عبد الله مغاري*
بدأ جيش الاحتلال عملية برية في رفح، وكما جاء على لسان وزير الجيش كاتس، فإن هدف العملية هو السيطرة على مساحات واسعة لإضافتها إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية. ولعل هذه المرة الأولى التي يكون فيها الهدف المُعلن لأي عملية في غزة هو السيطرة.
لو نظرنا إلى الموضوع من ناحية عسكرية، وأنا لست محللًا عسكريًا، لكنها نظرة بعين أي مواطن من غزة، فإن رفح لا تشكل تهديدًا على إسرائيل يستدعي السيطرة، خاصة أنها ترتبط معها فقط بالحد الشرقي، بينما مثلًا مناطق أقصى شمال غزة ترتبط معها شرقًا وشمالًا. لذلك، فإن السيطرة على رفح هدفها ليس عسكريًا.
مع عدم تجاهل الأهداف التي يسعى الاحتلال إلى تحقيقها في غزة عبر هذه العملية، والتي تتمثل في الضغط على حماس لدفعها نحو الاستسلام، بجانب التدمير وجعل غزة غير صالحة للسكن، فإن هناك هدفًا إسرائيليًا آخر رئيسيًا، وهو ليس في غزة، إنما في القاهرة. كيف؟
قبل أيام فقط، طلبت إسرائيل من الولايات المتحدة ومصر إزالة البنية التحتية العسكرية التي أنشأها الجيش المصري في سيناء، معتبرةً أن هذا التوسع يمثل انتهاكًا كبيرًا للملحق الأمني في اتفاقية السلام بين البلدين. وعند النظر إلى ذلك، لا يمكن فصل عملية رفح عما يجري في سيناء؛ إذ تريد إسرائيل إيصال رسالة تهديد عملية وغير مباشرة إلى القاهرة، وربما هي تمهد أيضًا لاحتمال التوغل في سيناء إذا تطلب الأمر ذلك.
وبما أننا نتحدث عن عملية رفح ورسالتها إلى القاهرة، لا بد من الإشارة أيضًا إلى الأهداف الأمريكية التي لا شك أنها تتلاقى مع الأهداف الإسرائيلية، خاصة الهدف الأمريكي بالضغط على القاهرة لقبول خطة التهجير التي طرحها ترامب، والذي هدد سابقًا بوقف المساعدات لمصر والأردن بالكامل ما لم توافقا على استقبال الفلسطينيين من غزة. صحيح أن واشنطن لم توقف المساعدات التي تُقدر بـ 1.5 مليار دولار سنويًا لمصر، لكنها أيضًا لم تتخلَّ عن خطة التهجير. وبالتالي، لا يمكن فصل أي تهديد إسرائيلي على الأرض عن المصالح والأهداف الأمريكية.
من الأمور التي يجب أن نأخذها في الحسبان أيضًا، ملف اليمن، وهو من أكثر الملفات سخونة في المنطقة حاليًا. وهذا الملف لا ينفصل عن مصر؛ إذ إن إيرادات قناة السويس، وهي الممر المائي الأطول في العالم، والتي تُعد مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية لمصر، تراجعت العام الماضي بحدة جراء المواجهات مع الحوثيين، وما زالت هذه الإيرادات تتراجع مع تجدد القتال. أما ترامب، فلا شك أنه يريد من مصر أن تدفع ثمنًا مقابل الضربات الأمريكية للحوثيين، والتي يعتبر أنها تخدم مصر اقتصاديًا. هذا الثمن ليس ماديًا، إنما سياسي، ولا يبعد عن ملف التهجير.
بجانب هذا كله، فإن علاقة ترامب بالسيسي في الوقت الحالي ليست وردية تمامًا؛ فلم يزر السيسي واشنطن كما كان مخططًا قبل شهر تقريبًا، بعدما رفض أن تكون خطة التهجير على جدول الزيارة. وما زالت هذه العلاقة غير وردية، على الرغم من المكالمة المفاجئة التي جرت بين الرئيسين أمس، والتي وصفها الرئيس الأمريكي بـ”الجيدة”، والتي بُحث خلالها – وفق البيان المصري – استعادة الهدوء في المنطقة، مما ينعكس بصورة إيجابية على الملاحة في البحر الأحمر، ويوقف الخسائر الاقتصادية لكل الأطراف. أي أن ترامب تطرق إلى ما يقوم به في اليمن، وبالطبع يريد مقابله ثمنًا.
الولايات المتحدة تريد إعادة رسم خريطة المنطقة، وإسرائيل – بعد السابع من أكتوبر – شعرت بالتهديد الوجودي الحقيقي، وهي الآن تتعامل مع كل المحيط على أنه مصدر تهديد: مصر، وسوريا، ولبنان، والأردن، وحتى تركيا، ليس لشيء، سوى لأنها تدرك أن مصيرها الزوال.
*كاتب فلسطيني
