سليمان أمين*
عقب سقوط نظام حزب البعث، وسقوط المنظومة الأمنية والحزبية التي هيمنت على سوريا لعقود، تجددت آمال جزء كبير من المجتمع السوري بولادة عهد سياسي جديد. كان من المفترض أن تصبح هذه اللحظة التاريخية منعطفاً نحو التعددية السياسية، وإعادة التمثيل الشعبي إلى قلب الحياة العامة، وأن تفتح الطريق أمام تأسيس أحزاب سياسية واجتماعية مستقلة تعبّر عن التنوع المجتمعي وتعطي المواطنين مساحة حقيقية للمشاركة في صنع مستقبلهم.
إلا أن ما حدث على الأرض سرعان ما كشف عن واقع معاكس تمامًا. فبدلاً من فتح المجال السياسي، سارعت سلطات الأمر الواقع التي تسلّمت زمام الحكم في دمشق إلى إحكام قبضتها على المشهد العام، مستخدمة أدوات قانونية وإدارية جديدة لتقييد أي نشاط مستقل، سواء أكان سياسياً أم اجتماعياً. فقد وُضعت قيود تعجيزية على ترخيص الأحزاب الجديدة، وأُلغيت أي محاولات لإعادة تنظيم الكيانات القديمة، بذريعة الحفاظ على «الأمن واستقرار الدولة»، بينما غابت أي رقابة حقيقية أو مساءلة حقيقية للسلطة.
لقد شكّل هذا الانغلاق السياسي المتعمّد فراغًا كبيرًا في الحياة العامة، إذ لم يظهر أي كيان حزبي أو معارض منظم قادر على قيادة المرحلة الانتقالية أو تمثيل الإرادة الشعبية، وأُقصيت المبادرات المدنية الواعدة قبل أن تتبلور. وهكذا، تحوّل الوعد بانفراج سياسي تاريخي إلى فترة من الجمود الممنهج، أعادت إنتاج منطق السيطرة، بأساليب أكثر حداثة ونعومة، بحيث بقيت الساحة السياسية خالية من أي قوة وسيطة يمكنها أن تشكّل العمود الفقري لأي ديمقراطية ناشئة.مصادرة الحياة الحزبية وإعادة إنتاج آليات الإقصاء
لم تكتفِ سلطة الأمر الواقع بمنع الأحزاب المعارضة التقليدية من العودة إلى الساحة، بل وسّعت دائرة التضييق لتشمل حتى المبادرات المدنية والاجتماعية التي حاولت أن تشكّل نواة لتمثيل شعبي مستقل. النقابات المهنية، الجمعيات الثقافية، المبادرات الطلابية، المجموعات الفكرية ومنصات الحوار؛ جميعها وُوجهت بسلسلة من العوائق الأمنية والقانونية، جعلت من أي نشاط خارج المظلة الرسمية مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالمجال العام أعيدت صياغته بعناية ليصبح مساحة مغلقة لا يُسمح فيها إلا بأصوات الولاء، بينما جرى إسكات أو تحييد أي محاولة لبناء فضاء تعددي حقيقي.
الخطاب الرسمي للسلطة الجديدة كان يتحدث عن “فتح صفحة جديدة” و”الانفتاح على كل القوى الوطنية”، لكن الممارسة على الأرض كانت تعيد إنتاج آليات الإقصاء ذاتها التي رسخها نظام البعث لعقود. فالأحزاب التي حاولت العمل ضمن الهامش القانوني الجديد اكتشفت بسرعة أن هذا الهامش ضيق إلى حد الخنق، وأن أي استقلال تنظيمي أو فكري يُفسَّر على الفور كتهديد سياسي. حتى الكيانات التي لم تعلن معارضتها العلنية وفضّلت التركيز على القضايا الاجتماعية والتنموية لم تسلم من الريبة والتضييق، وكأن السلطة الجديدة لا تحتمل أي شكل من أشكال التنظيم الشعبي خارج سيطرتها المباشرة.
هذا الانغلاق المتعمد للحياة السياسية بعد السقوط كان له أثر بالغ على المجتمع السوري. فمع غياب الأحزاب المستقلة، لم تعد هناك قنوات مؤسسية للتعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية، ولا أدوات منظمة يمكن من خلالها بلورة الرأي العام أو ممارسة الرقابة الشعبية على السلطة. وبدلاً من أن يكون الفضاء السياسي ساحة للتفاوض بين مختلف القوى الاجتماعية، تحوّل إلى مساحة صامتة خاضعة بالكامل لسلطة أحادية جديدة. وفي غياب هذا التعدد، انتشر الانكفاء إلى الهويات المحلية والطائفية والمناطقية، ما عمّق الانقسامات الداخلية وأضعف الروابط الوطنية الجامعة.
فراغ سياسي خطير وشرعية معلّقة
إن منع تشكيل الأحزاب السياسية والاجتماعية المستقلة بعد سقوط النظام السابق لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري أو سوء تقدير قانوني، بل هو قرار سياسي واعٍ يعكس رغبة واضحة في احتكار المجال العام. فالسلطة الجديدة لم تكتفِ بإسكات المعارضة المسلحة أو تفكيك المنظومات القديمة، بل عملت على تفريغ المرحلة الانتقالية من مضمونها السياسي بالكامل. وبذلك، حافظت على احتكار القرار، لكنها فقدت في المقابل أي قاعدة شرعية حقيقية أو تمثيل شعبي منظم. فالأحزاب هي الأوعية التي يُصاغ من خلالها العقد الاجتماعي الجديد، وهي التي تتيح للناس المشاركة في صياغة السياسات وتداول السلطة. من دونها، تبقى السلطة في عزلة عن المجتمع، ويُدار المستقبل السياسي عبر قنوات مغلقة لا مكان فيها للإرادة الشعبية.
هذا الفراغ لم يترك سوريا في عزلة داخلية فحسب، بل فتح الباب أمام القوى الإقليمية والدولية لملء الحيز السياسي الفارغ. فعندما يغيب التنظيم السياسي الوطني المستقل، تصبح الطاولات الخارجية هي الساحة الحقيقية التي يُرسم فيها مستقبل البلاد، بينما يتحول السوريون إلى شهود صامتين على قرارات تُتخذ نيابة عنهم. وهكذا، أُفرغت اللحظة التاريخية من مضمونها التأسيسي، وضاعت فرصة بناء نظام سياسي تعددي قادر على استيعاب التنوع السوري وتجاوز عقود الاستبداد.
إن أي حديث عن انتقال سياسي أو استقرار مستدام في سوريا يبقى بلا معنى ما لم يُفتح المجال أمام تشكيل الأحزاب بحرية، ويُعاد الاعتبار للتعددية السياسية والاجتماعية. فالمشاركة الشعبية لا تتحقق عبر الخطب أو الاستفتاءات الشكلية، بل من خلال قنوات تنظيمية حقيقية تعبّر عن مصالح الناس وتمنحهم صوتًا فاعلاً في تقرير مصيرهم. ما لم يحدث ذلك، فإن السلطة الجديدة، مهما غيّرت من شعاراتها، ستظل مجرد نسخة محدثة من الاستبداد القديم، بوجوه مختلفة وأدوات أكثر نعومة، لكنها لا تقل قسوة في مصادرة المجال العام وإقصاء الإرادة الشعبية.
سوريا لا تحتاج إلى سلطة أمر واقع جديدة تُعيد إنتاج الماضي، بل إلى فضاء سياسي مفتوح يعيد للناس دورهم في تقرير مصيرهم، ويمنحهم القدرة على بناء مستقبلهم بأنفسهم، لا بالنيابة عنهم. الشتات، تعرف دائماً كيف تعود إلى الطريق.
*كاتب واعلامي سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر