عصام جلال مبيضين*
ظهرت موجات تسونامي شعبويّة، بنكهات تيارات يمينيّة مناهضة من الشواطئ الأمريكيّة، عصفت كأمواج في بحار العالم، حيث انكفأ الكل وعاد إلى نفسه، أي العودة إلى الذات لدراسة ظاهرة “الترامبيّة” الجديدة في الولايات المتحدة، وصعود ظاهرة كونيّة غامضة خارج بوابة التكهنات بالنسبة للبعض على الأقل.
عودة (ترامب) أثارت زوبعة من التكهنات، وخلخلت تنبوءات، وزلزلت عروش، وجعلت الأقلام تتلوى حيث أن أغلبها لم يكن يتوقّع طبيعة هذا الفوز، وقدرته على حسم جميع الولايات المتأرجحة لصالحه.
واليوم ترامب في البيت الأبيض للمرة الثانية، ويطمح لولاية ثالثة بعد الثانية بتعديل دستوري، فيما يقف العالم منقسمًا بين مرحّب بفوزه، ومتخوّف من قادمات الأيّام بماكينات إعلامية ضخمة وبروباغندا واخبار حسب الطلب
إنّه جون دونالد جيه ترامب، المصارع السابق القادم بشخصيّة صداميّة واندفاعيّة؛ وهو محارب عشق حلبات المصارعة، وظهر عدّة مرّات كمصارع يضرب الخصم خارج الحلبة، ويشارك في حلق شعره، واليوم هو المصارع البارز على حلبة السياسة العالميّة باعتباره رئيس أقوى دولة في العالم بدون حكم ساحة، وصافرة توقف اللعبة فهو لاعب يسعى للفوز بالضربة القاضية.
وقد ولد ترامب في (14) حزيران 1946 في حي كوينز في نيويورك وحصل على شهادة في الاقتصاد، لينضم بعد إتمامه دراسته الجامعيّة إلى إمبراطورية والده العقاريّة، وعاش حياةً صاخبةً خارج المألوف وفق الّذين تغلغلوا في سيرته حياته.
ولأجل الغوص في عقل أي شخص وما يدور في مكنون عقله من تفاعلات ومسلكيات تؤثرعلى العالم؛ علينا العودة إلى سيكولوجيّة (فرويد) النفسيّة، وهنا مربط الفرس، وفق تقارير عالميّة نشرت قالت:”إذا أردتَ أن تحلّ لغزاً في حياة رجلٍ ما؛ ابحث عن المرأة”. هذا ما تقترحه مقولة فرنسيّة شعبيّة؛ فإنّ ترامب يبقى لوالدته (ماري آن ماكليود) الأثر الأكبر على شخصيّته وعلى علاقاته بالجنس الآخر ووفق كتاب صدر النظر إلى تسريحة والدته خلال سنواتها الأخيرة؛ ما يدلّل تأثّر ترامب بأمّه، لذا؛ تبرز عقدة (أوديب) وفق العالم النفسيّ فرويد في شخصيّته، ورغم علاقته غير المتّزنة بالنساء؛ فإنّ ترامب يحيط نفسه بفريقٍ من المستشارات،
تتربّع (سوزي وايلز) في صدارة مستشارات ترامب، متوليةً رئاسة فريقه الرئاسيّ، بعد أن كانت مديرة حملته الانتخابية، يصفها متابعون بعوالم ودهاليز السياسة بأنها القوّة الصامتة التي دفعت به إلى البيت الأبيض من جديد
ومع ذلك فإنّ ترامب صاحب شخصيّة مركّبة تحمل تناقضات معقّدة وغريبة الأطوار بكل تعقيداتها ومشاكساتها وغرابة أطوارها، وقد حمل في اللاشعور صورةً مشوّشةً ومرتبكةً عن والدته بالطفولة، انعكست على علاقاته بالنساء لاحقًا، ولعلّها تفسّر كذلك نزعته الذكوريّة الواضحة بخطاباتٍ غير مألوفة في حق المرأة، وربما يكون كتاب غطرسة القوة والمرض للكاتب البريطانيّ (ديفيد أوين تنول) قد بيّن بعض التفاصيل عن العلاقة بين المرض والسلطة، وتحديدًا المرض النفسيّ
وتقول المؤلفة (ميشتو كاكوتاني) في كتاب الحقيقة عن الحقبة الترامبيّة السابقة حول البهتان في عصر ترامب أنّ الحقيقة والعقل مهددان بالانقراض في عهد ترامب، ولكن على الجانب الآخر؛ يتبدّى السؤال المحيّر كيف استطاع ترامب تحقيق فوزه التاريخىّ ويعود مرّةً ثانية إلى البيت الأبيض بدعم الجيوش الالكترونية الروسية وفق المزاعم؟
الإجابة على هذا السؤال تكمن في الخيارات والأولويات الاقتصاديّة للناخب الأمريكيّ، وقد استغل الانقسامات التحزبية والطبقة العاملة القلقة حيال عالم نيو ليبرالي قاسي يتغير ولهذا حيث أظهرت استطلاعات الرأي إلى ثلاث قضايا كبرى فى هذه الانتخابات؛ وهى الإجهاض، والديمقراطيّة، والاقتصاد وكانت القضيتان الأولى والثانية من نقاط قوة (كامالا هاريس)، فيما الثالثة لصالح ترامب، حيث يتذكر الناخبون أنه خلال فترة ولايته الأولى، وقبل وباء كورونا، ارتفعت سوق الأسهم وتراجعت البطالة إلى مستويات متدنيّة تاريخيًّا، من هنا؛ حقّق الاقتصاد النجاح لترامب.
واليوم كل دولة تقلب أوراقها في التعامل مع فيروس الظاهرة الشعبويّة الزاحفة من القارة العجوز على بوّابة البيت الأبيض، ووسط احتفالات ترامب ومؤيديه؛ حذّر الرئيس الأمريكيّ السابق (جوزيف بايدن) من خطر الأوليغارشيّة على الديمقراطيّة الأمريكية، وأضاف:”التركيز الخطير للسلطة في أيدي عدد قليل من الأشخاص الأثرياء”، واصفًا ذلك بأنه تهديدٌ للديمقراطيّة وحقوق المواطنين، وحريّاتهم إذا تُرك إساءة استخدامهم للسلطة، وكان في حفل التصيب لترامب أباطرة المال من وادى السيلكون إنّ تجمع هؤلاء العمالقة التكنولوجيين، مثل (إيلون ماسك) و(مارك زوكربيرج) و(جيف بيزوس) و(سوندار بيتشاي) يمثل تحولاً مهمًا في العلاقة بين وادي السيليكون وفي تطور لافت؛ أبدى ترامب استعداده لدعم استحواذ إيلون ماسك على تطبيق «تيك توك»، مع إمكانيّة حصول الحكومة الأميركيّة على 50% من ملكية التطبيق مقابل تصاريح التشغيل. وسط مخاوف من تغيير سياسات المحتوى تقارب سياسات (مارك زوكربيرج) مع رؤية ترامب؛ مثل إلغاء التحقق من الحقائق وتقليل الرقابة في الولايات المتحدة، ما قد ينعكس على إدارة المحتوى في الشرق الأوسط الذي يعتمد نحو 52% من شبّانه على (فيسبوك) كمصدر رئيس للأخبار، ويعني ذلك أنّ أيّة تغييرات نمطيّة وسلوكيّة ستعصف بالثوابت والقيم في تداول الأخبار واستهلاكها في المنطقة.
وفي حفل التنصيب؛ يعيد الرئيس ترامب اجترار السياسية التي لطالما تبناها، مسكون بهواجس، هواجس العظمة الأميركيّة التي يريد استعادتها من الزواية والرؤية التي ينظر إليها والصفقات الاقتصاديّة التي يعتزم الفوز بها، ولا يفرق في ذلك بين حليف أو منافس.
زعيم يريد أن يحارب العالم منتشيًا بنجاح أسطوريّ كاسح رغم كل العقبات في السباق على الرئاسة ورجوعه إلى البيت الأبيض من ثقب عقدة بلا سلاح نصرت بالرعب، معبرًا عن ذلك بوقف المساعدات وباندفاعه المغامر، وعدم اكتراثه بالعواقب كمصارع يرنو إلى الإطاحة بخصمه، وبرغبته في “استعادة” قناة بنما، يضاف إلى ذلك ضغوطاته على حلفائه الأوروبيين؛ من خلال الإجراءات الحمائيّة، ناهيك عن رؤيته للصّين كمنافس لدود.
ويسعى محللو الخطابات إلى تفكيك الكلمات وما وراء المعاني والحروف؛ وذلك لمعرفة اتجاهات ترامب ومواقفه، لكنّ ذلك ليس عسيرًا، فما عليك إلا أن تسمع إلى خطاباته المهووسة بالمكانة العظمى لأمريكا التي تعاني سياسيَّا واقتصاديًّا، وانتكبت في مكانتها، وهي تحتاج إلى المنقذ الشجاع الذي سيتخذ قرارات غير مألوفة ويعيدها لقمة المجد العالميّ، ويمكن أيضًا تتبع حديثه، والتعرّف إلى فريق عمله؛ لتصل إلى ما تريد بكل بساطة وبكثير من اليسر، متخففًا من التخمينات والتكهنات وكما يقال بإمكانك السيطرة على الاف الرجال عن طريق مناغاة إحكامهم المسبقة أسرع مما يمكنك أقناع رجل واحد باستخدام المنطق .
وفي الشرق الأوسط؛ دخل ترامب سريعًا في عش الدبابير، وهو (يخربط) التحالفات والتفاهمات، ويربك الحسابات، يفرض رؤية سلطويّة بنهج الحسم وبـ(كبسة زر) أوقف المساعدات، وبعد طرحه الاعتراف بالقدس عاصمةً لـ”إسرائيل” واتفاقيّات إبراهام؛ فإّنه يريد المليارات من الدول الثريّة؛ من خلال رسم خارطة طريق للشرق الأوسط؛ بل إعادة رسم الشرق الأوسط نفسه، وقد أشاد (نتنياهو) بما وصفه “بأعظم عودة في التاريخ”؛ باعتبار أن رجوع ترامب إلى البيت الأبيض سيعيد وفقًا لنتنياهو “الالتزام القويّ في التحالف الكبير” مع “إسرائيل”.
المشهد يتأرجح، فحلفاء الولايات المتحدة أيديهم على قلوبهم، وهو يعبث بالثوابت السياسيّة العالميّة وتفاهمات (مالطا)، ويتسبّب بحالة من عدم اليقين والحيرة في كيفيّة إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة ورئيسها، ناهيك عن تملّصه من الالتزامات والأطر التاريخيّة المؤسّسة لحلف الناتو في سياق سياسة الانكفاء وصراعه مع خصوم مثل الصين وروسيا،في هذا الإطار هناك تحذيرات جدية من وصول الخلافات بين ترامب الدولة العميقة في الولايات المتحدة الى طريق اللاعودة حيث إنّ الصراع المتواصل بين ترامب و”الدولة العميقة”، المشكّلة من تحالف البيروقراطيات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية في الولايات المتحدة قد تحسم الخلاف وهي احتمالات قائمة وملامح الصراع ظهرت
ولكن محلّلين ذهبوا إلى أن ترامب كان أكثر صراحة في توجهاته، وقد يكون ترامب في ولايته الثانية مختلفًا جدًّا، وهو لن يتحلّى بأيّ من الطباع التي لجمت اندفاعه في فترة ما أو بطريقة ما، بما في ذلك بشأن البنتاغون ويقول فيلسوف كلنا جزر تصدع بالأكاذيب ، الواحدة وراء الأخرى عبر بحار من سوء الفهم ولكنه أمام العالم أربع سنوات عجاف على كثير من الدول مع مصارع في حلبات السياسة وحين تريد معرفة إلية عمل الأشياء ادرسها وهي تتفككا ومع ترامب يحتاج المرء إلى أن يشرب ماء البحر كله ليتعرف على مذاق الماء بين شاطئيه، وإنما تكفيه قطرة واحدة لتؤدي الغرض وتقوم بالمهمة..
*كاتب اردني
