اليمن الحر الاخباري/متابعات
في مشهد مؤثر وصادم في آنٍ واحد، أقدم الأمن السعودي على اعتقال معتمر مصري في صحن الكعبة المشرفة بعد أن رفع علم فلسطين مناشدًا الأمة الإسلامية التدخل لإنقاذ غزة، التي ترزح تحت مجاعة وحرب إبادة متواصلة من قِبل الاحتلال الإسرائيلي.
الحادثة التي وثقتها عدسات المعتمرين لم تمر بصمت، بل أثارت موجة من الغضب في الأوساط الحقوقية والشعبية، وسط تساؤلات مشروعة: هل بات حتى الدعاء لغزة ممنوعًا في أقدس بقاع الأرض؟
في الفيديو المنتشر على منصات التواصل، يظهر معتمر مصري وهو يرفع علم فلسطين قرب الكعبة المشرفة، ثم يهتف من أعماق قلبه: “وا إسلاماه! أنقذوا غزة! أنقذوا المجوعين!”، في مشهد لم يستمر طويلًا قبل أن يتدخل عنصران من أمن الحرم ويقومان باعتقاله وسحبه من المكان بالقوة.
الواقعة جاءت في ظل استمرار المجازر الجماعية في قطاع غزة، وسط حصار خانق تسبب بمجاعة واسعة، خصوصًا في شمال القطاع، حيث فارق الحياة أكثر من 100 طفل بسبب الجوع وفق تقارير أممية، فيما لم تُبدِ الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، أي تحرك فعلي لكسر الحصار أو وقف المجازر.
حادثة اعتقال المعتمر المصري ليست الأولى، بل تكررت سابقًا باعتقال معتمرين أتراك وماليزين رفعوا شعارات مؤيدة لفلسطين أو وضعوا الكوفية الفلسطينية. كما شهد موسم الحج السابق منع بعض الحجاج من إظهار أي رمز أو هتاف تضامني مع القضية الفلسطينية، في وقت تعاني فيه غزة من إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة.
ورغم محاولة السلطات السعودية تبرير هذه الإجراءات بأنها “لحماية قدسية المكان من التسييس”، إلا أن منظمات حقوقية تعتبر أن هذه الذريعة ليست سوى غطاء لقمع أي صوت معارض للسياسة السعودية في فلسطين، خاصة في ظل تقارير دولية تؤكد سعي المملكة لتطبيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي ضمن ترتيبات سياسية أوسع مع واشنطن.
اللافت أن الحكومة السعودية تسمح باستخدام الحرمين في استعراضات بروتوكولية سياسية عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات صلة بالحكم السعودي أو بالمنافسات الإقليمية، فيما تقمع أي تعبير إنساني شعبي تجاه فلسطين، حتى لو كان بدعاء أو علم يُرفع على استحياء.
ردود فعل حقوقية.. الحرم ليس ملكًا للعائلة الحاكمة
“مرصد انتهاكات الحج والعمرة”، وهو مؤسسة حقوقية مستقلة تُعنى بتوثيق انتهاكات حقوق المعتمرين والحجاج، أدان بشدة الاعتقال واعتبره “تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا لحقوق الإنسان”، مؤكدًا أن التضامن مع فلسطين ليس جريمة، بل واجب ديني وأخلاقي في ظل ما يتعرض له المدنيون من حرب إبادة.
وأشار المرصد إلى أن الكعبة المشرفة ليست حكرًا على أي نظام سياسي، بل هي قبلة المسلمين جميعًا، ويجب أن تبقى مكانًا للعبادة والتعبير الحر عن القضايا الإنسانية العادلة، وعلى رأسها فلسطين.
كما دعا المرصد السلطات السعودية إلى الكف عن استخدام الأمن في تكميم أفواه الحجاج والمعتمرين، والالتزام بالمبادئ الإنسانية التي يُفترض أن تُميّز مواسم الحج والعمرة عن أي فعالية سياسية أو رسمية.
وقد تصاعدت المطالب عبر المنصات الحقوقية بإطلاق سراح المعتمر فورًا، ووقف ملاحقة كل من يعبّر عن رأيه داخل الحرم الشريف، خاصة أن التهمة الموجهة له لا تتعدى “رفع علم والمناشدة لإنقاذ الجوعى”، وهي أفعال لا يمكن بأي حال تصنيفها كجريمة إلا في ظل أنظمة لا تقيم لحرية التعبير وزنًا.
السعودية وفلسطين.. من الدعم اللفظي إلى القمع العملي
لطالما قدّمت المملكة العربية السعودية نفسها كـ”حاضنة للقضية الفلسطينية”، لكن سياساتها في السنوات الأخيرة تشير إلى تراجع ملموس في هذا الدور. فمن تبنّي مبادرات تطبيعية تحت الطاولة، إلى الصمت تجاه المجازر في غزة، مرورًا بمنع الدعاء ورفع الشعارات لفلسطين داخل الحرمين، يتسع الهوة بين الخطاب الرسمي والتصرف العملي.
اعتقال المعتمر المصري يكشف عن تحوّل خطير، لم يعد يقتصر على تجاهل القضية، بل بات يعاقب من يتعاطف معها، حتى لو كان ذلك من داخل بيت الله الحرام، الذي يفترض أن يكون مكانًا لرفع المظالم لا إسكاتها.
خاتمة: علم فلسطين في مكة.. هل صار جريمة؟
تبقى الصورة التي سُجّلت من قلب الكعبة، لمعتمر يُناشد لإنقاذ الجياع ويُعتقل، أقوى من آلاف البيانات الرسمية، فهي تكشف عن الوجه الحقيقي للأنظمة التي تدّعي الدفاع عن المقدسات بينما تمنع رفع صوت الضمير في أقدسها.
ولعل السؤال الأهم اليوم: إن كانت الكعبة لم تعد تحتمل صوتًا حرًّا لفلسطين، فأين سنرفع علمها؟ وأين سندعو لأطفالها الجوعى؟ وهل صار “وا إسلاماه” تهمة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر