د. هاني الضمور*
في خضم الدمار المتسارع في غزة، حيث تتوالى الضربات الإسرائيلية وتتصاعد الكارثة الإنسانية، يلفت النظر ذلك الموقف الصيني الذي لا يتجاوز عبارات الإدانة البروتوكولية والدعوة إلى التهدئة. غير أن هذا الصمت، في عالم تحكمه التوازنات الدقيقة والمصالح المتشابكة، لا يمكن اعتباره حياداً أخلاقياً أو انسحاباً سياسياً، بل هو نتاج حسابات استراتيجية معقدة تصوغها بكين في ضوء مصالحها المتنامية في الشرق الأوسط، لا سيما مع إسرائيل.
الصين، التي لطالما أعلنت تأييدها لحل الدولتين ودعمت حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية، وجدت نفسها أمام تناقض واضح بين خطابها المبدئي ومصالحها الواقعية. فالمشهد الجيوسياسي الراهن لم يعد يُدار بالشعارات، بل بالموانئ، بالاستثمارات، وبأنابيب النقل والربط العابر للقارات. وفي هذا الإطار، تشكل إسرائيل بالنسبة للصين شريكاً حيوياً في مشاريع البنية التحتية والابتكار، ومركزاً لوجستياً يطل على البحر المتوسط، ما يمنحها منفذاً مباشراً نحو أوروبا ضمن مسارات بديلة عن الممرات التقليدية التي تخضع للهيمنة الغربية.
ليس غريباً إذاً أن تتريث بكين في إدانة واضحة للعمليات الإسرائيلية في غزة، وهي التي ضخت خلال العقدين الماضيين استثمارات ضخمة في الموانئ الإسرائيلية، وسعت لتمتين شراكاتها في قطاعات تكنولوجيا عالية الحساسية، كالأمن السيبراني وأشباه الموصلات. هذه العلاقات الاقتصادية تتجاوز في عمقها الحسابات التجارية، إذ ترتبط مباشرة بمشروع “الحزام والطريق”، المبادرة الصينية الأضخم لربط الصين بالعالم عبر شبكة من البنى التحتية البرية والبحرية. أي تهديد لهذه المشاريع، سواء من جانب الغرب أو من تقلبات الإقليم، يستوجب من الصين اعتماد نهج “الإمساك بالعصا من المنتصف”، ولو على حساب المواقف الإنسانية.
ولعل ما يزيد تعقيد الموقف الصيني هو ما تخطط له الولايات المتحدة من مشروع موازٍ لمبادرة “الحزام والطريق”، يتمثل فيما يُعرف بـ”الجسر الاقتصادي” الهادف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج العربي والأردن وإسرائيل. هذا المشروع، الذي تُطرح فيه غزة كحلقة وصل عبر ما يُسمى بميناء “بن غوريون”، يحمل في طياته محاولة أميركية لإعادة رسم خرائط التجارة الدولية بما يُقصي النفوذ الصيني ويحوّل إسرائيل إلى عقدة لوجستية تخدم الأجندة الغربية. من هنا، يصبح الموقف الصيني أكثر حذرًا وتعقيدًا، إذ تخشى بكين أن تُستدرج إلى صدام غير مباشر مع واشنطن في ساحة ملتهبة كهذه.
في هذا السياق، لا بد من استحضار فلسفة سون تزو في “فن الحرب”، والتي لطالما شكّلت ركيزة في التفكير الاستراتيجي الصيني: “كن مائعاً مثل الماء، لا تصطدم بل تكيف مع تضاريس الميدان”. هذه الحكمة القديمة تُترجم اليوم إلى سياسة خارجية قائمة على تفادي المواجهات المباشرة، والاستثمار في الصبر، والتحرك بهدوء داخل الفراغات التي تتركها القوى العظمى. فالصين تفضل لعب الأدوار الخلفية، واستثمار لحظات التحول، بدلاً من الانخراط في صراعات لا تحقق لها مكاسب آنية.
إلا أن هذا التكتيك لا يخلو من مخاطر. فبينما تحافظ الصين على صورتها كشريك اقتصادي عقلاني، فإنها في عيون الشعوب المقهورة تبدو كقوة كبرى أخرى اختارت الصمت أمام المذابح، حرصاً على مصالحها، على حساب المبادئ. هذا التوازن بين الربح السياسي والأخلاقي، بين الواقعية والرمزية، هو ما سيحدد في نهاية المطاف ملامح الدور الصيني المستقبلي في النظام الدولي.
وهكذا، فإن الموقف الصيني من غزة ليس موقفًا بسيطًا يمكن تصنيفه ضمن محور أو ممانعة، بل هو تجلٍّ لنموذج القوة التي لا تُظهر أوراقها إلا في الوقت المناسب، والتي تُدير سياستها الخارجية كما يُدير لاعب الشطرنج خطواته: بحذر، ببُعد نظر، وباستراتيجية طويلة النفس.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر