العميد. محمد الحسيني*
انهض أبا هادي وامتشق سيف الحسين من جديد، انهض سيدي وامتطي ظهر “المرتجِز” و”النجيب”، انهض وأشدد عليهم رايات ثأر المظلومين، انهض وسر بنا نحو نصرك المبين… قم أبا هادي وانظر إلى كربلاء العصر الحديث، فخيول “المطهّم” قد عادت دون فرسانها، فمنهم من استلقى تحت الشجرة شهيدا، ومنهم من رقد خلف الحائط شهيدا، ومنهم من غفا فوق الصخرة شهيدا، ومنهم من اغلق باب الدار حتى هوى شهيدا…فما هانوا ولا استسلموا بل خاضوا حرب الأمة كلها ضد اعدائها فاستشهدوا لتبقى لنا أرض ولتبقى لنا قدس، بعد ان أحاطت بنا ذئاب العالم من كل حدب وصوب.
هم أصحاب المأمول الذين سجلوا للزمن وقتاً آخر فوهّجوا بدمائهم خمائر رائحة الصعتر الجنوبي على امتداد الوطن، وجعلوا عشب الآفاق يرتعش لصمت أقدامهم، وهم رجال الله الذين أشرقت من فوهات بنادقهم شمس الجنوب لو بعد حين، فلم تُسلب منهم عزيمة ولم تسقط لهم راية ولا حتى صورة لك، إنما انتقلوا الى حيث تعمى عيون الأعداء عن رؤية الخلود، بعد أن نشروا قلقاً أبدياً ينهش في مستعمراتهم الصغيرة…
سيدي يا قائداً ثائراً ومقاوماً هادياً، ماذا أقول في يومك هذا، والحزن أحزان تتكاتف لتنزف دما ودمعا مع كل جثمان شهيد يخرج من بين الأنقاض، والألم يحفر نقوشه في الروح براكين غضب من شدة الوجع مع كل تجاوز جريح لعتبة الدار… أبا هادي لو تعلم كيف خط قلم السياسة هدنة الخزي والعار، حين فوضوا أعداءنا بتدمير أرزاقنا على امتداد “حافتك الأمامية” في ثمانين يوماً ملعوناً، بعد أن حوّلوا خدعة وقف إطلاق النار إلى حرب من نوع آخر فوجهوا ثقل أحقادهم ضد منازلنا ومدارسنا ومساجدنا وكنائسنا.
ماذا لو تعلم يا سيدي أن أبناءك المقاومين قد صمدوا كما عرفتهم، وقاوموا كما دربتهم، طافوا في العراء حاملين بين أيديهم كتاب الله والبندقية، فاقتاتوا من بقول الأرض، وافترشوا تراب الجنوب، وأيقظوا الفجر ليصلي معهم صلاة الخاشعين. وبالرغم من هذا أقول لك، نعم سيدي لديك الحق كل الحق أن تغضب لغضب الله فيما اقترفت أيدي من استعجل وقف النار على حساب المقاومين الذين كانوا يجهلون توقيته، ولديك الحق أن تقطب حاجبيك كما عاهدناك لأن بعضهم لم يحظ بفرصة الانكفاء خلف النهر، ولديك الحق أن ترفع إصبعك من جديد تهديداً ووعيدا، لأن البعض الآخر قد تُرك لمصيره مع الاحتلال الذي دمر المنازل والبيوت فوق الاجساد الطاهرة من الناقورة غرباً حتى الخيام شرقاً من دون معين أو نصير على مدى ثمانين يوماً مشؤوماً.
وكيف لو علمت أنه في انسحابه المبتور قد استبقى على نقاط جنوبية خمس، سيفاً على رقابنا، وكيف لو علمت أكثر أنّا قد عثرنا في قرانا التي عاث فيها نهباً وحرقاً وتدميراً، على بعض من أبنائك وهم أحياء من بعد نعيهم شهداء. والمفاجأة ملؤها المرارة أنهم لم يكونوا على علم أن جسدك الشريف قد اغتيل بأطنان أمريكية، وأن صفيّك قد أغتيل بأطنان أُخر، وفي أن الكثير من أصدقاء الأمس قد انتقلوا من الحارة إلى السفارة…
نعم سيدي لقد صدقت الرؤيا حين قلت إن “سقطت سوريا سقطت معها كل فلسطين” فهذه سوريا قد سقطت في دائرة التطبيع وسقط معها حق العودة حتى إلى غزة…وقريباً وعلى توقيت “ترامب” العالمي سيُرحّل أهل الأرض وسيُعترف بالقدس عاصمة للصهيونية وسيُهدم المسجد الأقصى وسيُبنى مكانه هيكل سليمانهم…وعندها لا أجراس عودة ستقرع ولا قضية فلسطينية ستبقى لا الآن ولا في الغد القريب أو حتى البعيد، فعذرا أبا هادي ومغفرة…لكن تعلمنا من ألم فراقك أن لا خير البتة في أمة يُغتال ثوارها عند غروب الشمس فتتوضأ من بعدها بخمر التمور لإقامة شعائر رقصات مجون آخر الليل بالزمر والطبول …
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر