ياسر أبوغليون
الزلزال السياسي الذي حدث في تركيا يوم الثامن من آذار بإبطال جامعة أسطنبول للشهادة الجامعية لعمدة المدينة أكرم إمام أوغلو، ما كان ليواصل تداعياته لولا التهم التي وُجِّهَتْ للعمدة من قبل القضاء المتعلقة بكون طلب ترشحه لبلدية أسطنبول غير قانوني لاستناده لشهادة غير معتمدة في المجلس الأعلى للتعليم في تركيا، أضف إلى ذلك اتهامه بقضايا فساد مالي وتلقي رشاوى خلافًا للقانون بقيمة 200 مليار ليرة تركية، وقيامه بمساعدة أعضاء من حزب العمال الكردستاني المصنف ضمن قوائم الإرهاب على التستر والبقاء في الواجهة السياسة من خلال قوائم حزب الشعب الجمهوري، وما توالى بعد ذلك من إجراءات منها القبض على مسؤولين عن صفحات وحسابات سوشيال ميديا تحرض على الكراهية، وتدار من قبل أنصاره.
إزاء ما سبق من السذاجة القول بأن تركيا الدولة تعمل على الانتقاص من تقاليدها الديمقراطية التي تمنحها خصوصية بين دول العالم والمنطقة، ونظير ذلك الادعاء بأن اعتقال أكرم أوغلو نابع من دوافع وأجندة سياسية وإنما هو الحرص كل الحرص على أن يأخذ القضاء مجراه، ومن هنا يمكن وصف الأحداث الجارية بأنها انتكاسة كبرى للمعارضة، وهدية على طبق من ذهب للحزب الحاكم عملت على إضعاف الخصوم وقللت من حيز آمالهم في انتخابات 2028، وبناء عليه تتأكد المقولة التي تتردد في أوساط المحللين والتي مفادها: “تركيا تعاني من أزمة معارضة لا من أزمة سلطة، “.
وعلاوة على كون المبادرة التي تبناها أردوغان والمسماة بمبادرة:” تركيا بلا إرهاب” تعمل على استقطاب الأكراد لصالح الدولة على المدى البعيد؛ بحمل حزب العمال الكردستاني على إلقاء السلاح وإنهاء الأوضاع المقلقة، إلا انها ستكون مكسبًا إستراتيجيًا ضخمًا للحزب الحاكم الذي يسعى هو الأخر بدوره للقيام بإئتلافات تساعده في استحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة، وتقوي جبهته الداخلية وتنهي الصراعات وتكفل له استمرار التضامن واستيعاب التحولات السياسية.
هل قال القضاء كلمته؟
قبل مهاجمة القضاء المستقل المحايد في تركيا ينبغي العمل الجاد على حلّ أزمة التمويل السياسي، بالإضافة إلى الحاجة إلى سن قوانين وتنظيمات لرقابة عادلة وشفافة تنهي الفساد، ولذلك فإنَّ تقييد حريات الأنترنت ومنع التظاهر ليس سلوكًا مقبولًا وإنما إجراء مؤقت خاص بالمتظاهرين الذين يعملون على إغلاق الشوارع العامة، والقضاء التركي موثوق وله مكانته كما أنه غير مسيس، والمسألة هنا ليست رئاسة بلدية أو انتقام شخصي أو ما شابهها من دعاوى المظلومية وإنما سعي حكومي لتنوير الرأي العام حول انتهاكات حصلت من خلال تلقي الرشاوى وتبادل الأموال والاختلاس. وخلاصة القول أن الإجراءات القانونية ليست مسيَّسة ومن يشيطنها يهدف لتعزيز تهمة عدم الثقة بالقضاء عبر هكذا سرديات.
آمال حزب العدالة في رئاسة تركيا من جديد:
تنص المادتان 101و 106 من الدستور التركي على انه لا يمكن للرئيس الترشح للرئاسة مرة ثالثة ما لم يتحرك البرلمان بإقرار التوجّه لانتخابات مبكرة دستوريًا، ومن المعلوم أن حزب العدالة والتنمية فقد الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، وبالتالي هو يحتاج إلى دعم شركائه في التحالف، وينبغي التذكير بأن ملامح التراجع الاقتصادي منذ سنوات من خلال تداعيات دولية تتمثل في العدوى المالية، وتراجع قيمة الليرة التركية نسبيًا، وارتفاع التضخم، وارتفاع الديون وما يقابلها من حالات تخلف عن سداد الديون ليست كما هو الحال الآن؛ فالاقتصاد يسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار
والتعافي من المخاوف الاقتصادية. مما دفع بالدولة لإنفاق 25 مليار دولار لموازنة سعر الصرف.
كما أن تركيا لها مكانة دولية مرموقة، وعملت بنجاح في ملفات أوكرانيا، وغزة، وسوريا، وأطلقت مشاريع عملاقة في مجالات التسليح العسكري، والتكنولوجيا، والطاقة، والسياسة الخارجية.
ماذا عن ترشح أردوغان من جديد؟
ينبغي الإقرار بمهارة أردوغان في اللجوء لبعض التكتيكات التي وظفها من قبل في السيطرة على المظاهرات التي قامت ضده فنزع عنها غطاء الشرعية ووطّد حُكمه، علاوة على الحالة الصحية له التي تكفل له الترشح لولاية جديدة مما يتطلب طبعا قانونيا إما بتعديل دستوري أوبإجراء إنتخابات مبكرة
في حين أن الرواية التي تتحدث عن التخطيط لإعداد خليفة للرئيس آردوغان قد تجد صدى لدى الحزب الحاكم، وبالأخص لدى الرجل القوي في حزب التقدم والعدالة الوزير هاكان فيدان، وتبقى الفسحة الزمنية الممتدة لعام 2028هي الميدان الأكبر للخصوم للقيام بالفروسية السياسية التي ستجلب حتمًا حزب العدالة والتنمية لرئاسة تركيا مرة أخرى من جديد للعبور نحو العقد الثالثة من الألفية.
هناك خياران لترشح أردوغان: يقول بعض فقهاء الدستور إن الخيارات تتمحور في خطوتين الأولى إلغاء قاعدة “الترشح لفترتين” في المادة 101 من الدستور، والتي تتطلب تعديلًا دستوريًا بموجبه يوافق المئات من النواب ضمن استفتاء يصل للقبول المباشر بتصويت مرتفع من الأعضاء، ومن ناحية أخرى إذا اتفق أعضاء البرلمان على إلغاء شرط التعليم العالي لانتخابات الرئاسة وتغيير “فترتين” إلى “ثلاث فترات” تكون هذه تسوية براغماتية تسمح لأردوغان ولأكرم أوغلو بالترشح للانتخابات الرئاسية.
