الإثنين , مارس 16 2026
الرئيسية / اراء / “بيبي.. لا يمكنك أن تحارب العالم”

“بيبي.. لا يمكنك أن تحارب العالم”

ناهد نجار*
عندما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يميل كثيرون إلى التقليل من شأنه. فالرجل اعتاد أن يناقض نفسه، ويقول اليوم ما قد يتراجع عنه غداً. حتى أقرب حلفائه يعلمون أن كلماته لا تخضع لحسابات دبلوماسية، وأنه لا يتردد في قول ما يدور في ذهنه دون تصفية أو مراجعة.
لكن في العمق، ترامب يقول ما يسمعه ممن يهمس في أذنه في الغرف المغلقة. وهذا بالضبط ما يجعل تصريحاته مهمة.

فما يبدو “عفويا” أو “سطحيا” في خطاباته، كثيرا ما يكشف عن جوهر الرؤية الأمريكية الحقيقية، لا تلك المصقولة بلغة المؤتمرات والبيانات، بل تلك التي تدار بها السياسات وتطبق على الدول.

حين قال ترامب إن “غزة ستصبح الريفييرا القادمة”، حتى قبل أن يتمكن أهلها من جمع أشلاء أطفالهم من تحت الركام، كان يعبر عن المخطط الفعلي للرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية تجاه غزة: رؤية تقوم على الإبادة ثم الإعمار لأجل الربح، وعلى “السلام” كواجهة لفرض السيطرة.
وحين قال إن “السلام يأتي بالقوة”، لم يبتدع عقيدة جديدة، بل كان يكشف الأساس الحقيقي للسياسة الغربية في الشرق الأوسط: سلام يفرض بالقوة، عبر القصف والتجويع والحصار، ويبدو معه الاستسلام حلا سياسيا.والعالم سمع ترامب حين قال: “إسرائيل صغيرة جدًا، وهذا أمر سيئ“، هنا لم يكن يتحدث عن الجغرافيا بقدر ما كان يكشف عن العقيدة السياسية التي تحكم تفكير النخبة الأمريكية والإسرائيلية.

فـ”صِغر إسرائيل” في ذهن ترامب، ليس حقيقة طبيعية، بل مشكلة ينبغي حلها — عبر التوسع، والضم، والسيطرة على مزيد من الأراضي، وضمان تفوقها العسكري على كل من حولها.

خطورة هذا التصريح تكمن في بساطته المضللة: فهو يروج لفكرة أن التوسع الإسرائيلي أمر حتمي ومشروع.

ويحول الأرض الفلسطينية — من غزة إلى الضفة الغربية، وربما أبعد من ذلك — إلى عقار مفتوح لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

حين يقول ترامب إن “الصغر سيئ”، فإنه يردد المنطق ذاته الذي غذى الحروب والاحتلالات والتهجير لعقود، وهو المنطق الذي لا يرى الشرق الأوسط وطنا لشعوبه، بل سوقا وجبهة نفوذ ومناطق عسكرية وممرات للطاقة.

وعندما يصدر هذا التصريح عن ترامب الذي جعل من سياسة بلاده امتدادا للمشروع الصهيوني، فإنه لا يكون تعليقا عابرا، بل إطلالة على العقيدة الاستراتيجية التي تقوم عليها فكرة “الشرق الأوسط الجديد “حتى لو كان الثمن حربا بلا نهاية.

ونتوقف في هذا التحليل مع أحدث عباراته التي جاءت في حديثه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأنها تحمل دلالات كثيرة أبرزها الأسباب التي قادت إلى خطة ترامب الأخيرة: بشأن غزة.
“قال ترامب لنتنياهو: بيبي، لا يمكنك محاربة العالم.”
للوهلة الأولى، يبدو التصريح نصيحة ودية أو تحذيرا دبلوماسيا. لكنه في العمق يحمل رسالة أبعد من ذلك بكثير.

فترامب، لم يكن يدعو نتنياهو إلى التراجع بدافع الأخلاق، بل كان يذكره بحدود القوة — بأن قدرة إسرائيل على خوض الحروب لا تتعلق فقط بالسلاح، بل بمدى قدرة العالم على الصمت.

من هو “العالم” الذي لا تستطيع إسرائيل محاربته؟

“العالم” الذي يقصده ترامب ليس الحكومات فقط — فهذه بمعظمها خضعت عبر التطبيع أو الصمت أو التواطؤ.

بل العالم الحقيقي وهو ضمير الشعوب الذي أيقظته المقاومة بكل أشكالها، مسلحة أو شعبية أو عالمية.

فالطلاب الذين هتفوا لغزة ولحرية فلسطين في الجامعات، والملايين الذين خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم للإبادة والتطهير العرقي، والصحافيون الذين يخاطرون بحياتهم لكشف الجرائم، هم “العالم” الذي تخشاه إسرائيل فعلاً.

العالم الذي أدرك أن “الدفاع عن النفس” أصبح غطاء للإبادة، وأن “محاربة الإرهاب” لم تعد سوى تبرير للاستعمار الحديث.

الخطة العميقة: من “السلام بالقوة” إلى “غزة الريفييرا”
تصريحات ترامب لم تكن صدفة. إنها تكشف ملامح “الخطة العميقة” — تلك التي ترى في غزة عقارا قابلا للمتاجرة، لا مأساة شعب يجب إنهاؤها.

في هذه الرؤية، يُعاد رسم الشرق الأوسط وفق منطق واحد:

إسرائيل تتوسع، والعرب يُدجنون، والمقاومة تُجرَّم، وكل ذلك تحت شعار “السلام الجديد”.

ترامب، بلسانه غير المنضبط، لا يُنظّر للسياسة بل يفضحها.

فترامب هو صوت “الدولة العميقة” بلا قناع — يقول ما يخطّطه الآخرون في الغر ف المظلمة.

وحين يقول لنتنياهو: “لا يمكنك محاربة العالم”، فهو لا يطلب منه وقف الحرب، بل تغيير شكلها، لأن نتنياهو تجاوز كل الحدود — السياسية والأخلاقية والقانونية. وبدأ يسير في طريق بالغ الخطورة أدت إلى عزلة غير مسبوقة لإسرائيل.
كلمات ترامب تكشف عن حقيقة مقلقة: حتى أقرب حلفاء واشنطن باتوا يرون أن حرب نتنياهو خرجت عن السيطرة.

وأن الحرب على غزة لم تعد مجرد مواجهة محلية، بل تحولت إلى أزمة أخلاقية عالمية — أزمة تهدد ليس فقط شرعية إسرائيل، بل مكانتها في النظام الدولي، خاصة بعد تفاقم السخط الشعبي داخل الغرب نفسه.

في جوهر الأمر، لم يكن ترامب يعبّر عن تعاطف، بل عن خوف — خوف من أن يقود تهور نتنياهو إلى صدام يتجاوز حدود الشرق الأوسط، ويصعب على واشنطن احتواؤه.
والخلاصة كلمات ترامب ليست مجرد زلّة لسان، بل مرآة لسياسة إمبراطورية تتهاوى أخلاقياً.

فالعبارة تحمل معنى أعمق بكثير مما قصده ترامب نفسه. فقد عرى ترامب بجملته هذه، وبعد عامين من محاولات الإبادة التي كان ضالعا فيها، الانهيار الأخلاقي للنظام الدولي، وكشف نفاق الدبلوماسية الغربية، وفضح عزلة إسرائيل وأكد أن حرب فلسطين هي حرب العالم الذي تخشاه أمريكا وإسرائيل.

ولعل في تصريحاته الأخيرة بخصوص نزع سلاح المقاومة وفي مقدمتها حماس بالاستسلام أو باستخدام القوة المفرطة دلالة على أن ترامب أدرك بعد عامين من التوحش الإسرائيلي لا تزال المقاومة والصمود الفلسطيني قادرين على قهر إسرائيل، فالمقاومة فكرة أكبر من الحدود، وأعمق من الخوف، وأقوى من كل آلة قتل.
لكن السؤال هل أدرك العرب هذه الحقيقة، هل أدركوا أن التخلص من المقاومة يعني ضمان الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
فإسرائيل لا تخشى الجيوش العربية ولا الصواريخ بقدر ما تخشى المقاومة نفسها. لأنها تجرؤ على إعادة تعريف العدالة والقوة بمعايير المظلومين لا الظالمين.
وهنا علينا أن ندرك أن المقاومة لا تولد لتفاوض، ولا تطلب الشرعية من أولئك الذين ينكرون حقها في الوجود. فغايتها أبسط — وأبقى — من ذلك: أن تبقى صوت الشعب الصامد، وأن تجعل الاحتلال مكلفًا، موجعًا، وبالتالي مستحيلا.
وإسرائيل — التي أعلن رئيس وزرائها بعد ساعات فقط من قمة شرم الشيخ أن حكومته «ستحقق جميع أهداف الحرب»، محذرًا من أن «أعداء إسرائيل يسعون إلى إعادة التسلح» — تدرك، في أعماق خطابها الأمني، أن المقاومة باقية ما بقي الاحتلال. فمحاولاتها المتوحشة للقضاء على حماس ليست دليل قوة، بل اعترافا بالخوف — الخوف من فكرة لا يمكن قتلها، ومن شعب يرفض أن يُمحى.
إسرائيل أدركت هذه المرة كما أدرك ترامب أنها لا تحارب غزة فقط؛ بل تحارب فكرة المقاومة ذاتها — فكرة تجاوزت الحدود، وتخطّت الفصائل، واستقرت عميقًا في ضمير العالم الذي يشاهد ويحاسب.

والمعركة المقبلة، فلسطين لن تكون وحدها.

*كاتبة فلسطينية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أزمة قيادة فلسطينية غير مسبوقة!

د. إبراهيم ابراش* في بداية مارس 2016، كتبنا مقالاً بعنوان: (الخوف على السلطة من السلطة)، …