عن الساحة سيجلب لهم النصر؟ أوانهم سيستيقظون ليجدوا غزة وقد ابتلعها البحر؟ ولبنان قد هُزم بفرقة موسيقية؟؟ حقا؟؟… هم يحلمون.
يجب على نتنياهو الاستيقاظ اذا ويحرر “الرهائن”…واضح ان مهمته قد اصبحت أكثر صعوبة.
نتانياهو مأزوم في لبنان أيضا… وهو يغرق هناك… والمفاوضات لتحرير “الرهائن” ستصبح أكثر تعقيدا. الم يكن من الاجدى تفادي كل هذا الخراب وانجاز عملية التبادل بسرعة وتبييض السجون.؟
– بلى، هناك من نصح نتانياهو بذلك. لكنه عالقا في أزمته السياسية…. هذا الرجل، لو لم يكن في منصب رئيس الوزراء، لكان ربما الآن خلف قضبان احد سجون بلاده.
نتنياهو، الذي يقود سياسات إبادة في غزة ولبنان، تحكمه اهواؤه الشخصية وهو يسعى لتجنب مسآئلته على حساب الأمن الإقليمي والعالمي. لا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا الرجل قد يجر العالم نحو حرب عالمية ثالثة فقط لضمان بقائه في السلطة!
منذ بداية مسيرته السياسية، لم يُظهر نتانياهو أي رغبة حقيقية في صنع السلام مع الفلسطينيين والعرب، فهو يدرك تماما أن هذا السلام سيحول يوما دون التوسع الإسرائيلي. وعلى منبر الأمم المتحدة، عرض خارطة إسرائيل الكبرى، واكد تصميمه في شطب حقوق بلادنا وتدمير مقدساتنا، وقتل شعوبنا.
لكن هل تظنون أن رجلا واحدا قد قام بكل هذا؟
لا جميع الدول دعمته.
ولو استخدمت المقاومة كل قوتها دفعة واحدة لإيقافه لكان مصيرها محتما، فالدول الداعمة لاسرائيل كانت ستتدخل لحسم الأمر… المقاومة اليوم تسير على حبل مشدود، فاستخدام كامل قوتها كان يعني تعريضها للتدخل الأجنبي المباشر، وهو ما كان سيقضي عليها.
ورطت المقاومة نتنياهو في حرب استنزاف غير تقليدية، لتصبح المدن الإسرائيلية اليوم تحت تهديد صواريخها ومسيراتها. لقد صعّد حزب الله الضغط عبر خطوات مدروسة، من عمليات صغيرة ومناوشات إلى تهديدات كبرى، ممارسا تصعيدا تدريجيا يوسع به نطاق الصراع بوتيرة بطيئة وثابتة…
فحزب الله لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يدمج أيضا تكتيكات ذكية فرضت واقع جديد على الأرض. حتى باتت إسرائيل كـ”ضفدعة ” في قدر ساخن ترتفع حرارته تدريجيا، وهي على الميدان قد وصلت الى درجة الغليان فباتت غير قادرة على تحقيق أي تقدم ملموس وان لم تتخذ اجرءً فورياً، ستنتهي محترقة.
لم تكن مجدية مئات الاف الأطنان من القنابل التي ألقتها إسرائيل على لبنان وغزة، بل على العكس، عززت من الروح المعنوية للبيئة المقاومة وعمقت ولاءهم لقادتهم وثقتهم بالنصر.
لكن ما هو تعريف النصر؟ غالبا ما يُفهم الانتصار على أنه بقاء المنتصر في ساحة المعركة. لكن حتى تاريخ اليوم، لم يغادر أي من الاطراف الساحة. فحماس لا تزال ثابتة في غزة، وحزب الله يتصدى للعدو على الحدود، بينما تبقى إسرائيل بكل جبروتها مدمرة.
حقاً ان مبادئ “سن تزو” لا تزال ذات صلة بحروبنا المعاصرة. فالفوز في الحروب الحديثة يتطلب أكثر من مجرد امتلاك أحدث الأسلحة، بل يعتمد أيضا على الاستعداد الدقيق والفهم العميق للعدو ولأرض المعركة.
أحالت اسرائيل مدن غزن الى أنقاض، ودمرت 80% من مبانها، وسقط اكثر من 45 الف شهيد عشرات الآلاف من الجرحى واكثر من 3 الاف اسير (العدد غير معروف)، وفي لبنان قصفت الضاحية عشرات المرات و بعض قرى الجنوب والبقاع سويت بالأرض, وقتلت إسرائيل نحو2600 من المدنيين، وشردت ما يقارب من مليون ونصف المليون من السكان كل ذلك بهدف اخضاع حماس في غزة وحزب الله في لبنان.
وعلى الرغم من اغتيال قادتنا… فان المقاومة ما زالت في قلب المعركة، تواجه إسرائيل من مسافة صفر…. وهذا نصرٌ بحد ذاته.
أجل، عندما تحقق مقاومة تعمل من مساحة صغيرة التعادل ضد أحد أقوى جيوش العالم، فإنه من الممكن اعتبار ذلك نصرا.
تسألني الان ماذا بعد ؟؟؟
سنستمر في المقاومة وسيخلف القائد قادة، والجندي عشرة، والشهيد ألف مقاوم…. فهذه الأرض تُنبت المقاومين كما تُنبت الزيتون. وحتما سننتصر.
*اكتوبر- باريس
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر