د. ميساء المصري*
من الخارج، بدت «خطة ترامب للسلام في غزة» وكأنها صفقة متكاملة، وقف لإطلاق النار، تبادل رهائن، برنامج لإعادة الإعمار، وحكم تكنوقراطي يضفي طابع الحياد على إدارة القطاع. لكنها في جوهرها، ليست سوى إعادة إنتاج لمعادلة الهيمنة، مغلفة بعبارات السلام والاستقرار. و ما يُروّج له كحل، هو في حقيقته إعادة هندسة سياسية وأمنية واجتماعية لغزة، هدفها ليس إنهاء الاحتلال بل تدجينه، ونزع الطابع المقاوم عن القطاع، وتفكيك ما تبقى منه.
الخطة، التي كُشف عنها وسط استعراض إعلامي بين ترامب ونتنياهو، لم تكن سوى سلسلة من البنود الفضفاضة، والتعهدات المؤجلة، والمواعيد المفتوحة على فراغ. تبدأ بـ”سلام” مشروط، وتنتهي بـ”وصاية” فعلية، تمر عبر مسارات مرنة تتيح لإسرائيل تعطيل أي مرحلة من التنفيذ بذريعة “التهديد الأمني” أو “عدم التزام الفلسطينيين”.
أخطر ما في الخطة لا يكمن في بنودها المكتوبة، بل في المساحات البيضاء المتروكة عمداً. لا جدول زمني ملزم لانسحاب الاحتلال. لا آلية رقابة دولية تُجبر إسرائيل على الالتزام. بل على العكس، الشروط التي تعوم في الخطة تُعيد إنتاج سياسة التعطيل نفسها التي اتُبعت في أوسلو.وربما تكون أكثر مظاهر الخلل وضوحاً هو تغييب الفلسطينيين أنفسهم عن صياغة الخطة. لم يُستشر أي طرف فلسطيني فعلي. تُقدَّم الخطة كحل لمشكلة ما يسمونه”التطرف الفلسطيني”، لا كمدخل لتفكيك الاحتلال. بل وتذهب الى أخطر من ذلك، حين تُشترط إعادة السلطة إلى غزة بتخليها عن ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية، وكأن الشرط الأساسي للسلام هو إسقاط الحق القانوني والوطني.
ولعلّ تصريح نتنياهو يُلخص النوايا، لا دولة فلسطينية، لا انسحاب كامل، لا تنازل عن أي شبر دون ضمانات أمن إسرائيل أولاً.
حماس، بقبولها المبدئي لمسار التفاوض، فتحت باباً واسعاً لإسرائيل لتعليب المطالب، نزع سلاح كامل، إقامة مناطق عازلة، وانسحاب مشروط بمزاج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ما النتيجة؟ عملية سياسية بدون أفق حقيقي، تشبه مركبة تتحرك في صحراء بلا خرائط، تقودها جهة واحدة، تل أبيب.
في البداية، رحبت بعض العواصم العربية بالخطة، على أمل أن تفتح ثغرة في جدار الجمود. لكن مع ظهور تعديلات إسرائيلية أُقحمت في اللحظة الأخيرة دون تنسيق مسبق، بدأت ملامح الصدمة. مصر، التي كانت تراهن على دور محوري في ضبط الترتيبات الأمنية، وُضعت على الهامش. السعودية وقطر أعلنتا رفضهما المشاركة في أية قوة حفظ سلام لا ترتكز على سيادة فلسطينية فعلية. أما الأوروبيون، فلم يخفوا قلقهم من غياب آلية تنفيذ حقيقية وشفافة.
أصبح واضحًا للجميع، هذه ليست صفقة لإنهاء الاحتلال، بل لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية تحت غطاء دولي ناعم.
في الشكل، تُدار غزة وفق لجنة تكنوقراطية فلسطينية تُعنى بالشؤون اليومية. لكن في العمق، تُوضع تحت وصاية مجلس “السلام”، بقيادة ترامب وتوني بلير، وهو الكيان الذي يملك القرار في ملفات الأمن، الإعمار، والاقتصاد. هذا المجلس لا يخضع لمساءلة فلسطينية، بل يُفوض بصلاحيات واسعة تتجاوز حدود الإدارة إلى التعيين، والموازنة، والتشريع.
بعبارة أوضح، غزة ستتحول إلى إقليم ذي إدارة دولية بواجهة فلسطينية شكلية، ونظام انتداب بريطاني مقنع بثوب تكنوقراطي.
الخطة تتحدث عن “تفكيك البنية التحتية للإرهاب”، وهو تعبير فضفاض يُستخدم كمدخل لتجريد المقاومة الفلسطينية كل المقاومة، لا حماس وحدها من أدواتها العسكرية. لكن الأخطر، أن هذا النزع ليس متبوعاً بضمانات سيادية، أو خطوات سياسية مقابلة. لا وعد بدولة، ولا أفق لتقرير المصير، ولا تعهد بإيقاف الاستيطان أو رفع الحصار.
و الدرس من أوسلو هنا حاضر بقوة، تفكيك أوراق المقاومة مقابل وعود لم تُنفذ. النتيجة؟ سلطة شكلية، واحتلال مستمر، واستيطان متسارع. فهل يُراد لغزة أن تعيش النسخة الثانية من هذا الفخ؟
لأنها لا تُعالج جوهر الصراع، الاحتلال، والحصار، ومصادرة الحق الفلسطيني.
و تفشل لأنها تُقايض الحقوق بالتهدئة، وتطلب نزع أدوات المقاومة دون مقابل حقيقي.
تفشل لأنها تدار من الخارج، دون أي تمثيل فلسطيني حقيقي، ولا اعتراف بإرادة الشعب.
تفشل لأنها تتجاهل القانون الدولي، وتُسقط قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بشأن الوضع القانوني في غزة والضفة.
خطة ترامب، في جوهرها، ليست مشروع سلام، بل محاولة لتبريد الصراع وتثبيت واقع الاحتلال تحت غطاء من التكنوقراطية والمساعدات. هي مشروع إدارة مؤقتة لصراع دائم، لا حلّ له. محاولة لتغيير وظيفة غزة من مركز مقاومة إلى منطقة “مضبوطة”، خاضعة للرقابة والوصاية.
وإن كانت المقاومة قد أبدت مرونة في القبول بالتهدئة، فهي لم تُسلم بخيارات الإملاء. وإن كانت غزة راغبة في الخروج من الحصار، فهي لن ترضى بوصاية بديلة عن الحرية. أو تقبل أن تكون شاهد زور على فشل جديد… أكثر عمقاً وخطورة من أوسلو.
أما الأخطر فهو أن تحويل الخطة إلى مأزق لم ينهِ الخطر، بل حول الصراع إلى لحظةٍ مفتوحة، إما تصفيةٍ تاريخية تبدأ من غزة وتمتد، أو انتصار مقاوم يعيد رسم الشروط. في كلتا الحالتين، نحن أمام مفترق وجودي، إقرارٌ رسمي بحقوقٍ مسلوبة، أو فتح بابٍ لإعادة تأكيد أن القضية ليست نزاعًا تقنياً بل صراع بقاء سياسي وثقافي وحقوقي.
خلاصة المشهد قاسية، حيث تُرسم خطوط المواجهة القادمة بين من يريدون إلغاء الحقّ ومن يرفضون أن يُؤرشف ذاكرته..أم أن العالم سيقبل بأرشفة حقٍّ كان له أسمه منذ قرن……………………..
*كاتبة سياسية اردنية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر