د. ياسين العلي*
قال رسول الله ﷺ:
«اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»
— رواه البخاري ومسلم
في الحديث الشريف تتجلى فلسفة الحكم العادل؛ فالمأثم هو انحراف الحاكم حين يخون الأمانة أو يضلل الناس، والمغرم هو الثمن الذي يدفعه المواطنون حين تتحول الدولة إلى غنيمةٍ تتقاسمها الفئات النافذة. وفي الحالة السورية، لم يكن ما جرى بعد سقوط نظام بشار الأسد “تحريرًا” بالمعنى الوطني ولا “فتحًا عظيمًا” كما صوّرته المنابر الدعائية، بل كان انتقالًا منظّمًا بإرادةٍ دوليةٍ نحو إدارة استبدال، تستبدل الوجوه وتبقي البنية ذاتها. السلطة الجديدة لم تولد من الإرادة الشعبية، بل فُرضت كخيارٍ سياسيٍ لإدارة ما بعد الحرب، فكانت النتيجة استمرارًا لنهج الهيمنة بوسائل جديدة. رفعت شعار “من يحرّر يقرّر”، لكنه لم يكن سوى ستارٍ لتكريس شرعية القوة بدل شرعية الشعب، وإقصاء الكفاءات الوطنية لصالح الولاءات الفصائلية. وبين مصطلحات “السقوط” و”التحرير” و”الفتح العظيم” ضاع المعنى الوطني الحقيقي، لتحل مكانه مرحلة “التمكين بالإكراه”، حيث تُدار البلاد باسم الثورة بينما يُعاد إنتاج الاستبداد بلغةٍ جديدة.
ad
في ظل هذه المعادلة، تمددت ذهنية الغنيمة لتشمل مؤسسات الدولة كلها. تحولت المناصب إلى حصص، والموارد العامة إلى أدوات تمويلٍ للنخبة الحاكمة، وبيت المال إلى خزانةٍ مغلقةٍ توزع على أسس الولاء. وحين تفاقمت الأزمات، ظهرت ظاهرة اقتصاد الفزعات والفزعات الأمنية كعلامةٍ على العجز الإداري والذهنية الارتجالية. فكل أزمةٍ تُواجَه بحملةٍ طارئةٍ لا تخطيط فيها ولا استدامة، تُنظَّم لتسكين الشارع لا لمعالجة المشكلة، وتُسخَّر لتمجيد الحاكم لا لخدمة المواطن. يعيش السوريون اليوم في وطنٍ تحكمه الفزعات الاقتصادية والإجراءات الأمنية، لا القوانين والمؤسسات؛ وطنٍ يُدار بالأزمات لا بالإدارة، وبردّات الفعل لا بالتخطيط.
ولإخفاء هذا الواقع، اشتغلت الآلة الإعلامية الرسمية على إعادة صياغة المشهد بعنايةٍ دعائيةٍ ممنهجة. لم تعد السلطة تطلب من الناس “الصبر والممانعة” كما في عهد النظام السابق، بل أصبحت تبيعهم وهم “الانفتاح الاقتصادي القادم” و”الاستثمارات الضخمة التي ستجعل سورية قوةً اقتصاديةً عالمية”. وكلما تحدّثت بعض الدوائر الدولية عن مراجعةٍ جزئيةٍ أو إنسانيةٍ للعقوبات الأمريكية، ولا سيما قانون قيصر، سارعت وسائل الإعلام الرسمية إلى تسويقها كـ”رفعٍ نهائي للعقوبات” و”انتصارٍ سياسيٍ للسلطة الجديدة”. وباتت نشرات الأخبار مسرحًا للوعود اللامحدودة: “استثمارات خليجية وروسية وصينية قادمة”، “مناطق صناعية كبرى”، “مرافئ تجارية دولية”، بينما الواقع على الأرض يزداد بؤسًا وانغلاقًا. هذه المنظومة الدعائية الممنهجة لا تبني الثقة ولا تعيد الإعمار، بل تُعمّق الانفصال بين الخطاب والواقع، وتحوّل الإعلام إلى أداةٍ لتزييف الوعي الجمعي وإدارة الإحباط عبر تسويق الأمل الوهمي بدلاً من الحل الحقيقي.
وفي الميدان، كانت أحداث الساحل السوري والسويداء شاهدةً دامغةً على عمق التصدّع الوطني. ففي الساحل، وقعت مجازر مروّعة نفذتها فصائل من المقاتلين الأجانب ضد الأهالي الآمنين، فارتُكبت جرائم قتلٍ جماعيٍّ وانتهاكاتٍ وحشيةٍ بحق المدنيين، فمزّقت النسيج الاجتماعي وأعادت للذاكرة صور الحروب الأولى. وفي الجنوب، عاشت السويداء مأساةً مضاعفةً من القتل والتهجير والتنكيل، إذ تعرّض أبناء المدينة لموجاتٍ من القمع والعنف والاختطاف الممنهج، فتحولت ساحة الكرامة إلى ساحةٍ للفوضى والتهميش والعقاب الجماعي. ما جرى هناك لم يكن صدفةً ولا نتيجة فراغٍ أمني، بل ثمرةٌ مريرةٌ لسياسات التسلط وانهيار العقد الاجتماعي، حيث تغيب الدولة كضامنٍ للعدالة وتحضر السلطة كقوةٍ ذات لون واحد. ومع تفشي الخطف والقتل والابتزاز في كل المحافظات، باتت سورية تعيش مرحلةً يتراجع فيها الخوف من العدو الخارجي أمام الخوف من الداخل، ويتحوّل فيها المواطن من شريكٍ في الوطن إلى ضحيةٍ دائمةٍ له.
في هذه الصورة القاتمة تتجسد معالم المأثم والمغرم كما حذر النبي ﷺ؛ فالمأثم في الخداع والاستبدال، والمغرم في ما يحمله الشعب من أوزار ذلك الخداع. فمن طلب السلطة كمغنم أصيب بمغرم يسلبه بركة الحكم وشرعية البقاء، ومن بنى دولته على الأوهام والادعاء حكم على نفسه بالسقوط وإن بقي على العرش. فلا تحرير حقيقي تحقق، ولا فتح عظيم وجد، بل إدارة استبدال تُزين وتخادع وتدار بأدوات الاستبداد ذاتها.
غير أن الطريق لا يُغلق بالخيبة، ففي وسط هذا الركام من الوهم والاستبدال يبقى الأمل قائماً ما دامت الهوية الوطنية الجامعة حية. فمستقبل سورية لا يُصاغ في غرف القوى الدولية ولا في أساطير الفصائل، بل في حوار وطني شامل وحقيقي يجمع كل أبناء البلاد على اختلاف اتجاهاتهم، حوار يعيد لـ”التحرير” معناه الأصيل كـ”تحرير للإنسان” لا “استبدال للسلطة”، ويضع أسس دولة جديدة تُبنى على الهوية الوطنية الجامعة، لا على الطائفة أو السلاح أو الولاء. دولة تستند إلى المعايير الوطنية والعالمية في الحكم الرشيد والعدالة والشفافية والمساءلة والمواطنة المتساوية. دولة تعيد الاعتبار للعقل والعلم والخبرة، وتستعيد ثقة الإنسان بنفسه قبل أن تطلب ثقته بالمؤسسات. عندها فقط يتحقق معنى الدعاء النبوي في واقعه الحديث: يُعاذ الحاكم من المأثم، ويُعاذ الشعب من المغرم، وتعود سورية إلى سيرتها الأولى وطناً لا يُدار بالاستبدال ولا يُخدع بالوهم، بل يُبنى بالحقيقة والعدل والحوار.
*كاتب سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر